حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
قادري أحمد حيدر
الأستاذ والصديق أحمد الوادعي؛ هو الكاتب والمثقف النبيل الذي لم يحد يوماً عن التمسك بقيم الحب والخير والجمال والدفاع عنها. إنه السياسي الذي وهب حياته –منذ سنوات عمره الأولى– لقضية الثورة اليمنية والدفاع عن الجمهورية، فكان مقاتلاً في الصفوف الأولى ذوداً عنها، ومن أقدر رموزها وأخلصهم؛ إذ دافع عنها باعتبارها مشروع تحرر، وثقافة، وتنمية، وحرية، وعدالة، وديمقراطية. وفي أصعب مراحل تطور الثورة والجمهورية، كان في قلب تلك الأحداث رمزاً لصورة المثقف العضوي المنشود، ومن المؤمنين بأن الفعل السياسي والثوري –ما لم يستند إلى مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي يجسد مصالح أوسع قطاعات المجتمع– يظل بلا معنى.
وحين كان في قلب العمل السياسي الديمقراطي، لم يكن همه ذاتياً أو شخصياً، بل كان جزءاً من مشروع وطني وقومي، تحرري وإنساني كبير، تمثل في حلم التجديد والتغيير، وحلم العدالة والحرية والمواطنة والمساواة.
رمز قانوني وحقوقي وسياسي
وما يزال الأستاذ والصديق أحمد الوادعي –رغم حالة تعبه القهري– من أبرز الرموز القانونية والحقوقية والسياسية والثقافية المناصرة، بالفكرة والرأي والموقف، لقضايا الحريات والحقوق. وهو، مع كوكبة من القانونيين والحقوقيين والمحامين، يمثل مركز قوة مؤثراً وفاعلاً في الدفاع عن الدستور وقدسيته.
وقد تجسدت مساهماته الشخصية في مواقف عملية خلال الاحتجاجات السلمية دفاعاً عن الدستور، وضرورة احترامه، وعدم العبث به وفقاً للمزاج السياسي الطارئ. وفي هذا السياق، قدم إسهامات كتابية وبحثية قانونية جليلة، آخرها كتابه حول (المأزق الدستوري في اليمن)، وهو وثيقة نقدية فكرية دستورية بامتياز.
منذ سنوات شبابه المبكرة، وجد نفسه في قلب الحركة السياسية الديمقراطية اليمنية التي رأى فيها مؤسسات مدنية حديثة يرتبط بها مشروع تحديث المجتمع وتنميته سياسياً ووطنياً. كما وجد –في تلك السن المبكرة من حصار ثورة 26 سبتمبر ومحاولة إجهاض مشروع الجمهورية– في المؤسسات الدفاعية القتالية ملاذاً ومكاناً اتخذه طريقاً للدفاع عن الثورة والجمهورية الوليدة. ومنذ ذلك الخيار المزدوج: (الفعل السياسي المنظم، والاشتراك الفعلي في الدفاع عن الثورة)، بدأ تحرره مما يعوق انطلاقة عقله الحر، ممارساً مزيجاً خلاقاً بينهما في اتجاه تأصيل الفكر السياسي التحرري والرؤى المدنية الحديثة التي تبلورت في سياق ذلك الفعل الدؤوب للتغيير. ومن يذهب إلى مثل تلك الخيارات الصعبة في سن مبكرة، يعني أن مساحة ذاته كانت تتحرك بحرية ولم تكن منغلقة على نفسها. ومن هنا كان انفتاح الأستاذ أحمد الوادعي على الحياة وإقباله على كل ما تضخه من جديد الفكر والثقافة والإبداع؛ وهو سر إبداعه في مجال تخصصه، ومفتاح معرفة مصدر ثقافته المتنوعة والمتعددة خارج نطاق اشتغاله الخاص. وهذا ما يفسر صلابته الفكرية، وتماسكه الروحي والوجداني، وعلو القيم الأخلاقية التي يمثلها والتي تطبع سلوكه ومسيرته كمثقف فاعل، حالم، ومتأمل ناقد لا يقبل بأقل من التفكير الحر والمستقل.
سعى إلى نخر البنية المعادية للعقل
وفيما كتب وأنتج من مساهمات فكرية وثقافية وقانونية، لم يفكر قط بعقل السلطة، ولا بإيعازاتها أو إحالاتها، ولم يسمح لعقله بالتفكير خارج فضاء الحرية وفعلها. وفي سلوكه العملي وخطابه الفكري والسياسي والحقوقي والقانوني، جسد صورة حية للفكر المقاوم والمتحدي لشروط الاستبداد في الواقع.
وفي كل ما كتب وأبدع، كان يسعى إلى نخر البنية الأيديولوجية التسلطية والميثولوجية المعادية للعقل والحرية والحقوق، مبذولاً منه جهد مضنٍ في التأصيل لهذا الاتجاه في الكتابة؛ والذي أثمر كتيباً صغيراً في حجمه، كبيراً في قيمته ودلالته، تحت عنوان “دليلك إلى حقوقك”. وهو –في تقديري– من أرفع المساهمات النبيلة التي تكشف تمكن وتأصل روح الحق والعدل والحرية في عقل وقلب هذا الإنسان النبيل، الذي يقف بيننا اليوم متعباً بسبب خياراته واختياراته الصعبة في الحياة، وهو أقل حقوقه علينا.
وفي كتيب “دليلك إلى حقوقك”، سعى أحمد الوادعي –رجل الحق والقانون– إلى رفع مستوى الوعي الحقوقي والقانوني لدى المواطن بحقوقه، بلغة مبسطة وسهلة ترشده إلى ضرورة إدراك وفهم ماهية حقوقه، وفضاء الحريات التي يتيحها القانون والدستور ولا يدركها المواطن العادي، لكي يدافع عنها وبالقانون. وهي الحقوق والحريات التي تتجاهلها قصداً وعمداً الأجهزة الرسمية، والإعلامية، والتنفيذية، والقضائية، في امتناعها عن تحويلها إلى قضايا ثقافية عامة ونشرها في وسائل الإعلام والثقافة كجزء من دورها وواجبها المباشر؛ لأن الأجهزة التنفيذية تسن القانون ثم تتحايل عليه في واقع الممارسة، إن لم تتحاشَ تنفيذه كلياً.
إن كتيب “دليلك إلى معرفة حقوقك” –الذي قدمه من خلال أسئلة وأجوبة مباشرة– عمل يهم الجميع ويساعدهم، بما فيهم كبار المثقفين؛ ذلك أن غياب الوعي القانوني والحقوقي يكاد يكون هو الغائب الأكبر، أو القاسم المشترك الأبرز، بين الجميع: مواطناً عادياً ومثقفاً، في السلطة أو في المعارضة.
ليس المثقف العضوي –في تقديري– من يملك رأسمالاً معرفياً فحسب، بل من يحول ذلك الرأسمال المعرفي والفكري إلى قيمة رمزية، وأخلاقية، ومعنوية، وحياتية، ويشتغل عليها. والأستاذ أحمد الوادعي هو النموذج الأمثل لذلك المثقف النبيل المعتصم بالحق، النائي بنفسه عن دوائر الفساد، والواقف في صف العدل ومع قضايا الحرية والحق. وذلك في نظري قمة الالتزام، وأشرف أنواع الانتماء للقضايا الكبرى في التاريخ، التي وهب الأستاذ الصديق أحمد الوادعي نفسه لها بشكل طوعي وعقل حر. وأنا أفهم الالتزام بهذا المعنى؛ فهو الاستقلال عما يغاير الذات الحرة من انحطاط وفساد وعنف بات يغطي وجه البلاد اليوم، ويحاول منع الناس من التفكير السليم وتنفس الهواء العليل.
نقد الشرط الاستبدادي الأبوي
إن الأستاذ والصديق أحمد الوادعي هو أحد أهم رموز التقدم والحداثة رؤيةً وموقفاً. وفي تقديري الشخصي، فإن أحد أهم مداخل تجسيد الموقف الحداثي والديمقراطي لأي إنسان إنما يتبدى في موقفه من المرأة وسلوكه تجاهها. وفي هذا السياق، قدم أحمد الوادعي –المثقف والحقوقي والقانوني– كتاباً جميلاً ومكثفاً، منافحاً ومدافعاً عن المرأة وحقوقها، رافضاً استمرار التمييز في الوضعية القانونية والاجتماعية بين المرأة والرجل، وناقداً للشرط الاجتماعي الذكوري (البطريركي) الاستبدادي الأبوي. كما أكد حق المرأة في ولاية القضاء، وحقها في المساواة في جميع المجالات، مستنداً إلى رؤية فكرية، وثقافية، وقانونية، وإنسانية شاملة تجاه قضية المرأة وفكرة المساواة والمواطنة عموماً.
وقدَّم في كتابه الموسوم بـ “حقوق المرأة بين الفقه والشرع” رؤية فكرية، وقانونية، وحقوقية، وشرعية فقهية، من وجهة نظر الإسلام العقلاني النقدي المتحرر من الجمود والانغلاق والتعصب.
وقد دخل من خلال الكتاب في محاججة نظرية، وفكرية، وقانونية، وشرعية مع رأي أحد رجال الدين حول قضية “الحجاب”، مفنداً أطروحاته وقناعاته عبر حوار عقلاني وقانوني وشرعي وفقهي، ليخلص في النهاية إلى جملة من الاستخلاصات، منها قوله:
(الحجاب إذن لا يخلق العفاف، ولا يمنع الفساد. في غالب الأحوال، وفي أحسن حالاته عن أصحابه، إنه يصد فساداً قائماً أو حالاً، والمطلوب خلق عفة أخلاقية أو أخلاق قناعة ذاتية لدى الفرد والمجتمع ضد الفساد، وهذا لا يتأتى إلا بخلق مجتمع جديد حر لا مكان فيه لخرق أخلاقي إلا بقدر ما تتحمله الطبيعة البشرية السوية. والحجاب بهذا التوصيف الذي لا شك في صحته، مجرد مداراة لفساد قائم، وهو كذلك تستر على العيوب الأخلاقية لمجتمع بنيانه معتل، وخرب، وغير مكتمل، وفاسد أخلاقياً، ولذلك فإنك تجد الحجاب تدبيراً اجتماعياً لا يظهر إلا في المجتمعات المتخلفة حضارياً) (ص87-88).
إننا هنا أمام نص فكري، وثقافي، واجتماعي؛ نص جمع بين العقل الناقد والفكر الخلاق الذي تمكن من الغوص في الأعماق العابرة للواقع بمستوياته الاجتماعية والتاريخية، كاشفاً عن الأصيل في الواقع والحياة، والزائف في الأيديولوجيا –أعني زيف الأيديولوجيا التي تحاول فرض نفسها واقعاً بديلاً للواقع الحي، بل وفرض نفسها ديناً وشريعة من موقع كونها أيديولوجيا تسعى للهيمنة–. وفي هذا النص يتجلى في أرفع صوره موقف وفكر المثقف النقدي الذي يجمع بين الرؤية والموقف، والفكر والسلوك.
إن درس الواقع والتاريخ الذي عاشه المثقف والإنسان أحمد الوادعي علمه أن النقد هو الذي يفتح أمام الممارسة أبواباً كانت موصدة، ومدائن غير مطروقة، ومجاهل غير معلومة ولا مدركة. لقد امتلك العزيز والنبيل أحمد الوادعي في مرحلة مبكرة مغامرة العقل النقدي؛ وهو أقصر الطرق لعدم تكرار التجربة الخاطئة؛ فمن لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه بتكراره. وقد تعلم الصديق الأستاذ أحمد الوادعي أن يتقدم مع التجربة التاريخية ومن خلالها؛ فالنقد عنده عملية تصحيح للمسار وتقدم فيه، وهو عكس التوبة والتراجع اللذين تقف خلفهما حالة من الخذلان، والإحباط، واليأس في لحظة انسداد الآفاق.
فضاء إنساني مفتوح على الحياة
إن الأستاذ العزيز أحمد الوادعي يظل حاضراً اليوم من خلال ما تركه وأنتجه من تراث فكري، وحقوقي، وقانوني؛ فهو ما يزال مشاركاً في قلب الفعل الثقافي والسياسي، ومشاركاً في الكفاح اليومي للناس، لم يتبرأ من تاريخه، ولم يهجر قناعاته في الإصلاح وضرورة التغيير، بل بقي متمسكاً بجمرة عشقه للحرية والحق، حتى في أقسى اللحظات التي أعلن فيها البعض توبتهم وبراءتهم مما ارتكبوه في مغامرات العقل الأولى. وما يزال –مع كوكبة من رفاقه– مشدوداً إلى مغامرات العقل الأولى وفي فضائها الإنساني المفتوح على الحياة.
ومن الملامح المائزة في فكر أحمد الوادعي التي نكتشفها وتعلن عنها كتاباته: الصدق والصراحة الفكرية في عرض أفكاره التي لا تخلو أحياناً من الحدة الواجبة التي تستدعيها ضرورة الموقف والكتابة الموضوعية، فضلاً عن الوضوح في الأفكار، والذهاب إلى القضايا والأشياء مباشرة دون توسل أو تسول لواسطة من اللغة للوصول إلى الهدف المراد.
وفي مقدمة كتابه حول “حقوق المرأة اليمنية بين الفقه والتشريع”، يقول واصفاً نفسه: “ولأني ابن مجتمع متحيز ذكوري، فلا بد أن أعترف بأني لست طاهراً من هذه التحيزات الذكورية، ولذلك فإن هذا الكراس بالنسبة لي “مطهر حررني من بعض أدران البيئة إياها” (ص2). وهذا يعكس صدق وتواضع العارف، والعالم والمثقف الأصيل، وواقعيته وعقلانيته.
سألني مرة أحد الأصدقاء: هل أحمد الوادعي مستقل؟
وكنت أدرك تماماً ما يقصده من سؤاله حول الاستقلالية، فلم أجب، مع أنني كنت أعلم الإجابة المباشرة لما يرمي إليه السؤال. فضلت الصمت؛ لأن السؤال –بما ينطوي عليه من معنى– ليس له أي معنى عندي؛ ذلك أن المثقف النقدي لا يمكن أن يكون مستقلاً.
فالنقدية للواقع والأفكار والمفاهيم تعني إعمالاً للعقل، وغوصاً في قضايا الواقع وإشكالاته، ومحاولة لاكتشاف المخارج لرفع تناقضاته، وجعلها معلومة ومكشوفة على مستوى الرؤية والفكرة. ومن يكون ذلك ديدنه ورأيه، لا يمكن أن يكون مستقلاً بأي معنى من المعاني؛ فذلك –في تقديري– أرقى وأرفع أشكال تجسيد الالتزام والانتماء لقضايا الناس والحياة.
تحية من القلب للصديق العزيز الأستاذ أحمد الوادعي في رحلة تعبه القاسية، وهذه التحية هي أقل الواجب تجاهه، ولأسرته الكريمة.
* نقلاً عن منصة امتداد
The post أحمد الوادعي.. المثقف الثوري ورجل القانون first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.