عربي
صوتت أغلبية الدول الأوروبية لصالح اتفاقية التجارة الحرة مع دول أميركا اللاتينية (ميركوسور)، الجمعة، رغم معارضة فرنسا للاتفاقية لما يترتب عليها من تبعات على القطاع الزراعي البلاد، ولمحاولة احتواء غضب المزارعين الذين هددوا بالتصعيد. ومع فشل مساعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إيقاف وتأجيل توقيع الاتفاقية في الاتحاد الأوروبي، واتباع خطوات جديدة لمنع تطبيقها في البرلمان الأوروبي، وحشد عشرات النواب الداعين إلى احترام البيئة، برزت دعوات من الداخل الفرنسي لحجب الثقة عن سيباستيان ليكورنو وحكومته التي لم تكمل 100 يوم.
وبعد ربع قرن من المفاوضات بين الدول الأوروبية واللاتينية، أعطى الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر للاتفاقية، بانتظار توقيعها في باراغواي، السبت المقبل، رغم كل العراقيل التي حاولت باريس وضعها لإفشال الاتفاقية التي تضم في طرفها اللاتيني كلّاً من البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، وانضمت إليها مؤخراً بوليفيا. وباتت اليوم واقعاً فرضته المصالح الجيوسياسية والاقتصادية العليا للعواصم الأوروبية.
وبقيت فرنسا خارج حسابات دول الاتحاد الأوروبي، حيث وقفت إلى جانب 4 دول في وجه الاتفاقية، وهي المجر وبولندا وأيرلندا والنمسا، بينما صوتت 22 من أصل 27 من الدول الأعضاء في الاتحاد لصالحها، ولم تستطع باريس، عاصمة السياسة الأوروبية، حشد 35% من أعضاء الاتحاد لتعطيل الاتفاقية، بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، رفض بلاده التوقيع لما تحمله من أضرار على المزارعين وعلى السوق الأوروبية على حد سواء.
ميركوسور بين الأرباح والمخاوف
تقوم اتفاقية التجارة الحرة مع دول أميركا اللاتينية المعروفة اختصاراً باسم "ميركوسور" على مقايضة الإنتاج الصناعي الأوروبي بالإنتاج الزراعي لتلك الدول، وتشرّع الاتفاقية الأبواب لقطاع الصناعة الأوروبي على سوق استهلاكي يضم أكثر من 270 مليون نسمة، مع إلغاء رسوم جمركية باهظة كانت تصل إلى 35% على السيارات وقطع الغيار، و20% على الآلات. في المقابل، تسمح هذه الشراكة بتأمين المواد الخام الحيوية للصناعة كالليثيوم، ما يعزز الاستقلال الاستراتيجي للقارة في مواجهة المنافسة الصينية والأميركية.
من جهة أخرى، تتركز المخاطر في القطاع الزراعي والالتزامات البيئية، وهي النقطة التي تثير قلق باريس بشدة، ويكمن التهديد بدخول كميات ضخمة من اللحوم والسكر بأسعار منخفضة نتيجة تدني تكاليف الإنتاج، وهو ما يراه المزارعون الفرنسيون المعتصمون في جادة شانزيليزيه تحت قوس النصر وأمام الجمعية الوطنية التهديد الأكبر لمستقبلهم الزراعي. وقال ميشيل باييه، أحد المزارعين المحتجين أمام قوس النصر لـ "العربي الجديد": "بينما تموت مواشينا بسبب إهمال الحكومة لأوضاعنا، تأتي الاتفاقية اليوم لتهدد مستقبلنا، سنعمل ما بوسعنا لتعطيل الاتفاقية".
حراك ميداني وسياسي لمواجهة الاتفاقية
وفي خطوة تصعيدية ضد تصويت الاتحاد الأوروبي لصالح الاتفاقية، دعا المتحدث باسم الاتحاد الوطني الفرنسي لنقابات المزارعين إلى حشد صفوف العاملين في الإنتاج الزراعي، يوم 20 يناير/كانون الثاني في ستراسبورغ، أمام البرلمان الأوروبي رفضاً للاتفاقية. وقطع مزارعون محتجون جسر أوروبا الذي بربط بين فرنسا وألمانيا وتعطلت حركة المرور بين البلدين تزامناً مع دخول عشرات الجرارات الزراعية إلى العاصمة باريس يوم الخميس، احتجاجاً على التوقيع.
وفيما تلوح فرنسا، القوة الزراعية الكبرى المعارضة للاتفاق، بإمكانية اللجوء للقضاء الأوروبي، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الانقسام حول هذا الملف الشائك، يستعد 150 برلمانياً لتقديم شكوى أمام محكمة العدل الأوروبية، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية، للطعن في شرعية الاتفاق وتوافقه مع المعاهدات الأوروبية. ما سيضمن تعطل عملية التصديق البرلمانية النهائية لمدة قد تصل إلى عام، وهو ما يضع الاتحاد في مأزق سياسي.
وطالب ماكرون بمراعاة المعايير البيئية وبنود "المعاملة بالمثل"، وهي البنود التي تفرض على المنتجات المستوردة المعايير المفروضة نفسها على المنتج الأوروبي. وتشتكي فرنسا من أن المزارعين في البرازيل والأرجنتين يستخدمون مبيدات حشرية وهرمونات نمو محظورة تماماً في الغرب، ما يجعل المنافسة غير متكافئة من حيث تكاليف الإنتاج والجودة. كذلك طلبت فرنسا أن يكون احترام اتفاقية باريس للمناخ شرطاً أساسياً للاتفاق بحيث يلغى تلقائياً إذا انسحبت أي دولة من دول ميركوسور من التزاماتها المناخية.
استجابة حكومية متأخرة
وفي خطوة تهدف إلى احتواء الغضب المتصاعد في القطاع الزراعي بعد توقيع الاتفاقية، أعلنت الحكومة الفرنسية عبر مؤتمر صحافي، عن إجراءات دعم مالي وسياسي عاجلة. وافتتحت وزيرة الزراعة، آني جنيفارد، المؤتمر برسالة تهدئة أكدت فيها استيعاب الدولة لرسائل المزارعين، خاصة بعد التوترات التي خلفها اعتماد اتفاقية "ميركوسور" وتفشي مرض الجلد العقدي في الماشية. وتضمنت القرارات الحكومية مضاعفة صندوق التعويضات لمتضرري مرض الجلد العقدي ليصل إلى 22 مليون يورو، مع العمل على استئناف صادرات اللحوم إلى إيطاليا وإسبانيا.
كما أعلنت الوزيرة إنشاء فريق متخصص لمراقبة الواردات المحظورة، وزيادة الدعم لقطاعات الفواكه والخضراوات بنحو 30 مليون يورو. وتعهدت الحكومة بتسريع المراسيم القانونية لمكافحة الآفات الزراعية. لكن ومع تلويح المعارضة الفرنسية بحجب الثقة عن حكومة ليكورنو، رهنت وزيرة العمل العام والحسابات، أميلي دي مونشالين، تنفيذ هذه المساعدات التي تقدر بـ 300 مليون يورو باستقرار الميزانية، محذرة من أن أي سقوط للحكومة عبر تصويت حجب الثقة سيؤدي إلى انهيار هذه الوعود.
ودعت أحزاب معارضة إلى حجب الثقة عن حكومة سيباستيان ليكورنو بعد ما أسموه "فشل" ماكرون في وضع حد للاتفاقية طيلة 8 سنوات، ونشرت رئيسة مجموعة حزب فرنسا الأبية في البرلمان الفرنسي، ماتيلد بانو، على حسابها الشخصي عبر موقع إكس، "فرنسا المهزومة في بروكسل من قبل ميركوسور التي لم يحاصرها ماكرون أبداً لمدة 8 سنوات من السلطة. فرنسا المهزومة في العالم، هذه هي الهزيمة النكراء لرئيس جمهورية غير قادر على إدانة عدوان الولايات المتحدة على فنزويلا. يجب على ليكورنو وماكرون المغادرة".
ويبدو أن حجب الثقة عن الحكومة الفرنسية يحظى بتوافق بين اليسار واليمين المتطرف، إذ اعتبر زعيم التجمع الوطني اليميني جوردان بارديلا أن ماكرون يجري مناورة علاقات عامة متأخرة بقدر ما هي نفاق، مؤكداً أن المتأثر الأكبر من هذا الاتفاق هم المزارعون الفرنسيون، الذين سيعانون بشكل مباشر عواقبَه. وكتب زعيم حزب التجمع الوطني، لذلك سيطلق حزبنا اقتراحين لحجب الثقة، أحدهما في الجمعية الوطنية ضد الحكومة، والآخر في البرلمان الأوروبي ضد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

أخبار ذات صلة.
«قوة استقرار غزة».. عرض من ترامب لإيطاليا
العين الإخبارية
منذ 12 دقيقة