عربي
لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة طرح فكرة السيطرة على غرينلاند، بل ذهب هذه المرة إلى السخرية العلنية، مختزلاً القدرات الدفاعية الدنماركية في "زلاجات الكلاب"، في تصريح أثار استياءً في كوبنهاغن. وسرعان ما التقط نائبه جي دي فانس هذا الخطاب، واصفاً الدنمارك بأنها "حليف سيئ".
على منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً في الحسابات المتعاطفة مع ترامب، انفجرت موجة سخرية من الجيش الدنماركي. انتشرت مقاطع فيديو وميمات مهينة، صوّرت الدفاع عن غرينلاند عبر مكعبات ليغو تحيط بالجزيرة، أو جنود بلاستيكيين على هيئة ألعاب أطفال.
تداول مستخدمون مقطع فيديو جرى الادعاء بأنه يعرض "القوات الخاصة الدنماركية"، قبل أن تضع منصة إكس تنبيهاً يؤكد أن الفيديو يعود إلى سويسرا، في خلط بدا لافتاً بين العلمين السويسري والدنماركي، وصولاً إلى تصوير السكين السويسري وكأنه أداة تسلح دنماركية، على الرغم من أن سويسرا من أكثر الدول تسليحاً لمواطنيها ضمن عقيدتها الدفاعية.
أمام هذا التصعيد الذي عزّزه ترامب بتصريح ساخر حول إرسال كوبنهاغن "زلاجات وكلاباً إضافية" للدفاع عن غرينلاند، انتقل كثير من الدنماركيين من الصدمة إلى الرد بالمثل. ذكّر مستخدمون دنماركيون الأميركيين بأن بلادهم الصغيرة شاركت واشنطن في معظم حروبها الخارجية، من أفغانستان إلى العراق، وأنها، نسبةً إلى عدد السكان، كانت من أكثر دول الناتو تضحية في حرب أفغانستان، إذ فقدت 44 جندياً. ويبلغ إجمالي القوات التي يمكن حشدها في الدنمارك نحو 80 إلى 85 ألف جندي، بمن فيهم الاحتياط والحرس الوطني.
تعمّق السجال بسلسلة مقارنات تاريخية استدعتها حسابات دنماركية: من مصير الجيش النازي في روسيا، إلى حرب فيتنام، إلى إسقاط مروحية أميركية في الصومال وسحل جنود المارينز، وصولاً إلى التجربة الأميركية في أفغانستان، حيث مرّ نحو 800 ألف جندي قبل الانسحاب والهزيمة أمام مقاومة محدودة الإمكانات. في هذا المناخ، لم يعد مستغرباً أن يتحدث دنماركيون صراحة عن "مقاومة" أي غزو أميركي محتمل لغرينلاند، سواء عبر المقاطعة التي تنتشر على المنصات، أو عبر المقاومة على الأرض، مستحضرين تجربة فنلندا في "حرب الشتاء" ضد الجيش الأحمر.
بين صورة الجندي الدنماركي مع زلاجة وكلاب كما نشرها أميركيون، وصور "المقاومة في الثلج والجليد"، تدور معركة رمزية حادة. تعكس هذه المواجهة الرقمية مدى استعداد الشعوب الأوروبية، حتى الحليفة لواشنطن، للدفاع عن سيادتها وكرامتها الوطنية. وفي هذا السياق، عاد مصطلح الإمبريالية إلى الرسوم الكاريكاتيرية في الصحف الدنماركية والإسكندنافية. وتبنّت صحف شمال أوروبا، عند تغطية الهجوم الأميركي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، توصيفات مثل "غزو" و"اختطاف"، في لهجة غير مألوفة تجاه واشنطن.
في مقابل هذا التفاعل الشعبي المتصاعد، دعا سياسيون وخبراء دنماركيون إلى التهدئة والتحذير من الانجرار إلى "حرب صور" على وسائل التواصل. لكنّ القضية تبدو أبعد من غرينلاند نفسها، خصوصاً بعدما كثّف ترامب تصريحاته الساخرة من قادة أوروبا، وتحدّيه الواضح للنظامين القانوني والدولي، معلناً أن الحدود الوحيدة التي يعترف بها هي "أخلاقه" ومنطقه الخاص.
هذا التحول انعكس في الإعلام الدنماركي أيضاً. فقد نشرت صحيفة بيرلنغسكا، المحسوبة سابقاً على التيار المحافظ القريب من ترامب، عنواناً لافتاً: "اعتبرها غير مؤهلة لقيادة فنزويلا… لكنه يرحّب بها اليوم إن أهدته جائزة نوبل للسلام"، في إشارة إلى تناقضات الرئيس الأميركي. وصعّدت صحيفتا "إنفورماسيون" و"بوليتيكن" من لهجتهما النقدية تجاه رؤيته للنظام الدولي، وسعتا لتشكيل جبهة صحافية لتفنيد كل تصريح يصدر عنه أو عن مقربيه بشأن الدنمارك وأوروبا.
في المقابل، برز صوت أميركي يناهض حملات التهكم، تمثل بالمحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية والمستشار الأمني، مايكل شوركين، الذي كتب على "إكس": "الشيء الوحيد الذي لن أتسامح معه هو السخرية من الجيش الدنماركي. لقد وقفوا إلى جانبنا في العراق وأفغانستان، وقاتلوا بشراسة في هلمند. من المؤسف أن كثيراً من الأميركيين لا يعرفون ما قدّمه هؤلاء الجنود".
تبدو الدنمارك وشمال أوروبا عموماً مضطرين إلى التعايش طوال ما تبقى من ولاية ترامب (ثلاث سنوات)، مع حقيقة أن غرينلاند ستبقى ورقة سياسية وإعلامية يستخدمها الرئيس الأميركي متى شاء.
ويرى كبير المعلقين في "فاينانشال تايمز"، إدوارد لوس، أن إغراء ترامب بهذه الورقة "سيزداد"، موضحاً أنه، خلافاً لولايته الأولى "لا تحيط به اليوم أصوات تدعوه إلى الاعتدال". ما بدأ حملةَ سخريةٍ إعلامية، تحوّل اليوم إلى كشف علني لـ"الغسيل القذر" في العلاقة عبر الأطلسي.
فمن اتهام واشنطن بـ"قرصنة" النفط الفنزويلي، إلى وصف انسحابها من المنظمات الدولية بأنه "بلطجة لتدمير الأمم المتحدة"، وفق ما نشرته "إنفورماسيون"، بات الخطاب الأوروبي أكثر جرأة وأقل مواربة.
إنها حرب على الصورة والرمزية، لكنها تكشف تصدّعاً أعمق في الثقة بين الطرفين، وتشير إلى مرحلة جديدة في علاقة أوروبا الشمالية بالولايات المتحدة الأميركية، عنوانها الأوضح: الحليف لم يعد فوق النقد.
