كواريشما وباينغ: القناع البوليسي لفيرناندو بيسوا
عربي
منذ أسبوعين
مشاركة
لم يكتفِ الكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا باختراع أنداده المتعددين (أحصى دارسوه مئة وستة وثلاثين نداً كتبوا شعراً ونثراً بالبرتغالية والإنكليزية والفرنسية)، بل انتقل إلى ابتكار شخصيات تخييلية لا تقلّ حضوراً وأهمية عن ألبرتو كاييرو وألفارو دي كامبوس وريكاردو ريس وبرناردو سواريس وأنطونيو مورا (أشهر الأسماء التي عُرف بها بيسوا)؛ لعل أبرزها تلك التي ابتكرها في قصصه البوليسية، من قبيل المحقق أبيليو كواريشما في كتاب "كواريشما: فكاك الألغاز" والمفتش وليام ياينغ في "حكايات منطقية". كتَب بيسوا القصة البوليسية، ليس لأن هذا الجنس يُغريه بحبكته أو تشويقه، ولا لأنه تأثر بأعمال الأميركي إدغار آلان بو، فضلاً عن البريطانيّين آرثر كونان دويل (مبتكر شخصية شارلوك هولمز) وآرثر موريسون (مبتكر شخصية مارتن هيويت)، كما يدعي هو نفسه في تنظيراته الأدبية، إنما إمعانٌ منه في التعمية والتقنع. لقد اختار هذا الجنس لأنه يوفر له صيغة مثالية لـ"الهترونيمات" (الشخصيات الأدبية) التي دأب على صنعها دون كلل، مما يتيح لنا أن نفهم لماذا أصر بيسوا على وضع "بورتريه" دقيق لكل من كواريشما وباينغ. كواريشما وهو شخصية غير نموذجية؛ طبيب غير ممارس، ومحقق منعزل يعيش في لشبونة، مرتبط بالعقل أكثر من الواقع، متزوج من التجريد والكحول، يشعر، مثل بيسوا، براحة أكبر في اللغة منها في العالم الحقيقي. يفضل الاعتماد على المنطق العقلي بدل البحث في مسرح الجريمة، موضحاً أن "الملاحظة والتفكير ينتميان إلى فئتين ذهنيتين مختلفتين. من يفكر يتأثر بالملاحظة". كل شيء عنده مسألة منهجية: "ما هي البيانات الدقيقة للقضية؟ ما التناقضات بينها؟ ما الصيغة التي تحل هذه التناقضات؟". كل هذا يدفع صديقه الشرطي "مانويل جيديش" إلى اللجوء إليه حين تعجز الشرطة عن حل قضية غامضة (مخطوطة مفقودة، وفاة مشبوهة، سرقة صندوق.. إلخ). أما شخصية وليام باينغ، فهو رجل التحري الذي لا يترك أي خيط يمر دون فحص، لكنه في الوقت نفسه يحمل شغفاً كبيراً بالتحقيق والبحث عن الحقيقة المطلقة، رغم اعترافه المستمر باستحالة الوصول إليها بشكل كامل. يقول بيسوا عن باينغ: "شكله الظاهر يوحي بالهدوء والفتور، لكنه كان رجلاً ذا نشاط ذهني مذهل، لدرجة أنني لا أتردد في موافقته حين يقول إنه يخمن ويجادل حتى في الأحلام"، وهو يمثل الثقة في المنطق الاستنتاجي والتسلسل والعلاقة الصارمة بين السبب والنتيجة. هو أقرب إلى واضع التخطيط الذهني، يكتفي بذاته بوثوق، ويتعامل مع الأحداث بصرامة عقلية مغلقة.  عقلٌ يرى العالم بوضوح مفرط، لكنه لا يعرف كيف يسكنه من الواضح، إذاً، أن قناع التحقيق البوليسي لدى صاحب "كتاب اللاطمأنينة" ليس وسيلة للاختباء، بل شخصية يفكر بها الكاتب. ذلك أن بيسوا يتكاثر عبر شخصياته الأدبية، ويتعدد عبر كل شخصية ابتكرها في هذا العمل أو ذاك. كل قناع يسمح له بأن يفكر بطريقة لا يستطيعها القناع الآخر. كواريشما هو القناع الذي يسمح له بتجريب العقلانية المطلقة دون أن يتحمل تبعاتها الوجودية، فيما يسمح له "قناع باينغ" بمراقبة هذه العقلانية وهي تعمل دون تشويش بالشكوك أو التناقضات، وكأن بيسوا يطرح على نفسه السؤال التالي: "هل العقل وحده كاف لفهم الإنسان والعالم؟". وبينما يثبت كواريشما أن العقل قادر على الحل، يعمل باينغ على إثبات أن السرد قادر على نقل الفكر، لكنه يفضح عجز اللغة عن اللحاق به. وبين هذا وذاك، يقف بيسوا كاتباً لا يريد أن يحسم، بل أن يرى، وأن يترك هذا التوتر قائماً بين الاتجاهين، ما يعني أن الأمر يتعلق بهندسة داخلية للوعي، لتلتحق كلا الشخصيتين بمتاهة بيسوا الكبرى: متاهة العقل الذي لا يجد ذاته إلا حين ينقسم، ولا يفكر إلا حين يضع تفكيره موضع شك. إن العلاقة بين بيسوا وكواريشما وباينغ، وفق هذا الفهم، ليست علاقة مؤلف بشخصيات بوليسية تبحث عن حل للألغاز وتحقق في الجرائم، بل علاقة ذات بآلياتها الداخلية. فبيسوا هو الحقل الذي تتصارع فيه هذه القوى: كواريشما هو آلة التفكيك، وباينغ هو الوعي السردي الذي يحاول أن يمنح هذا التفكيك شكلاً حكائياً دون أن يزعم امتلاكه. ومن هنا يمكن القول إن بنية التفكير لدى بيسوا، كما تتجلى في هذه النصوص (قصص وروايات)، بنية تشكيكية عميقة.  ذلك أنه لا يثق في أي نمط أحادي للعقل، لذلك يوزعه، يجزئه، يضعه في مواجهة ذاته عبر الاستدلال، حتى وإن كان هذا الاستدلال يتم في حيز هيتروبي يعزل الدليل عن زمان ومكان الجريمة، خاصة كواريشما وباينغ يمثلان العقل (باكتفاء ذاتي) وهو يعمل في أقصى درجات نقائه. عقل منزوع الجسد والذاكرة العاطفية، ولا يرى في الواقع سوى سلسلة من العلامات القابلة للفك. فـ كواريشما، على سبيل المثال، ليس محققاً بالمعنى المتعارف عليه، ولا يحمل من المحقق سوى اسمه الوظيفي، فهو لا يلاحق المجرمين، ولا يستجوب المشتبه بهم، ولا يغامر باقتحام أوكار الجريمة، ولا يدخل في صراع جسدي أو نفسي مع أي كان. يجلس ويفكر، وكأن التفكير ذاته هو الفعل الوحيد الجدير بالثقة.  بينما يأتي وليام باينغ بوصفه ضرورة سردية وفلسفية في آن، لأنه يمثل المسافة بين العقل الخالص والعالم الممكن سرده. وبهذا المعنى، فإن المفتش باينغ ليس شريكاً في الحل، ولا يمتلك حدساً خاصاً، ولا ينافس كواريشما في الذكاء، بل يكتفي بالمشاهدة والتسجيل والتعجب الصامت. غير أن الملاحظة الأساسية هي أن كلا الشخصيتين تقربنا خطوة من بيسوا نفسه وهو يراقب أقنعته تعمل، إذ تتحول القصة البوليسية، عبرهما، إلى خطاب عن حدود اللغة وعجز السرد عن اللحاق بسرعة الفكر، فضلاً عن الفجوة التي لا تُردم بين ما يُفكَّر فيه وما يمكن قوله.  يرتحل بين مؤلفين اخترعهم كي يحاكي "الطبيعة الملغزة للأشياء" ومن هنا يمكن النظر إلى كواريشما بوصفه الوجه البوليسي لفلسفة بيسوا الوجودية قبل أن تتبلور شعرياً: عقل يرى العالم بوضوح مفرط، لكنه لا يعرف كيف يسكنه. أما باينغ، فهو الشاهد على هذا العجز، خاصة أنه يسجل انتصار العقل وفي الوقت نفسه فراغ هذا الانتصار. ومن خلفهما يقف بيسوا بوصفه كاتباً قلقاً يقسّم ذاته لكي يحتملها، ويجرّب عبر السرد ما لا يستطيع عيشه في الواقع. لقد كان بيسوا منذ طفولته، كما وصل إلينا من المحررين، يخترع الأنداد لتوسيع العالم بشخصيات متخيلة ظهرت على هيئة مؤلفين وأصوات. فهو لم يُنهِ عملاً خلال حياته، وقد عمل المحررون على آلاف المخطوطات في خزانته، وانتهوا إلى أن بيسوا في النهاية ليس سوى إنسان متعدد لا يتطور وإنّما "يرتحل" بين مؤلفين اخترعهم كي يحاكي "الطبيعة الملغزة للأشياء".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية