عربي
لو قُيِّض لكل فردٍ من أفراد الشعب السوري أن يُجرى له فحص الخريطة الجينية (DNA)، لكانت المفاجأة كفيلةً بلجم الأفواه؛ إذ سيكتشف معظمهم أجداداً بعيدين في الجغرافيا والتاريخ، وليس هناك من له أحقية أعلى في امتلاك البلاد وتاريخها، فسورية بلد التعدّد العريق. كل قطرة دم تُراق من الدم السوري، وكل لحظة عنف تنال من جسد أيٍّ من مكوّنات الشعب السوري، سوف تزيد من عمق الشروخ وتدقّ أسافين عميقة بينها، ما يجعل إمكانية الحلم بوطنٍ سوري لها جميعاً أمراً صعبَ المنال، إن لم يكن مستحيلاً.
الأخطر في الواقع السوري الحالي هو الانقسام والتشرذم المجتمعي، وتفتيت أيّ بقايا لهُويّة وطنية (إن وُجدت بالفعل فيما مضى) أو لنقل: إن كانت في حالة جنينية، فهي تُجهَض بقوة وشراسة وتخطيط مدعوم خارجياً. كنّا فيما مضى نتباهى بتاريخنا العريق، وبالفسيفساء الجميلة والزاهية للشعب السوري، لكن هذه المشاعر، في الواقع، لم تكن تتجاوز سطح أجسادنا وعقولنا. هذه حقيقة يقدّم الواقع برهاناً عليها في كل لحظة. أما ما وصلنا إليه من تجذير "المُلكية" (ملكية الوطن والتاريخ) لصالح مكوّن واحد يرى نفسه (لدى شريحة واسعة منه) صاحب الأرض، وأن الآخرين ليسوا أكثر من ضيوف، وعليهم إظهار الامتنان والولاء لمضيفيهم "أصحاب الأرض"، ومحاولة هؤلاء الآخرين تأكيد انتمائهم وحقهم التاريخي في هذه الأرض، فما هو إلّا مقصلة فوق رقابنا جميعاً.
احتل الضباب وعي شريحة كبيرة من النُّخب ودفع بهم إلى الوقوف بجانب سلطات الأمر الواقع من دون نقد أو مراجعة
وفي ظلّ هذا العنف المتنامي بمختلف الأشكال، تحاول كل جماعة تأصيل ذاكرتها والتمسّك بسرديتها، فـ"من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل؛ ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي"، كما يقول جورج أورويل. وعندما يكون طرفٌ مسيطراً أو يملك القوة على بقية الأطراف، سوف يلجأ باقي الأطراف إلى الانكفاء في حيّزهم الخاص وتمكين هذا الماضي خوفاً على هُويّتهم التاريخية التي يتمسّكون بها كل يوم أكثر، ما يزيد من تمكين الانقسام الذي يسرّع التقسيم.
فالذاكرة عملية ديناميكية يجري تعديلها باستمرار وفقاً للسياق الاجتماعي الراهن. وبالتالي؛ تعيد الذكريات التي يصنعها الحاضر بناء الماضي باستخدام بيانات مستعارة من الحاضر، فتتسع دائرة العنف والكراهية والتباعد بين الجماعات، ما يزيد إلحاحها على العيش في أقاليم أضيّق يتحقق فيها قدر أقل من التطاول على كيانها، وتعيد بناء هُويّتها وترسم مستقبلها وفقاً لرؤيتها.
استمرار العنف، سواء بين مكوّنات الشعب، أو بين السلطة وبعض المكوّنات، سيدفع كل مكوّن في طريق بناء عدوّ له من شركائه في الوطن. وهذه ظاهرة تتنامى بسرعة مثل الفطر بين مكوّنات الشعب، فتُحوَّل الاختلافات العادية، كاللغة والدين والقومية وغيرها، إلى حدود لا يمكن تجاوزها. يصبح الآخر خطراً مهدِّداً يجب التخلّص منه. وهذا ما رأيناه في معظم المناطق في سورية: في الساحل، وفي السويداء، وفي شرق الفرات، واليوم في أحياء حلب حيث دارت المعارك أخيراً. إخراج الأحداث من سياقها يشكّل إحدى أدوات الحرب البينية الفعّالة للغاية؛ فعند عزل حدثٍ من سياقه التاريخي الأوسع يتغيّر معناه جذرياً، ويصبح أحد أهم الأسلحة الفتاكة، خاصةً عندما يُستخدم مع سندٍ إعلامي ودعائي للتأثير في الجمهور والفوز بالتأييد. وهذا ما يدفع الجماعات التي تشعر بالخطر، أو أنها أُقصيت إلى مراتب ثانية وثالثة في التصنيف من الجماعة المؤيدة للسلطة المسيطرة إلى السير خلف شخصيات "كاريزمية" تخلقها الظروف الواقعة. وبالتالي؛ تُختزل الحركات الاجتماعية الكبرى في هذه الشخصيات، مهما كان حولها من ملاحظات من الجماعة نفسها، ما يسمح بتجاهل بعدها الاحتجاجي البنيوي، كما يحدث اليوم في بعض المناطق السورية مع شخصيات مثل حكمت الهجري وغزال غزال ومظلوم عبدي.
وفي عصر المعلومات والأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد التحكّم الكامل في المعلومات وحده ما يتيح التلاعب بالواقع وبالذاكرة الجماعية معاً، بل أصبحت القدرة على توجيه الانتباه وترويج الرسائل والصور والخطاب من كل مجموعة لجمهورها (من أجل تعزيز صورة العدوّ وتمكين الشعور بالمظلومية، تاريخيةً كانت أم حديثة، لا فرق)، ولجمهور الطرف الذي تتحارب معه، وللرأي العام أيضاً. هذه الحرب في مواقع التواصل الاجتماعي، والجيوش الإلكترونية، والذباب الإلكتروني... تزيد في اضطرام نيران المعارك ونيران الكراهية والثأرية في الصدور.
المؤسف أكثر هو الضباب الذي احتل وعي شريحة كبيرة من النُّخب الثقافية والمجتمعية، بطريقة دفعتهم إلى تبنّي السرديات الخاصة، والوقوف في جانب سلطات الأمر الواقع من دون أيّ نقد أو مراجعة. وما أكثر سلطات الأمر الواقع في سورية. حتّى إنّ مواقفهم التي جهروا بها تجاه ارتكابات النظام الساقط صاروا اليوم يجهرون بعكسها. ومنهم من كان يعلن بصوت مرتفع رفضه هيئة تحرير الشام قبل أن تصل إلى الحكم، فصاروا اليوم يُخرسون من ينتقدها، على الرغم من كون النقد حالة حيوية وضرورية لبناء الدولة والمجتمع؛ وكأنّ محو بعض الأحداث التاريخية يسمح بتعزيز شرعية السلطة القائمة.
تتحمّل السلطة السياسية مسؤولية محاربة خطاب الكراهية والفتنة ومعاقبة من يروّجونه
إن تجاوز الماضي والنظر نحو المستقبل من دون مواجهة المسؤوليات التاريخية لا يمكن أن يتحقق من دون استحقاقات تفرضها تركات هذا الماضي. واستمرار العنف، خصوصاً بين مكوّنات الشعب، والخطاب الإقصائي من شريحة من الأكثرية تجاه باقي المكوّنات (ترى في نفسها مالكة الحقّ الحصري بالوطن والتاريخ والمستقبل)، سيزيدان من تعقّد الأزمة ويدفعان بالبلاد نحو التقسيم الذي تضمر النيّة به غالبية الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الشأن السوري. وهذا التقسيم، الذي بات شبحه يدنو، لن يجعل من "الدويلات" الناشئة كيانات قوية؛ بل ستبقى جذوة المظلومية التاريخية والراهنة، وآثار العنف والكراهية والعصبية، مثل وشمٍ في صدورها، تجعل منها كياناتٍ متناحرةً في لهاثٍ نحو الثأرية وإرواء الغليل.
فكيف يمكن لمجتمعات بأسرها أن تنسى أحداثاً مؤلمةً في تاريخها الحديث؟ وما انعكاسات هذه الأحداث على بناء الهُويّة الجماعية وقدرة المجتمع على مواجهة تحدّياته المعاصرة؟ ما الذي يمكن فعله من أجل إنهاء الحرب التي ما إن تخبو في بقعة حتى تندلع في بقعة أخرى في مساحة التراب السوري؟ هل هو رفض خطابات الكراهية وتجريد الإنسان من إنسانيته؟ أم وضع سياسات تنموية تشمل جميع المناطق من دون تمييز؟ أم الاطلاع على الجذور العميقة للصراعات؟ بل العدالة الانتقالية ونصرة حق الضحايا، والعدالة الحالية أيضاً.
هناك أسئلة لا تنتهي: منها ما هو أولي وأساسي، ومنها ما يمكن تأجيله إلى حين تحقيق الأمن والسلام المجتمعي. فالسلام ليس غياب الحرب فحسب، بل هو عمل يومي لبناء المجتمع. لكن هذا العمل أول ما يحتاج إليه هو بناء الجهة المُخوَّلة والقادرة على الشروع بالبناء. ومن البديهي القول إنّ السلطة السياسية هي صاحبة المسؤولية الأولى والكبرى، وأولى مسؤولياتها محاربة خطاب الكراهية والفتنة ومعاقبة من يروّجونه، وتأسيس منابر إعلامية أكثر احترافية، وتبنّي الشفافية أمام الشعب؛ الشعب الذي أكثر ما يحتاج إليه اليوم في عديد مكوّناته ومناطقه هو الثقة بالسلطة، والشعور بالأمان، وتوفير الشروط التي تحمي هُويّاتهم الخاصة، ومنحهم أدواراً في بناء سورية الجديدة.
