طلبة طب وتمريض غزة... خبرة في جراح الحرب وآلامها
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
عمل العشرات من طلاب وطالبات الطب والتمريض متطوعين في مستشفيات قطاع غزة خلال فترة الحرب، وكانوا يعملون تحت ضغط كبير نتيجة وصول مئات المصابين والمرضى يومياً، ما أكسبهم خبرات ميدانية. لم تكن تجربة طلبة الامتياز في تخصصي الطب والتمريض في إمضاء ساعات التدريب بين مستشفيات قطاع غزة عادية، إذ خضعوا لتدريب عملي داخل أقسام الطوارئ مختلف عما تعلموه في جامعاتهم، وتعاملوا مع إصابات معقدة من جراء مجازر الاحتلال الدموية، وقد أسهموا في إسناد المنظومة الصحية، وتعويض النقص في الطواقم الطبية الناتج عن الاستشهاد أو السفر أو النزوح. رغم أن الدراسة الجامعية كانت متوقفة بسبب الحرب، تطوع طالب الطب بالجامعة الإسلامية في غزة عدنان ناهض سكيك، في ديسمبر/ كانون الأول 2023، للعمل في أقسام الطوارئ، ثم استكمل دراسته إلى جانب تطوعه في يونيو/ حزيران 2024، مع استئناف الدراسة الجامعية. يقول سكيك لـ"العربي الجديد": "الواجب الوطني والديني والأخلاقي حتّم عليّ التطوع بسبب نقص الطواقم الطبية. قررت تقديم كل ما أستطيع في ظل هذه الظروف الصعبة، وتطوعت أولاً بقسم الطوارئ في مجمع الشفاء، ومن ثم انتقلت إلى المستشفى المعمداني، وكنت أتنقل مع بقية الطاقم عندما يُغلق مشفى إلى مشفى آخر لمعالجة المصابين والمرضى. كان التطوع مفيداً، واكتسبت الكثير من الخبرة العملية والعلمية، وأحسب أنني قدمت شيئاً لشعبي في غزة في ظل الوقت الصعب". في يناير/ كانون الثاني 2025، أنهى عدنان سكيك سنته الدراسية الخامسة، ومن المقرر أن ينهي السنة السادسة خلال العام الحالي، ثم يبدأ سنة الامتياز قبل مزاولة المهنة. ويقول: "أكثر شيء صعب واجهته كان العدد الكبير من المصابين في وقت واحد، إضافة إلى رؤية مشاهد لا أستطيع نسيانها، كطفلة فقدت أطرافها، ومن أصعب المهام تركيب الأنبوب الصدري، وهو تدخل متقدم، لكني تمكنت منه مع الممارسة العملية". يتابع: "أصبحت قادراً على التعامل مع إصابات الحرب، وتصنيفها لحين مجيء الطبيب المختص. كانت مهمتنا الأولى هي محاولة إنقاذ المصابين، فعندما يأتي مصاب بشظايا ولديه شريان أو وريد مفجور، نقوم بتثبت الطرف، وتعويض نقص الدم، ثم استدعاء طبيب الأوعية للتعامل معه، فضلاً عن تعرفي على النظام الصحي وبرتوكولات العمل، وسأبدأ سنة الامتياز بخبرة كبيرة اكتسبتها من التطوع على مدار سنة". شهدت ساحة مجمع الشفاء الطبي أخيراً حفل تخريج 230 من طلبة الطب بجامعة الأزهر والجامعة الإسلامية، والذي حمل اسم فوج "العنقاء"، وضمت لوحة التخرج أسماء ستة طلبة شهداء غابوا عن حفل التخرج، وهم أسامة أبو صفية، ومحمد الحبيبي، وعبد الرحمن أبو شمالة، ومعتز شابط، ولمياء أبو صلاح، وأمل حجازي. كان الشاب فهمي عاهد الميدنة يرتدي رداء الطبيب خلال الحفل، ولم يكن مجرد خريج أتم المساقات الأكاديمية، إذ تطوع في أقسام الطوارئ بمستشفى الشفاء والمستشفى المعمداني على مدار عامي الحرب. يقول لـ"العربي الجديد": "كنت من القلة الذين ظلوا في شمال غزة وعشتُ الحصار الأول لمستشفى الشفاء، وبعد تدميره ونزوح الطواقم الطبية، واجهنا صعوبات كبيرة بسبب انعدام المقومات، إذ كنا نستخدم أحياناً إمكانات بدائية للتعامل مع المصابين، وكانت فترة بداية عام 2024 من أصعب الفترات، مع انقطاع الإنترنت وصعوبة التواصل مع الطواقم". واجه الميدنة تحديات كبيرة، وخلال تطوعه تلقى نبأ قصف بيته في 27 يونيو/ حزيران 2024، وفجع باستشهاد سبعة أفراد من عائلته، من بينهم أربعة أشقاء، يومها ترك كل شيء وذهب إلى منزله في حي الشجاعية، ورغم أنه لم يستطع انتشال جميع الشهداء، عاد لإكمال عمله التطوعي بالتزامن مع استكمال دراسته الجامعية، فكان يتطوع ثلاثة أيام بالمشفى، ويخصص ثلاثة أيام للدراسة. ويحكي عن أصعب موقف تعرض له خلال الحرب، عندما وقعت مجزرة دوار الكويت في مارس/ آذار 2024، وحينها أطلقت قوات الاحتلال النار على منتظري المساعدات، وبسبب خروج مستشفى الشفاء عن الخدمة وتدمير مستشفى كمال عدوان ومحاصرة الطواقم الطبية، كان هو الطبيب الوحيد بالمستشفى المعمداني، ويساعده أربعة ممرضين. يقول: "وجدت نفسي أمام 120 مصاباً، ولا توجد خيارات، فإما التعامل معهم أو أتركهم للموت، فبدأت العمل بقسمتهم حسب خطورة الحالة، والتعامل أولاً مع الأخطر، فضمدت جراحهم، وحولت بعضهم إلى غرف العمليات. هذا يوم لا أنساه، وحظيت فيه بثناء كبير لأنني قدمت للمنظومة الصحية كل ما يمكنني، والآن أستعد للعودة إلى قسم الطوارئ لإكمال سنة الامتياز، لكن بخبرة كبيرة بعد عامين من التطوع". تخرجت طالبة التمريض ديانا عاشور في جامعة الأقصى، وتمضي حالياً فترة الامتياز، وهي تدريب إلزامي مدة 600 ساعة، وقد تبقى لها 100 ساعة، واختارت مجمع الشفاء الطبي لاكتساب الخبرة من خلال التعامل مع حالات مختلفة من المصابين. تقول لـ"العربي الجديد": "كان دورنا في المستشفى أساسياً خلال الحرب بعد تجربة عمل صعبة اكتسبنا خلالها خبرة واسعة، ولم تكن هناك تفرقة بيننا كوننا متدربين وبين الممرضين، فالمهام كانت واحدة، وجدول الدوام واحد". من بين المواقف الصعبة، تتذكر عاشور أنها في أحد الأيام، وبعد انتهاء دوامها، لم تستطع دخول حارتها في حي الزيتون بسبب قصف مدفعي إسرائيلي متواصل، وتروي: "بقيت لفترة مترددة في الدخول، وخشيت أن تكون عائلتي قد أخلت البيت في غيابي، لكن مع عدم الرد على اتصالاتي خاطرت بنفسي، ودخلت البيت لأجدهم بداخله". بدوره، يؤكد مسؤول متابعة طلبة الامتياز بمجمع الشفاء محمود الأشرم أن الطلبة كان لهم دور كبير خلال فترة الحرب، خاصة خلال فترة فصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، ووجود عشرات من كوادر التمريض بالجنوب، ما استدعى الاستعانة بخريجي الجامعات ممن أنهوا الدراسة وتبقى لديهم إتمام ساعات الامتياز التدريبية، وقد استوعب المجمع على مرحلتين 135 طالباً وطالبة بعد إعادة افتتاحه في سبتمبر/ أيلول 2024. ويقول الأشرم لـ"العربي الجديد": "لا أحد ينكر دور الطلبة، وهم في فترة من الفترات حملوا حجماً كبيراً من الخدمة في ظل النقص في أعداد الموظفين، إذ كان لدينا نقص 150 ممرضاً، فضلاً عن اعتقال الاحتلال العشرات من أفراد الطواقم الطبية، وكنا نراعي توزيع الطلبة بحيث نفرز طلبة البكالوريوس في الأماكن التي تحتاج إلى العمل الحذر، ونوزع طلبة التمريض على أقسام المبيت، وبعد فترة من التدريب، كانوا يحوزون خبرة وكفاءة عالية في التعامل مع الإصابات. حصل 70 طالباً وطالبة على فرص تشغيل مؤقتة لأربعة أشهر، وجددت مرة ثانية لستة أشهر، وذلك من أصل 450 متطوعاً وطالباً عملوا بالمجمع منذ بداية الحرب". من جانبه، يؤكد رئيس قسم الطوارئ بمجمع الشفاء الطبيب معتز حرارة أنه بعد يومين فقط من اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فتحت الوزارة باب التطوع للعاملين بالقطاعات الطبية، ومن ضمنهم طلاب الطب والتمريض، وفي ديسمبر/ كانون الأول التالي، تم فصل الشمال عن الجنوب، ونزحت كوادر طبية كثيرة، وكانت أعداد الطواقم المتوفرة لا تلبي احتياجات المرضى والمصابين في الشمال. ويضيف حرارة لـ"العربي الجديد": "بدأنا استدعاء طلبة الطب ليكونوا أساسيين بقسم الطوارئ، فكان على جدول العمل طبيب مناوب واحد أو اثنين، ويساعدهم اثنان أو ثلاثة من طلاب الطب، وهكذا كان العمل بقسم الطوارئ بمجمع الشفاء والمستشفى المعمداني، وقمنا بتدريبهم ميدانياً كي يسهموا في تعويض النقص، وهناك 12 طالباً جرى اعتقالهم وهم على رأس عملهم في مارس/ آذار 2024. ساعد الطلبة الطواقم الطبية في كافة الأقسام، وتولوا مهام عديدة، وقاموا بمتابعة الحالات تحت إشراف الطبيب المختص أو رئيس القسم". ويتابع: "مع بدء سريان وقف إطلاق النار، بدأت مغادرة طلبة الطب والتمريض المستشفيات، وعادوا إلى مقاعدهم بالجامعات، وأصبحوا يأتون إلى المستشفيات مع مشرفيهم وأطبائهم ضمن النظام الطبي التعليمي، وفق ما كان بالفترة السابقة على الحرب، لكن غالبيتهم اكتسبوا مهارات وخبرات طبية، وتجربة كبيرة خلال فترة الحرب، حتى إنهم يأتون إلى مساق طب الطوارئ بالسنة السادسة وهم يفهمون كل شيء، ويعرفون الإجراءات جيداً. لقد استفدنا منهم واستفادوا هم أيضاً".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية