المخفيون قسريًا في عدن: جريمة مفتوحة وأسرٌ تبحث عن ذويها.. هل تنجح السلطات الجديدة في اختبار العدالة؟
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

يمن مونيتور / وحدة التقارير / خاص

عاد ملف السجون السرية والمخفيين قسريًا إلى واجهة المشهد في العاصمة المؤقتة عدن، مدفوعًا بالتطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها المدينة منذ السادس من يناير/ كانون الثاني الجاري، عقب إعلان قوات “العمالقة” و”درع الوطن” استلام مهام المنشآت من قوات الانتقالي الجنوبي وتأمين المدينة. وما أعقب ذلك من إعلان حل المجلس الانتقالي كشرط للدخول في حوار للقضية الجنوبية، واشتراطات بإنهاء أو دمج التشكيلات العسكرية والأمنية التي ظلت عشر سنوات خارج سلطة وزارتي الدفاع والداخلية.

هذه التحولات أحيت آمال أهالي المخفيين الذين سارعوا بإطلاق مناشدات واسعة للكشف عن مصير ذويهم المنقطعة أخبارهم منذ عام 2015م.

عقد من الإخفاء 

على مدى أكثر من عشر سنوات، ظل ملف المخفيين والسجون السرية خاضعًا لسيطرة قوات الانتقالي والتشكيلات الأمنية المدعومة إماراتيًا. ولا تزال عدن تضم شبكة من المعتقلات غير الرسمية التي “تبتلع” مئات المواطنين خارج إطار القانون والقضاء.

وبرغم التقارير الحقوقية الصادرة عن المنظمات الدولية والمحلية، التي كشفت عن السجون السرية والإخفاء القسري وتورط قيادات في تلك الجرائم، إلا أن الغطاء الذي مُنح لتلك التشكيلات مثّل حصانة كافية وقوة أمر واقع حالت دون إغلاق هذا الملف، كغيره من ملفات الاغتيالات والنهب والفساد والملاحقات والانتهاكات التي ظلت دون محاسبة حتى اليوم.

وبحسب تقارير فريق الخبراء الأمميين، وتحقيقات وكالة “أسوشيتد برس” (AP)، ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”، إضافة لشهادات “رابطة أمهات المختطفين”، فإن السجون السرية تحولت إلى ما يشبه “المسالخ البشرية”.

برزت الشهادات الحية لتكشف عن فظائع الإخفاء القسري والتعذيب؛ فقد كشف حمزة الناخبي، أحد أبناء عدن، عن تعرضه للإخفاء القسري ثلاث مرات في سجون سرية بناءً على تهم ملفقة. كما وجهت تهاني، ابنة المختطف علي محسن شمسان، نداءً عاجلاً لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وعضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، لإيقاف معاناة أسرتها والكشف عن والدها المخفي منذ 2015م، مطالبة المسؤولين بتحمل مسؤولياتهم الإنسانية والأخلاقية والإفراج عمن لم تثبت بحقه تهمة أو تقديمه لمحاكمة عادلة.

معاناة أسر تنتظر خبراً عن ذويها المخفيين

مئات من أسر المخفيين قسرياً في السجون منذ 2015م رأت في المتغيرات الجديدة إحياءً لآمالها، فخرجت تعبر عن معاناتها بانتظار أخبار عن مفقوديها. تتجسد هذه المعاناة في حديث والدة أحد المخفيين التي سردت مرارة الانتظار أمام بوابات المطارات والمنشآت والسجون قائلة: “كم تجرعنا المرارات وقلة الحيلة، والقلق يسكننا حتى في المنام”.

كما يروي قريب المخفي محمد شيخ فضل السعيدي واقعة اختطافه في 16 مايو 2021، حين اعترض “طقم عسكري” حافلة أجرة كان يستقلها عقب مشاركته في وقفة احتجاجية بالمنصورة، ليقتاده الجنود إلى جهة مجهولة، ومنذ ذلك اليوم “اختفى كفص ملح وذاب”. وهي ذات القصة التي تكررت مع عبد القوي مشطل، والتربوي القدير زكريا قاسم المخفي منذ يناير 2018.

رابطة أمهات المختطفين عبرت في بيان لها عن ترحيبها بالحوار الجنوبي، وطالبت بالكشف العاجل عن مصير المخفيين منذ 2015م، مؤكدة على حق الأسر القانوني في معرفة مصير أبنائها، وأبدت استعدادها للمشاركة في أي جهد يضمن إيصال صوت الضحايا وعائلاتهم إلى المحافل الدولية، مشيرة إلى رصد أكثر من 60 حالة إخفاء قسري في السجون السرية.

المتورطون في جرائم الإخفاء والتعذيب

ملف الانتهاكات التي حدثت في عدن خلال عشر سنوات والحماية المفروضة على المتورطين يثيره الحقوقيون بشكل لافت؛ فقد كشفت المحامية هدى الصراري، رئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات، عن قائمة بأسماء متورطين بجرائم الإخفاء والتعذيب، منهم مصلح الذرحاني، الذي لا يزال يشغل منصب مدير قسم شرطة حتى اليوم، وهو قيادي أمني ارتكب جرائم إخفاء وقتل واغتصاب تُعد جرائم حرب وفق القانون الدولي الإنساني. فيما لا يزال يسران المقطري وسامح النورجي، المسؤولان في قوات مكافحة الإرهاب بعدن، متورطين بجرائم قتل خارج القانون وإخفاء قسري واعتقال تعسفي، إضافة لتزوير أختام الدولة ونهب الأراضي.

وأبدت الصراري استغرابها من تجميد هذه التحقيقات وعدم القبض على المتورطين، متسائلة عن مآل التحقيقات في “خلية الضالع” التي ساهم مدير أمن المحافظة حينها بالقبض على جنود كانوا مجندين للقيام بالاغتيالات، ومن بينهم جنود صوروا جرائمهم، مثل سميح النورجي وتمام محمد غالب “البطة” الذي تم تهريبه لاحقًا إلى مناطق الحوثيين.

واختتمت الصراري بمطالبة المجتمع الدولي بفتح تحقيق في جرائم الاغتيالات جنوب اليمن، وملاحقة هاني بن بريك، داعية رئيس مجلس القيادة الرئاسي لتوجيه القضاء بفتح كافة الملفات انتصارًا للضحايا ومنعًا لإفلات الجناة من العقاب.

في المقابل، لا يزال جلال الربيعي، قائد الحزام الأمني في عدن والمسؤول عن انتهاكات عديدة، يظهر وهو يتفقد المؤسسات في 9 يناير الحالي، فيما يبدو تحدياً لمطالبات أسر المخفيين وتقارير المنظمات.

متى يُكشف الستار عن السجون السرية؟

تتوزع في عدن والمناطق المحيطة بها شبكة من السجون السرية سيئة السمعة التي أنشأها الانتقالي الجنوبي والتشكيلات الإماراتية منذ تحرير عدن من الحوثيين في أغسطس 2015م. أبرزها، سجن قاعة وضاح (التواهي)، تحت إدارة وحدة مكافحة الإرهاب القوة التي يقودها شلال شائع، ويسران المقطري، وذكر تقرير الخبراء أن السجن، يشهد انتهاكات منها الإخفاء القسري والتعذيب ومنع الزيارات،  كما أن سجن بئر أحمد (سيئ السمعة) ، المرتبط بـغسان العقربي، شهد انتهاكات موثقة دوليًا، بما فيها اعتداءات جنسية ورفض أوامر الإفراج، وذكر تقرير لمنظمة سام لحقوق الإنسان أن سجن اللواء الخامس أحد المعتقلات السرية الذي تديره قوات الدعم والإسناد و(الحزام الأمني)، مركز احتجاز وتصفية جسدية، كما يوجد في عدن سجون سرية أخرى مثل سجن معسكر الجلاء (البريقة) وسجن جزيرة العمال، وفلل خاصة تم تحويلها لمراكز احتجاز في منازل قيادات تابعة للانتقالي.

ورغم المطالبات الأهلية والحقوقية للكشف عن هذه السجون، لا توجد بوادر لإغلاق الملف، في ظل استمرار سيطرة الحزام الأمني على عدد من المعتقلات، ووجود قيادات مثل جلال الربيعي، قائد الحزام الأمني، ومدير سجن معسكر النصر، الذين يواصلون ممارسة سلطتهم رغم ارتكاب عشرات الجرائم ضد الإنسانية، آخرها تصفية الشيخ أنيس الجردمي بعد اختطافه وتعذيبه.

 مخاوف من التفاف على مطالبات أسر المخفيين

في الوقت الذي تتزايد مناشدات الأهالي المطالبين بالكشف عن مصير المخفيين قسرياً، إلا أن ظهور نائب شرطة عدن، العميد أبو بكر جبر، يتحدث عن تنسيق أمني بين العمالقة والحزام الأمني، ويتجاهل مطالبات أسر المخفيين، ليشكل خيبة أمل ومضاعفة الخوف من الالتفاف على المطالب التي تدعو لانهاء معاناة أسر المخفيين واغلاق السجون السرية.

ونشرت ادارة أمن عدن التي ظلت بلا حيلة في وجود الحزام الأمني أن العميد أبو بكر جبر يطمئن المواطنين على الأوضاع الأمنية، مؤكداً أن المدينة تشهد حالة من الاستقرار والهدوء العام في ظل الجهود الأمنية المستمرة والتنسيق المشترك بين الوحدات الأمنية والعسكرية، وإحباط أي مخططات تهدف إلى زعزعة السكينة العامة.

وفي خطوة لافتة، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على محافظ عدن الجديد على أولوية توحيد القرار الأمني، وتعزيز دور اللجنة الأمنية في المحافظة، بما يشمل احتكار السلاح بيد الدولة وتمكين مؤسساتها الوطنية من صلاحياتها الحصرية.

The post المخفيون قسريًا في عدن: جريمة مفتوحة وأسرٌ تبحث عن ذويها.. هل تنجح السلطات الجديدة في اختبار العدالة؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية