معلمون على مقصلة السياسة
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

فهمي الزبيري*

بينما تتجه الأنظار إلى مسقط، حيث تجري مفاوضات إنسانية لإتمام صفقة تبادل أسرى ومختطفين برعاية الأمم المتحدة وسلطنة عمان، اختارت ميليشيا الحوثي أن ترد على هذا المسار بإشهار سيف الإعدام في وجه ثلاثة معلمين مدنيين من أبناء محافظة المحويت، في خطوة لا يمكن فصلها عن منطق الابتزاز السياسي واستخدام الدم كوسيلة تفاوض.

إن تحريك وتنفيذ قرارات الإعدام بحق إسماعيل محمد أبو الغيث، صغير أحمد فارع، وعبد العزيز أحمد العقيلي، في هذا التوقيت تحديداً، يمثل تصعيداً خطيراً ومقصوداً لإفشال صفقة التبادل، ونسف أي أمل بانفراجة إنسانية في واحد من أكثر الملفات حساسية في اليمن.

من الناحية القانونية، فإن هذه القرارات تفتقر إلى الشرعية الإجرائية والموضوعية، فالقضاء مصادر والمحاكم التي أصدرتها فاقدة للاستقلال ومشوبة بالبطلان، وتعمل تحت هيمنة أمنية مباشرة، في انتهاك صريح للمادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة، مستقلة، ومحايدة.

المعلمون الثلاثة مدنيون لا يحملون السلاح، وتعرضوا للاختطاف التعسفي، والإخفاء القسري لسنوات، ثم أُخضعوا لمحاكمات صورية، بنيت على اعترافات انتزعت تحت التعذيب، وهو ما يجعل أي حكم صادر بحقهم باطلاً قانوناً وفقاً للقانون الدولي، ووفقاً حتى للقوانين الوطنية اليمنية نفسها.

في سياق النزاع المسلح غير الدولي في اليمن، يعدّ إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مدنيين مختطفين جريمة جسيمة، فالمادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف تحظر بشكل قاطع، “إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، تكفل جميع الضمانات القضائية”، وإن أي تنفيذ محتمل لهذه الأحكام قد يرقى إلى جريمة حرب، تستوجب المساءلة الجنائية الفردية، ولا تسقط بالتقادم.

لم يعد خافياً أن ميليشيا الحوثي تستخدم ملف الإعدام كسلاح تفاوضي وورقة ضغط سياسية، فالتاريخ القريب يشهد بإصدار قرارات إعدام بحق صحفيين ومعارضين سياسيين، في كل مرة يلوح فيها أفق تسوية أو تفاهم إنساني.

تحريك قضية معلمي المحويت الآن ليس سوى رسالة تهديد مزدوجة، رسالة للمجتمع الدولي مفادها أن الحوثي لا يحترم أي التزام، ورسالة للفريق الحكومي المفاوض بأن أي مسار إنساني سيقابل بالتصعيد.

خلف هذه القرارات، تقف عائلات على حافة الفاجعة تعيش بين الأمل والذعر، زوجات ينتظرن مكالمة لا تأتي، وأطفال يسألون كل مساء عن آبائهم، وآباء وأمهات يعيشون قسوة الانتظار، إن الحديث عن ثلاثة معلمين يعني عائلات بأكملها مهددة بالانهيار النفسي والاجتماعي.

الصمت الدولي في هذه اللحظة لا يمكن تبريره، فعدم اتخاذ موقف حازم من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ورعاة التفاوض يعني عملياً تفريغ اتفاق مسقط من مضمونه الإنساني، وإعادة ملف الأسرى والمختطفين إلى نقطة الصفر، والمطلوب اليوم، ضغط دولي فوري لوقف تنفيذ أحكام الإعدام، وربط أي تقدم في ملف التبادل بإلغاء هذه الأحكام والإفراج عن المختطفين المدنيين، وتحميل ميليشيا الحوثي المسؤولية القانونية الكاملة عن أي أذى يلحق بالمختطفين، وهي أيضاً دعوة للفريق الحكومي، أن لا تفاوض تحت المقصلة.

أمام هذا التعسف، يصبح من المشروع – أخلاقياً وقانونياً – مطالبة الفريق الحكومي المفاوض باتخاذ موقف حازم، يصل إلى تعليق المفاوضات ما لم تتوقف ميليشيا الحوثي عن استخدام الإعدام كسلاح سياسي، فلا معنى للتفاوض على تبادل الأسرى، بينما تساق أرواح مدنيين أبرياء إلى الموت.

إن قضية معلمي المحويت أمام طريقين، إنقاذ ثلاثة معلمين، أو دفن المسار الإنساني، وهي اختبار حقيقي لجدية المجتمع الدولي، ولمصداقية أي مسار سلام أو تفاوض إنساني في اليمن، إما أن تنقذ الأرواح، ويحمى القانون، أو يترك الحوثي ليكرس منطق المقصلة بدل منطق الحوار، إن كل يوم تأخير هو اقتراب خطوة من الجريمة، وكل صمت هو شراكة غير مباشرة فيها.

أنقذوا مختطفي المحويت، فإنقاذهم اليوم هو إنقاذ لما تبقى من الإنسانية في هذا الملف باليمن.

*مدير عام مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة

The post معلمون على مقصلة السياسة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية