عربي
لم يكن هلي بالنسبة إلى والدته إلّا طفلاً صغيراً لا يستطيع أن يكبر. أو هكذا كان يُخيّل إليّ حين كنت أراهما معاً. كانت تُعامله كما تُعامل الأمّ صغيرها المُعافى، وليس ابناً مريضاً أو معوق النمو كما هو الحال. وفي كلّ مرّة كنت أراها معه، كنت ألمح شيئاً من فيروز في شبابها حين أصبحت أمّاً لأطفالها الصغار الأربعة.
في المرّة الأولى التي شاهدت فيها هلي، وكان ذلك بُعيد بضع سنوات من العمل مع السيدة فيروز نهاية التسعينيات، ارتبكتُ ارتباكاً غير قليل. وما أربكني، خصوصاً إنّي كنت أعرف جيّداً بكرها زياد، هو ذلك الشبه الكبير جدّاً بين هلي وأخيه الاستثنائي، وكذلك والده عاصي. كانت له منذ زمن بعيد تلك الصلعة المُميّزة لرأس عاصي، التي رأيتها في صوره، مع ملامح وجه أقرب إلى زياد بشكل كبير، وهذه الأخيرة، أي ملامح زياد، كانت تختلط فيها قسمات وجه فيروز بوجه عاصي.
يومها، شعرت أنّ تعريفي لهلي بعد سنوات من العمل معاً، كان نوعاً من "ترقية" في علاقتنا، وفتح باب موارب لعلاقة شخصية وعائلية أكثر منها مهنية.
هكذا، وفي بعض أيّام زياراتي لها في منزلها في الرابية، كانت تأتي به على كرسيّه المُتحرّك ليجلس معنا في الصالون الصغير. في تلك الأوقات، كانت فيروز الأم تظهر: إن تشيطن قليلاً، تزجره مُحذّرة كما نزجر الطفل المُدلّل: "بس"! لا تقولها قاطعة كما الأمر، بل تمدّ الباء المفتوحة وهي تلفظ الكلمة بلهجة مرحة. وإن لم يرتدع؟ تُعاود القول، لكن هذه المرة بلهجة الأمر وهي تنبّهه بإصبعها، فيضحك لحركة الإصبع، وربّما لاختلاف اللهجة، وتضحك هي بدورها، ثم تعود لحديثها العادي. وإن هي غادرت مجلسنا لبضع دقائق وغابت عن ناظريه، يأخذ بافتعال السعال: يسعل ويسعل بشدّة حتى تظهر مجدداً. كانت تلك طريقة مناداته لها واحتجاجه على تواريها، هذا ما شرحته لي حين ظننت مرّة أنّه "تشردق" أو غصّ بريقه، فهلعت.
في إحدى المرّات أجلسته بيننا على كرسيّه ووضعت أمامه مجلة من الحجم المتوسّط أخذ بتقليب صفحاتها. قالت إنّه يحبّ أن يفعل ذلك لسبب ما. ثم حدث أن ذهبت إلى المطبخ لتحضر شراباً وبقيت وحدي معه في غرفة الجلوس.
كان زيّاد يعامل هلي كطفل صغير، يعود هو الآخر طفلاً ليلعب معه، كما لو كان ابنه الصغير وليس أخيه
كنت قد أخذت لها معي عدد اليوم من جريدة السفير حيث كنت أعمل، وكانت قد نُشرت في العدد مقالة عنها أو عن زياد، لم أعد أذكر تماماً. حين بقينا وحدنا، تنبّهت إلى أنّه في أثناء تقليب صفحات مجلته الصغيرة كان يرمقني بنظراته. لم تكن نظرات استطلاع أو أيّ تعبير آخر واضح. لكنه كان يلاحظني ربما كأيّ غرض جديد نافر في مكانه المألوف. أحببت التقرّب منه، وبما أني كنت أعلم مدى غرامه بوالدته (تماماً كسائر الأخوة وربّما أكثر) وضعت العدد أمامه مفتوحاً على المقالة، وفيها صورة كبيرة لفيروز وزياد.
لم يبد أنّ الصورة شدّت اهتمامه كثيراً، لكنه، وما إنّ بدأ بتقليب صفحات الجريدة، حتى استغرق في الضحك.
كان يضحك بصخب، وكانت ضحكته تشبه ضحكة زياد، ما جعلني أضحك أنا بدوري. حين سمعت والدته ضحكاته الصاخبة، عادت مسرعة، وقد ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها لتسألني مستغربة: "شو عملتي حتى ضحك لهالدرجة؟"، فأشرت إلى الجريدة، وأنا أضحك بدوري. فقد كان ما أضحكه الحجم الكبير غير المألوف لصفحات الجريدة، والمختلفة عمّا اعتاد تقليبه من صفحات مجلته المعتادة ذات الحجم الصغير.
لقد كانت نوبة من الضحك الجماعي لا تُنسى.
زياد أيضاً كان يعامله كطفل صغير، يعود هو الآخر طفلاً ليلعب معه، كما لو كان ابنه الصغير، وليس أخاه. في بعض الجلسات، كان يخبرنا كم هو ممتع قضاء الوقت معه. وهو أخبر لوركا سبيتي، إحدى الزميلات في مقابلة له معها، أنّه يستطيع أن يمضي سحابة نهار كامل برفقة أخيه الصغير، وإنّ رفقته كانت مُمتعة جداً. كان إصراره على تلك الناحية نوعاً من دفاع عن كرامة أخيه ضدّ الشفقة، لكنك كنت تلمح أحياناً نبرة حزن في كلامه.
كان هلي الرحباني محظوظًا بحجم الحبّ الكبير الذي حظي به من عائلته
في المقابلة ذاتها أعلاه، قال زياد إنّ هلي يحبّ "التشبير"، أي الحركات المُبالغ بها، التي عادة ما تُسبّب الضحك. وهذا الأسلوب في الكوميديا la farce، هو نوع من كاريكاتير حركي، وكان زياد يحبّ كثيراً هذا النوع من الكوميديا، التي كان أشهر من يؤدّيها الممثّل الفرنسي الشهير لوي دو فونيز. كان يقول إنّ هذا الأسلوب يحبّه الأطفال، وهو قادر على الوصول إليهم وإضحاكهم. هكذا، كان زياد يخترع في كلّ مرّة حركات جديدة لإضحاك أخيه وإمتاعه، فكان مثلاً ينفخ له البالونات ثم يفقعها، لأنّ هلي "بيحب تفقيع البالونات".
كم كان هذا الصبي الصغير، على الرغم من سوء حظّه الصحي، محظوظًا بكلّ هذا الحبّ! لكن من اعتنى، ربّما، أكثر من الجميع بهلي الصغير، كانت أخته الصغيرة ريما. فهي التي كانت تبقى في البيت معه في غياب الأهل لحفلاتهم في الخارج أو في السهرات، في الوقت الذي كان فيه زياد قد ترك البيت منذ فترة طويلة، حسب ما قالت لي في مقابلة معها.
في العقدين الأخيرين، ونظرًا لانسحاب فيروز التدريجي من الفسحة العامة وتفضيلها تمضية الوقت مع أولادها، ربّما استطاع هلي أن يشبع من وجود أمّه إلى جانبه، فيخفّف من إحساسها ربّما بالذنب لعجزها في الماضي عن تمضية وقت كثير مع أولادها، ذلك أنْ لا أحد يستطيع أن يكون مطرح الأم، وخصوصاً في علاقتها بأطفالها، وأن يشعر بما تشعر به هي تجاههم ويشعرون تجاهها.
لقد اختارت السماء تجربة فيروز الأم بأولادها، حفظ الله لها ريما وحفظها لنا ولريما، وهي تجربة في غاية القسوة، منذ فقدت ابنتها الكبيرة ليال، ثم ابنها الاستثنائي زياد، والآن ولدها الذي لم يستطع أن يكبر.
أن تفقد الأم أولادها في حياتها، مصير يشبه التراجيديا الإغريقية. يا له من مصير تدفع فيه إنسانة استثنائية ثمن قدر لم تطلبه!