التضليل السياسي وصناعة الذرائع
عربي
منذ أسبوعين
مشاركة
صناعة الذرائع والرأي العام وتوجيههما والتحكّم بهما عبر التضليل ليست مجرّد حالة مُسَلَّمَة عابرة في السياسة المعاصرة، بل ممارسة متجذّرة تلجأ إليها السلطة عندما تفشل وتعجز عن ترسيخ شرعيتها عبر التوافق الاجتماعي الحقيقي. فالسيطرة السياسية لا تقوم فقط على امتلاك أدوات القسر أو الإدارة، بل على القدرة على ضبط سرديتها وتنظيمها، وتحديد زاوية النظر إلى الوقائع، وصياغة الإطار الذي يُفهم من خلاله ما يجري. وعندما تواجه السلطة مُجتمعاً متعدّد القوميات والمذاهب، من دون دستور وعقد اجتماعي عادل يعترف بهذا التنوّع وحقوقه الوجودية ويمنحه حماية قانونية، تصبح الذرائع وسيلة أساسية لفرض رؤية واحدة باعتبارها الخيار الوحيد المُمكن. التضليل السياسي نادراً ما يكون كذباً مباشراً وفجّاً. في أغلب الأحيان، يعمل عبر تقنيات أكثر تركيباً، تقوم على اقتطاع أجزاء من الواقع، وفصلها عن سياقها، ثم إعادة تقديمها ضمن خطاب يبدو منطقياً ومُتسقاً. تُبنى الذريعة عادةً على حدث جزئي، أو خطر مُحتمل، أو سلوك فردي، ثم يُضخَّم هذا العنصر ليُقدَّم بوصفه تهديداً شاملاً. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش أو الحوار مُتاحاً، لأنّ الخوف يتصدّر المشهد، ويغدو القبول بالإجراءات الاستثنائية تصرّفاً دفاعياً، لا موقفاً سياسياً قابلاً للاختيار. فلسفياً، تقوم هذه العملية على تبسيط الواقع الاجتماعي المُعقّد وتحويله إلى ثنائيات حادّة ومُتَضادة: ولاء أو خيانة، استقرار أو فوضى، وحدة أو تفكّك. هذا الاختزال ليس مجرّد تبسيط لغوي، بل آلية إقصاء معرفي منظّم، تُغلق المجال أمام التفكير النقدي، وتحوّل السياسة من ساحة تفاوض وصراع مصالح إلى مواجهة أخلاقية مُطلقة تُبرّر فيها استخدام القوّة. في مثل هذا المناخ، لا تعود السلطة طرفاً يمكن مُساءلته، بل تتحوّل إلى جهة تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، وتمنح نفسها حقّ تحديد الخطر ووسائل التعامل معه. حين يفقد الإعلام استقلاله المهني والاخلاقي، لا يكتفي بترديد خطاب السلطة، بل يشارك فعلياً في إعادة إنتاجه وتعميمه هنا يبرز الدور المحوري للإعلام في صناعة الذرائع وترسيخها. فالإعلام، حين يفقد استقلاله المهني والأخلاقي، لا يكتفي بترديد خطاب السلطة، بل يشارك فعلياً في إعادة إنتاجه وتعميمه. تتكرّر المفردات نفسها، تُعاد الصور ذاتها، وتُقدَّم الأحداث من زاوية واحدة حتى تبدو طبيعية وغير قابلة للنقاش. ما لا يظهر في الإعلام يكاد يُمحى من الوعي الشعبي العام، وما يظهر بشكل انتقائي يتحوّل إلى صورة ناقصة تخدم هدفاً مُحدّداً وبهذا المعنى، لا يكون الإعلام مجرّد ناقل للأخبار، بل شريكاً فعلياً في تشكيل التصوّرات الجماعية أي "الرأي العام". الأكثر خطورة أنّ هذا الإعلام لا يعمل فقط عبر ما يقوله، بل عبر ما يتعمّد تجاهله. فإقصاء أصوات المكوّنات المختلفة، أو اختزال مطالبها في صور نمطية، يسهم في نزع مشروعيتها أمام الرأي العام. تُقدَّم هذه المكوّنات بوصفها عبئاً على الدولة ومشروعها وسيادتها، أو خطراً كامناً، أو أداة بيد قوى خارجية، بينما يُطمَس السياق التاريخي والسياسي والوجودي الذي أنتج مطالبها. وبهذا، تتحوّل المُطالبة بالحقوق إلى ذريعة إضافية لتبرير الإقصاء، بدل أن تكون مدخلاً للنقاش والحل. في ظلّ هذه الشروط، لا يتشكّل الرأي العام بوصفه حصيلة نقاش حرّ، بل نتيجة تراكم طويل من التوجيه والتكرار والتخويف والتضليل. ما يتكرّر يومياً يكتسب صفة البداهة والمسلّمات، وما يخرج عن الخط العام يُوصَف بالتشويش أو التحريض أو تعكير صفوة الأمة والنيل من هيبتها. ومع مرور الوقت، يتكوّن إجماع ظاهري لا يعكس اقتناعاً حقيقياً، بل زيفاً وحالة من الإنهاك الجماعي وغياب البدائل المطروحة. هذا الإجماع يمنح السلطة شعوراً زائفاً بالثبات، بينما يخفي تحت سطحه مشكلات بنيوية وصراعات إيديولوجية غير محلولة مؤجّلة وعالقة تنتظر لحظتها المناسبة للثورة عليها. كلّما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة الناس الملموسة، ازدادت الحاجة إلى الضغط والقمع لسدّها في البلدان مُتعدّدة القوميات والمذاهب، كسورية مثلاً، تتخذ هذه الممارسات طابعاً أشدّ خطورة. فبدل التعامل مع التنوّع بوصفه حقيقة اجتماعية تحتاج إلى تنظيم عادل، يُعاد تعريفه باعتباره تهديداً للوحدة الوطنية. تُستدعى ذرائع مثل حماية السيادة، أو منع التقسيم، أو مواجهة الفوضى، لتبرير تركيز السلطة وإقصاء قوى اجتماعية وعرقية وطائفية كاملة من المشاركة السياسية. وغالباً ما يُعاد استحضار مخاوف تاريخية، حقيقية أو مُتخيّلة، لإبقاء المجتمع في حالة استنفار دائم، تجعل أيّ مطالبة بالمساواة تبدو كأنّها مغامرة غير محسوبة. الغاية النهائية من صناعة الذرائع لا تقتصر على إسكات المعارضين فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى فرض أيديولوجيا عرقية أو دينية واحدة أو الاثنين معاً واعتبارها الحل أو الأفق الوحيد المقبول والمناسب. هذه الأيديولوجيا لا تُعرض كنقاش فكري مفتوح، بل كضرورة واقعية لا بديل لها. كلّ تصوّر مختلف يُقصى من الفضاء الوطني العام، أحياناً عبر نفق التخوين، وأحياناً عبر السخرية أو التشكيك في النيات الوطنية والسيادية. وهنا تبلغ السيطرة ذروتها، حين يُجرَّد المجتمع المتنوّع والمُتعدّد من القدرة على تخيّل خيارات أخرى تُناسب بنيته المتنوّعة. بدل التعامل مع التنوّع بوصفه حقيقة اجتماعية تحتاج إلى تنظيم عادل، يُعاد تعريفه كتهديد للوحدة الوطنية غير أنّ هذا النمط من الحكم يحمل في داخله عناصر هشاشته وفنائه. فالتضليل يحتاج إلى صيانة دائمة، لأنّ الواقع الاجتماعي، بتناقضاته اليومية، لا يمكن احتواؤه طويلاً داخل رواية واحدة. كلّما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة الناس الملموسة، ازدادت الحاجة إلى الضغط والقمع لسدّها. وهكذا تتحوّل الذرائع، التي صُنعت بذريعة الحفاظ على الاستقرار، إلى عامل دائم لزعزعته. مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمجرّد كشف الأكاذيب وأدوات التضليل، لأنّ المسألة أعمق من ذلك. المطلوب استعادة الفضاء الشعبي العام الحر، حيّزاً للنقاش والحوار، والاعتراف بأنّ التعدّد ليس خطراً يجب ضبطه، بل واقع لا يمكن تجاهله. الدولة التي تُدار بالخوف والتزييف والتضليل قد تنجح مؤقتاً في فرض سيطرتها، لكنها تعجز عن بناء وطن قابل للحياة، لأنّ الأوطان لا تُبنى عبر رواية واحدة مفروضة بالقوّة، بل عبر عدالة، واعتراف متبادل، ومشاركة حقيقية للجميع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية