تدقيق حقائق
الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
بلقيس بسام ومروان عبد الكريم (أسماء مستعارة)
يرصد هذا التقرير أربع موجات تفاعل رقمية رئيسية بين الجزائر والمغرب، عبر منصة “إكس”، وقعت بين عامي 2024 و2026، وارتبطت بانفجارات ولاية البليدة في الجزائر، وحملة “مانيش راضي” ووسم “ثورة 7 غشت” في المغرب، وقضية الطفل وسيم خلال كأس العالم 2026؛ وهي أحداث شهدت كثافة في النشر والتضليل غذت الاستقطاب والكراهية.
شمل التحليل مراجعة 985 تغريدة تضمنت إعادة نشر، وردوداً وتعليقات نشرها 462 حساباً، حققت مجتمعة أكثر من 13 مليون و93 ألف مشاهدة، و227,975 إعجاباً، و36,208 إعادات نشر، و25,099 رداً، و3,109 اقتباسات، لفهم طبيعة انتشار التضليل وتحوّل التفاعل الرقمي إلى خطاب كراهية يمسّ البلدين.
انفجارات بليدة… من السياسة إلى الكراهية
تكشف متابعة التفاعل على منصة “إكس” بشأن انفجارات ولاية البليدة الجزائرية، في 13 نيسان/أبريل 2026، بالتزامن مع زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر للجزائر، عن نشر 141 تغريدة بين 13 و15 نيسان/أبريل، حققت 408,605 مشاهدات و11,310 تفاعلات، مع حضور بارز لحسابات تشير مواقعها الجغرافية إلى المغرب.
وتداولت حسابات، عقب الانفجارات، مواد مرئية، من بينها مقطع يُظهر ناطقاً ملثماً، زُعم أنه بيان حديث صادر عن تنظيم “الجيش الجزائري الحر” يتبنى فيه الانفجارات التي استهدفت مراكز أمنية في البليدة.
وكشف البحث العكسي أن الفيديو قديم ونُشر للمرة الأولى في الثاني من آب/أغسطس 2024، عبر حساب يحمل اسم “الجيش الجزائري الحر“، لتوثيق أول ظهور علني لناطقه الرسمي.
لقطة شاشة للحساب الأصلي الذي نشر المقطع أول مرة
وفي تغريدة أخرى، تداولت حسابات ذات هوية مغربية صورة زعمت أنها للمركز الأمني الذي شهد الانفجار، وربطت الحادث بضغوط النظام الجزائري على المواطنين. وأظهر فحص الصورة، باستخدام أداة SynthID التابعة لـGoogle، وجود بصمة مائية رقمية تشير إلى أن جزءاً منها عُدّل أو وُلّد باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
لقطة شاشة للتحقق من التلاعب الرقمي بالصورة
وأطلقت هذه الموجة تضليلاً مضاداً؛ إذ نشر حساب باسم “قناة المعرفة” @MilitaryDz في 13 نيسان/أبريل 2026، مقطعي فيديو زعم أنهما يوثقان انفجارات في المغرب. وكشف البحث العكسي أن المقطع الأول قديم ويعود إلى حريق اندلع في مدينة المحمدية بالمغرب، في 23 كانون الأول/ديسمبر 2022.
صورة المقطع الذي نشره حساب قناة المعرفة للانفجار
أما المقطع الثاني، فزعم الحساب أنه لانفجار استهدف فندقاً في الرباط، وأسفر عن عشرات الإصابات وخمس وفيات. لكنّ البحث العكسي أظهر أن المقطع نُشر في 19 شباط/فبراير 2026، عبر حساب أحمد الكوكي، ويعود إلى حادث تسرب غاز داخل شقة سكنية بمنطقة قصر سعيد في تونس، أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص.
لقطة شاشة لمقطع الفيديو الثاني الذي نشرته قناة المعرفة حول انفجارات المغرب
وشارك في نشر الادعاءات 10 حسابات، تصدرها الحساب الجزائري قناة المعرفة، بمعرف @MilitaryDz. حصد الادعاء نحو 11,465 تفاعلاً، بواقع 570,060 مشاهدة.
الاحتجاج الافتراضي
#مانيش_راضي
ظهر وسم “#مانيش_راضي” في كانون الأول/ديسمبر 2024، عقب الانتخابات الرئاسية الجزائرية، وبدأ بحسب الرصد في 17 كانون الأول/ديسمبر، عبر حسابات مغربية قدمته بوصفه تعبيراً عن انتفاضة شعبية ضد النظام، بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية.
لقطة شاشة لأول حساب نشر وسم مانيش راضي
كما رافق انتشار الوسم تداول مقاطع قديمة على أنها احتجاجات حديثة؛ إذ نشر حساب بدر مفتاحي، في 22 كانون الأول/ديسمبر 2024، مقطع فيديو لتظاهرة ترفع الأعلام الجزائرية، مرفقاً بعبارة “الصوت الذي يخشاه نظام الكبارانات ويرعبه”. لكن البحث العكسي أظهر أنه يعود إلى الحراك الجزائري في آذار/مارس 2019.
مقطع مضلل متداول
وفي كانون الثاني/يناير 2025، نشر حساب آخر مقطعاً لطفل ينتقد السلطة الجزائرية، لكنّ الفيديو يعود أيضاً إلى آذار/مارس 2019. كان الطفل يخاطب رئيس الحكومة آنذاك أحمد أويحيى خلال الحراك الجزائري.
صورة لفيديو الطفل خلال الحراك الجزائري
ويُظهر التوزيع الجغرافي للحسابات المشاركة في الوسم حضوراً واسعاً لحسابات من المغرب. تجاوزت مشاهدات المنشورات 6.39 مليون مشاهدة، فيما وصل حجم التفاعل إلى 78,422 تفاعلاً، وبلغ النشاط ذروته خلال كانون الثاني/يناير 2025.
#أنا_مع_بلادي
ورداً على حملة “#مانيش_راضي”، ظهر وسم “#أنا_مع_بلادي” في 19 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد يومين من بدء انتشار الوسم الأول، وتضمن منذ بدايته إساءات موجهة للمغاربة.
اتسع انتشار الوسم بمشاركة إعلاميين جزائريين؛ بينهم هناء بوعكاز وحفيظ دراجي، إلى جانب التلفزيون العمومي الجزائري والإذاعة الرسمية الدولية.
وبلغ النشاط ذروته في 20 كانون الأول/ديسمبر، محققاً 143,494 تفاعلاً ونحو 2.92 مليون مشاهدة، فيما برز حساب الصحفي الجزائري أحمد حفصي ضمن أبرز الحسابات الداعية إلى التفاعل مع الوسم على نطاق واسع.
#ثورة_7_غشت_في_المغرب
تُظهر المتابعة الزمنية تكرار نمط الشحن الرقمي بين الطرفين؛ إذ ظهر وسم “#ثورة_7_غشت_في_المغرب” لأول مرة في 30 تموز/يوليو 2026، بالتزامن مع محاولات الهجرة إلى سبتة، قبل أن يتسع تداوله عبر حسابات مثل “أحمد حفصي” و”بوابة الجزائر” و”رادع العياشة”، في سياق الترويج لوجود حراك شعبي ضد النظام المغربي.
وفي 1 آب/أغسطس 2026، نشر حساب “بوابة الجزائر” صورة زعم أنها توثق انتشال جثمان شابة مغربية غرقت في أثناء محاولتها السباحة إلى سبتة. لكنّ البحث العكسي أظهر أن الصورة لشابة عبرت الحدود سباحة في 31 تموز/يوليو. كما ظهرت في لقطة أخرى وهي تغادر شاطئ البحر سيراً برفقة عنصرين من الحرس المدني الإسباني.
حققت منشورات الوسم نحو 475 ألف مشاهدة و12 ألف تفاعل، وقاد النشاط خمسة حسابات رئيسية، أبرزها أحمد حفصي.
وفي 2 آب/أغسطس 2026، نشر حفصي تغريدة زعم فيها أن حركة Gen Z212 تدعو إلى التعبئة تحت وسم “#ثورة_9_غشت_في_المغرب”، لكنّ الحركة نفت عبر حسابها الرسمي على Discord صلتها بالدعوات المتداولة.
ولم تشهد الشوارع المغربية احتجاجات في 9 آب/أغسطس، فيما أشارت وزارة الداخلية المغربية إلى دور الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي وترويج المعلومات المضللة في أحداث الهجرة غير النظامية إلى سبتة ومليلية خلال 2026.
لقطة شاشة من مجموعة gen 212 على الديسكورد
في المقابل، ظهرت دعوات مضادة، عبر التعليقات، إلى حراك في الجزائر يوم 7 آب/أغسطس 2026، مرفقة بتصاميم ومنشورات تدعو إلى التظاهر ضد النظام الجزائري، ورحيل الرئيس عبد المجيد تبون، مع الدعوة إلى مشاركة شباب جيل 213.
من الكرة للسياسة… حادثة “الطفل وسيم”
امتد التضليل وخطاب الكراهية بين الطرفين من القضايا السياسية إلى الأحداث الرياضية، وبرز ذلك عقب مباراة المغرب وهولندا في دور الـ16 من كأس العالم 2026، بعد انتشار فيديو لطفل جزائري يُدعى “وسيم كركوش”، قيل إن مشجعين مغاربة اعتدوا عليه خلال تجمع لمتابعة المباراة في بوسطن، لترافق الواقعة روايات متضاربة بشأن حقيقة الفيديو ومكانه وتفاصيل الاعتداء.
زعمت منشورات أن الفيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي، لكن مراجعة التسجيل ومقارنته بمقاطع أخرى من الموقع لم تكشف مؤشرات تدعم ذلك. كما ظهرت تسجيلات لاحقة لوسيم بعد استعادة وعيه، يتلقى المساعدة من مشجعين مغاربة، وأكد صانع المحتوى المغربي “Amine Skilipi” في مقطع أنه صوّر جزءاً من الواقعة في بوسطن عقب المباراة يوم 30 يونيو/حزيران 2026.
وادعت منشورات أخرى أن اسم الطفل الحقيقي “ماثيو”، مستندة إلى صور تُظهره مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. لكنّ التحقق أظهر أن الصور مقتطعة من فيديو نشرته الرئاسة الجزائرية في يونيو/حزيران 2022. كما زعمت رواية أخرى أن الفيديو يعود إلى مونديال قطر 2022، اعتماداً على صورة يظهر فيها شعار البطولة، لكنّ مقارنة الصورة بالمقطع الأصلي أظهرت أن الشعار أضيف إلى الصورة.
وأثبتت مطابقة المعالم البصرية أن الواقعة حدثت في فضاء The Tall Ship بمنطقة East Boston، فيما أكد وسيم في مقابلة مع Boston 25 News أنه فقد وعيه بعد تعرضه “للركل والخدش” خلال شجار اندلع في المكان.
لقطة شاشة من google maps لفضاء the tall ship
وبالتزامن مع انتشار الادعاءات، حظيت الواقعة بمتابعة رسمية؛ إذ قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في فيديو إن الجزائر تتابع القضية، وإن السفير الجزائري في الولايات المتحدة يتابع الإجراءات القانونية المتعلقة بها.
لقطة شاشة لرسم كاريكاتير
ترابط الحسابات
يكشف التحليل البرمجي والشبكي لتفاعل الحسابات على منصة “إكس”، باستخدام لغة بايثون وفحص الإشارات والردود والاقتباسات والتقارب الزمني والتشابه النصي، عن وجود مجموعات من الحسابات تظهر بينها أنماط نشر متقاطعة، ومؤشرات لاحتمال وجود تنسيق.
وسجّل التحليل أعلى درجة تقارب بين حسابي @algatedz “بوابة الجزائر” و@AlgeriaGatePlus و”بوابة الجزائر مباشر”؛ إذ بلغت 0.75 على وسم #ثورة_7_غشت_في_المغرب. وتعكس هذه الدرجة ارتفاع التشابه بين الحسابين وفق المؤشر المستخدم، الذي يجمع بين التقارب الزمني والتشابه النصي وتشارك عناصر النشر، ما يشير إلى نشاط رقمي متقاطع بينهما.
كما سجّل التحليل درجة تقارب بلغت 0.70 بين @algatedz وحساب @ahafsidz “أحمد حفصي” على وسم #أنا_مع_بلادي. ويظهر حساب @ahafsidz أيضاً ضمن الحسابات البارزة في نشر المحتوى المرتبط بوسمي #أنا_مع_بلادي و#ثورة_7_غشت_في_المغرب.
وتشير النتائج إلى أن بعض موجات التفاعل الرقمي تعتمد على عدد محدود من الحسابات تُطلق المحتوى والوسوم؛ لتتولى حسابات أخرى إعادة نشره وتضخيمه. ويتكرر هذا النمط خلال الأحداث السياسية والأمنية والرياضية باستخدام مواد قديمة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي، والترويج لاحتجاجات غير حقيقية، بما يغذي التضليل وخطاب الكراهية المتبادل.
من التضليل إلى الكراهية
يُظهر تحليل الحالات نمطاً متكرراً يبدأ بمحتوى مضلل بشأن واقعة أو وسم، ثم ينتقل إلى ردود مضادة تتصاعد سريعاً إلى الإهانة والتعميم على شعبي البلدين.
ففي أحداث البليدة، استخدم مغردون ذوو هوية مغربية أوصافاً مثل “بلاد كرغوليا” (كرغولي وصف جاء إثر زواج أفراد من الجيش التركي بنساء من شمال إفريقيا ويستخدم للذم والتشكيك بالنسب) و”ولد الحركي” (تعني أبناء العملاء)، مقابل أوصاف جزائرية مثل “قردة البابون” و”الكلاب الضالة”، بما يعكس انتقال السجال من نقد الروايات إلى استهداف الطرف الآخر.
وتكرر النمط مع وسم “#مانيش_راضي”، قبل أن يظهر خطاب مضاد عبر “#أنا_مع_بلادي” تضمن أوصافاً مثل “الصهيومغربية” و”ذباب المخزن” و”الدجاج”، وهو ما ينزع الإنسانية عن الطرف الآخر ويعزز الاستقطاب وخطاب الكراهية. فيما علّق الرئيس الجزائري بأن “الجزائر لا يمكن افتراسها عبر هاشتاق والذي يظن ذلك راه غالط”. (الجزائر لا يمكن افتراسها عبر وسم ومن يظن ذلك فهو مخطئ).
وخلال التفاعل على وسم “#ثورة_9_غشت_في_المغرب”، استُخدمت إهانات مباشرة بحق الصحفي الجزائري أحمد حفصي، من بينها “الكرغولي الحقير” و”كلب الكبرانات”، بالإضافة إلى الشتائم التي طالت شرفه وتخوينه المباشر.
وتكشف الحالات التي رصدها التقرير أن التضليل بين الجزائر والمغرب يتحرك في موجات متبادلة، تبدأ باستغلال حدث سياسي أو أمني أو رياضي عبر مقاطع قديمة أو صور مضللة أو روايات غير موثقة، ثم تُقابل بمحتوى مضاد يستخدم أحياناً الأدوات نفسها. ومع تكرار هذا النمط، يمتد أثر التضليل من تشويه الوقائع إلى تعميق الاستقطاب، وتحويل الخلاف حول حدث محدد إلى إهانات وتعميمات تستهدف الطرف الآخر بوصفه جماعة كاملة.
كما تشير أنماط التفاعل وترابط بعض الحسابات إلى أن تضخيم هذه السرديات لا يعتمد فقط على كثافة النشر، بل أيضاً على تكرار أدوار حسابات في إنتاج المحتوى أو إعادة تدويره وتوسيع انتشاره.
أنجز هذا التقرير ضمن مشروعات تخرج “دبلوم أريج لتدقيق المعلومات 2026” للشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN).