عربي
مع إعلان واشنطن، في الثالث من يناير/ كانون الثاني الحالي، اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، سارعت وسائل الإعلام الغربية إلى دفع فلوريس إلى واجهة التغطية، وحولتها إلى استعارة للنظام نفسه. هذا التوجه ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس مقاربة انتقائية راسخة في تغطية زوجات رؤساء الدول غير الغربية، إذ يُعاد تشكيل صورهن بما يخدم الحسابات السياسية، بينما تُمنح نظيراتهن في الغرب امتياز الفردانية: خلفيات شخصية، ومسارات مهنية، وتناقضات، وحضور مستقل. الاختلاف هنا ليس عرضياً، بل بنيوياً، ويكشف عن طبيعة هذا الإعلام أكثر مما يكشف عن هؤلاء النساء.
فنزويلا ــ سيليا فلوريس
لا تُقدَّم سيليا فلوريس، السيدة الأولى والمحامية السابقة وإحدى أبرز وجوه التشافيزية، بوصفها سياسية لها تاريخ وموقع داخل النظام الفنزويلي، بل تُختزل في الإعلام الغربي إلى صورة نمطية: "العقل المدبر" الذي يحرك مادورو (ذا غارديان، السادس من يناير 2026)، أو "ليدي ماكبث اللاتينية" (ذا تليغراف، الخامس من يناير 2026). هذه الاستعارة الأدبية، بما تحمله من إيحاءات بالخيانة والطموح المرضي والدم والسلطة بأي ثمن، تُزيح التحليل السياسي لصالح خطاب سردي يشيطن حضورها. وإلى جانب ذلك، يُرسّخ الخطاب صورة مزدوجة: مادورو قائد يفتقر للذكاء والكاريزما، وفلوريس العقل المدبّر والطاقة الدافعة لطموحه، ما يجعلها المفتاح التفسيري "الأسطوري" لنظام يُخاصم الغرب.
ويقوّض هذا الإطار أي سياق محلي لبروزها السياسي، من مسارها المهني في القانون إلى دورها في الحزب الاشتراكي ورئاستها الجمعية الوطنية، إذ يُعاد تفسير كل ذلك علامةً على نفوذ خفي وغير شرعي. وتكتمل هذه النبرة باستخدام لغة قريبة من السرد البوليسي؛ توصيفات مثل "القوة الخفية"، و"صاحبة اليد غير المرئية"، و"لا أحد يعرف مدى نفوذها" تحوّل نشاطها السياسي الفعلي إلى مادة إثبات لفرضية المؤامرة، لا إلى موضوع للتحليل. هكذا يُعاد إنتاج صورة "المرأة الخَطِرة" لتفسير النظام، في عملية تشييء سياسية تستبدل فهم البنى المحلية بسردية جاهزة تُفضّل الدراما على الواقع. يتجلّى هذا الانزياح اللغوي أيضاً في التعامل مع لقبها المحلي؛ لم تستخدم فلوريس لقب "السيدة الأولى"، بل حملت لقب "المقاتلة الأولى". في السياق الفنزويلي يدل هذا اللقب على الاندماج والالتزام بـ"مشروع ثوري"، أما في السرديات الغربية فيتحوّل إلى علامة على نزعة عنيفة وسلطة خفية.
أسماء الأسد ــ سورية
تُعدّ أسماء الأسد المثال الأكثر فجاجة على خضوع سرديات الإعلام الغربي للحسابات السياسية لا للوقائع. ففي مارس/ آذار 2011، وقبل أسابيع قليلة من اندلاع الثورة السورية، نشرت مجلة فوغ البورتريه الشهير "وردة في الصحراء"، قدّمت فيه أسماء الأسد بوصفها امرأة أنيقة، نشأت وتلقت تعليمها في الغرب، عصرية ونشطة مجتمعياً. ووصفتها "باري ماتش" الفرنسية بأنها "بارقة الضوء في بلدٍ يرزح تحت عتمته السياسية". جسدت الأسد صورة سورية التي كان الغرب يتخيّلها آنذاك: دولة قابلة للاحتواء والانفتاح التدريجي. لم يكن هذا التقديم انعكاساً لمعايير مهنية، بل ترجمة لمناخ سياسي كانت فيه واشنطن ولندن وباريس تراهن على عدم إغضاب دمشق، وعلى تشجيع إصلاحات تدريجية تُبعدها عن طهران.
لكن بعد أشهر قليلة فقط، ومع اندلاع الثورة ثم الحرب، انقلب إطار التغطية؛ الصحافة نفسها التي روّجت لصورة "أكثر السيدات الأوائل نقاءً وحيوية وجاذبية" بدأت تصف أسماء الأسد بـ"سيدة الجحيم الأولى" (ذا غارديان، أغسطس/ آب 2012)، و"ماري أنطوانيت دمشق" و"سيدة حرب" (ذي إيكونوميست، مارس 2021) وتقدّمها كرمز للتواطؤ في فظائع النظام، لدرجة أن "فوغ" حذفت البورتريه من موقعها الإلكتروني في مايو/ أيار 2011 تحت الضغط السياسي. ترافق هذا الانقلاب مع استثمار مكثّف لخلفيتها الغربية في إنتاج مفارقة أخلاقية مفادها أنّ امرأة نشأت في لندن، وتلقت تعليمها في مدارس إنكليزية، وعملت في مؤسسات مالية غربية، لا يُفترض أن تُقدِم على سلوك يُناقض "القيم الغربية". فطُرحت أسئلة استنكارية من قبيل "كيف يتماشى رُقيّها ولهجتها اللندنية مع عنف النظام؟" (إستر آدلي، ذا غارديان، أكتوبر/ تشرين الأول 2016). وأُعيد تدوير تفاصيل نشأتها في أكتون، ودراستها في مدارس إنكليزية، وعملها المصرفي في نيويورك، بوصفها عناصر صدمة تبرز "انحرافها" عن النموذج الغربي الذي كان يُعتقد أنه قادر على "تحصينها" من المشاركة في منظومة قمعية.
هذا التبدّل الحاد من تلميع الصورة إلى الإدانة الأخلاقية والسياسية لم ينتج عن تغيّر في سلوك أسماء الأسد، بل عن تغيّر في موقع النظام داخل الحسابات الجيوسياسية الغربية. فـ"فوغ" وغيرها من مؤسسات الإعلام الغربي أغفلت مساراً موازياً بدأ يتشكّل منذ مطلع العقد الأول من الألفية: شبكة نفوذ اقتصادية وسياسية بنتها أسماء الأسد عبر "الأمانة السورية للتنمية"، ومن خلال ارتباطات مبكرة برجال أعمال مقرّبين من النظام، مع تحكّم متصاعد في ملفات خدمية وتنموية داخل الدولة (عندما تراكمت ثروة أسماء الأسد بالفساد واستغلال النفوذ، ملحق سورية الجديدة، 19 أغسطس 2025).
روزاريو موريّو ــ نيكاراغوا
تتكرر الآلية نفسها في نيكاراغوا، حيث تُعاد صياغة صورة روزاريو موريّو، نائبة الرئيس دانييل أورتيغا وزوجته، عبر خطاب إعلامي يفضّل القراءة الغرائبية لشخصيتها على تحليل دورها الفعلي داخل بنية سلطة مغلقة. فهي "أكثر من سيدة أولى" وعندها طابع روحاني" و"لغتها ماورائية" (فوكس نيوز، 2018)، وتُختزل في ألوانها الصاخبة ومجوهراتها الثقيلة وخطابها الذي "يمزج بين السياسة والروحانية" (رويترز، 2018). ويذهب بعض الإعلام إلى مستويات أوضح في الاختزال؛ إذ وصفت بأنها "الساحرة (witch) التي تنتظر في الظلال" (ذا تايمز، 2018)، و"الشاعرة الغامضة التي تشكل النظام" (بوليتيكو، 2018).
ورغم اختلاف اللغة بين هذه المنابر، إلا أنّ الوظيفة السياسية لهذا التناول واحدة: عند ارتفاع التوتر بين واشنطن وحلفائها وماناغوا، تتضخم الصورة الغرائبية وتتحوّل موريّو إلى بوابة لشيطنة النظام بأكمله. وعند تراجع التوتر، تخفّ حدّة اللغة لكن الإطار ذاته يبقى قائماً؛ امرأة تُقرأ عبر الاستعارة والرمز والطقس، لا بوصفها المتحدثة الرسمية والعقل المنظم والشريكة الفعلية في هندسة نظام أورتيغا وأجهزته الأمنية.
على الجانب الآخر
أما في الولايات المتحدة وأوروبا، فتُمنح "السيدة الأولى" مساحة واسعة من الفردانية لا تُمنح لنظيراتها خارج الغرب. فبريجيت ماكرون تُقدَّم بوصفها أستاذة أدب وشريكة فكرية للرئيس الفرنسي، وجيل بايدن يُحتفى بها بوصفها معلمة "لا تزال تصحّح أوراق الطلاب"، فيما تُغطّى ميلانيا ترامب من خلال صورتها النفسية (غامضة، صامتة، مترددة) من دون تحويلها إلى استعارة لنظام سياسي. حتى هيلاري كلينتون، التي واجهت أقسى تغطية إعلامية لسيدة أولى غربية (1993 ــ 2001)، تم تناول أخبارها باعتبارها فاعلاً سياسياً مستقلاً، إذ انتُقدت، وهوجمت، لكن من موقعها هي، سواء في معركة إصلاح الرعاية الصحية أو في التحقيقات السياسية المرتبطة بـ"وايتووتر" ومرحلة ما بعد فضيحة مونيكا لوينسكي.
في المحصّلة، لا تكشف هذه السرديات المتقلّبة عن حقيقة هؤلاء النساء بقدر ما تكشف عن آلية النظر الغربية إلى الأنظمة التي تُصنَّف خصوماً: كلما ابتعد النظام عن الدائرة الغربية، تُختزل زوجته إلى استعارة سياسية جاهزة تُستعمل لشرح سلطته وإدانته، فيما تُمنح نظيرتها الغربية حقّ الوجود بوصفها فرداً. وهكذا تصبح المرأة، في السياقات المعادية للغرب، أداة لقراءة النظام وإدانته؛ استعارة جاهزة تُفسَّر من خلالها السلطة، لا شخصية سياسية تُدرَس بشروطها. وفي المقابل، تُمنح الزوجات الغربيات حق الوجود باعتبارهن شخصيات سياسية أو اجتماعية تُدرَس بشروطها، لأنّ النظام نفسه مألوف ولا يحتاج إلى وسيط رمزي لشرحه.
