يا يما.. بقلم شاعر مغربي!
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تساؤلات كثيرة وصلتني من متابعين يستفسرون حول طبيعة الصرخة التي أطلقتها عند التعليق على هدف عادل بولبينة في الأنفاس الأخيرة من مباراة الجزائر ضد الكونغو، برسم ثمن نهائي بطولة كأس أمم افريقيا، عندما قلت "يا يما"، فلم أجد لها تفسيراً أكثر وأوضح من القراءة التي أرسلها إلي الشاعر المغربي الصديق "الجزار الأنيق"، والذي استأذنته لنشرها في هذه المساحة المخصصة لي في "العربي الجديد"، فوافق مشكوراً وهذا مضمونها: "نداء المعلق الرياضي بكلمة "يا يما" في لحظة ذروة عاطفية (مثل هدف الفوز القاتل) ليس مجرد صرخة عابرة، بل هو تكثيف لغوي يحمل دلالات فلسفية ونفسية عميقة. إنّه الارتداد إلى المركز أو العودة إلى الأصل. من الناحية الفلسفية، تمثّل الأم الوجود الأول والملجأ النهائي. في لحظات الانفجار الشعوري سواء كان فرحاً طاغياً أم خوفاً وجودياً يسقط القناع الاجتماعي والمهني عن الإنسان. المعلق حفيظ دراجي هنا لم يعد معلقاً يصف مباراة، بل يعود طفلاً يقف أمام جلال اللحظة. النداء هو اعتراف لا شعوري بأن هذا الفرح أكبر من أن يحتمله وحده، فيستدعي الرمز الذي منحه الحياة ليشاركه تلك الحياة في أقصى تجلياتها. في العقل الجمعي، هناك ارتباط عضوي بين مفهوم الأم ومفهوم الوطن (الأرض الأم). عندما يسجل فريق البلاد هدفاً، يتحول النصر من إنجاز رياضي إلى إثبات للذات والجماعة. صرخة يا (يما) هي في الحقيقة نداء للوطن ذاته، أو هي تعبيرٌ عن الامتنان للهوية التي احتضنته. هي دمج بين الأم البيولوجية التي أنجبته والأم الرمزية (الوطن) التي انتصرت الآن. "يا يما" هو فعل انبهاري، حيث يقول أرسطو إن الفلسفة تبدأ بالدهشة. في كرة القدم، هدف الفوز في اللحظات الأخيرة هو نوع من المعجزة الزمنية التي تكسر سياق الوقت العادي. كلمة "يا يما" هنا تعمل أداةَ تعجبٍ كونية. هي تعبير عن العجز أمام جمالية اللحظة أو السمو بمفهوم إيمانويل كانت حيث يواجه العقل مشهداً يفوق قدرته على الوصف المنطقي، فلا يجد إلا النداء الأكثر بدائية وعمقاً في الوجدان الإنساني. المعلق عادة ما يكون محبوساً في إطار الموضوعية واللغة المختارة. لكن هدف الفوز يسبب ما يسمى النشوة الوجدانية، يُسقط "الأنا" المصطنعة ليظهر الهو (الغرائز والعواطف الخام). الصياح بـ"يا يما" هو إعلان تحطّم الحواجز بين المعلق والجمهور، وبين الذات والموضوع. إنّه ذوبانٌ كامل في اللحظة لدرجة أن اللغة تتجرد من تعقيدها وتعود إلى كلماتها الأساسية. إن صرخة المعلق حفيظ دراجي يا يما هي لحظة حقيقة عارية تُخبرنا أننا مهما بلغنا من العمر أو المراتب، نظل في جوهرنا كائنات تبحث عن الحنان والشهادة على وجودنا في لحظات التحول الكبرى. يا يما هي اعتراف بأنّ الفرح العظيم، تماماً مثل الألم العظيم، لا يمكن احتماله إلا بالعودة إلى الرحم الأول". انتهت الرسالة التي وصفت ما عجزت عن تفسيره لمن سألني، وما عجزت عن تجاوزه في لحظة أتمنى أن تتكرر اليوم...

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية