حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
عبدالباري طاهر
في كتابه «مكان تحت الشمس»، يُقَدِّم نتنياهو نفسه كواحد من أنبياء بني إسرائيل. وفي حرب الإبادة التي شَنَّهَا على غزة، يتصور نفسه كشاؤل أو يوشع بن نون.
يَتقمَّص الأرواح الشِّريرة لهتلر وموسوليني وكاهانا وبيجن وشامير وشارون وقادة المنظمات الإرهابية: الأرجون والهجاناه وشيترن. ويقرأ في القوة الإسرائيلية الأكثر حداثة والأقوى من كُلِّ دول المنطقة، والمدعومة بأمريكا، ورديفه ترامب= القدرة على صياغة الشَّرق الأوسط الجديد، وقيام الدولة اليهودية الكبرى، والاستيلاء على المنطقة، وأن يصبح البطل الأسطوري للصهيونية العالمية.
الانتخابات الإسرائيلية سَفَّهت كل أحلامه، وَكَذَّبت نزوعه العدواني، ودَلَّلت على أنَّ حرب الإبادة في غزة لن تخلق منه داخل الكيان الصهيوني وعالميًّا سوى مجرم حرب.
خسارة الحرب في مجتمع شديد العنصرية، والتَّطرف الفاشي، والتفوق العرقي والاستعلاء- معناه كبير. فجرائم حرب الإبادة لا بُدَّ وأن تترك أثرًا في الكيان الصُّهيوني، ورموزه الفاشية، وتَحُدَّ من تَغَوُّل قطعان المستوطنين، بعد فشل رموزهم: سموترتش، وبن غفير.
لا ينبغي التقليل من دلالة ومغزى نتائج الانتخابات الإسرائيلية على اليمين الفاشي، ونجاح القائمة العربية.
صحيح أنَّ المعارضة ليست مع حَقِّ الفلسطينيين في بناء كيانهم الوطني، ولا مَعَ الوقف الكُلِّي للاستيطان، ولكن سقوط آخر الأنبياء الإسرائيليين الكَذَبة، وأهم رموز الفاشِيَّة الأكثر إجرامًا ودموية، وانتصار القائمة العربية مهم. ففشل رمز حرب الإبادة (نتنياهو) يعني الكثير.
أمَّا الرَّمز الآخر رونالد ترامب، فسردية أخرى أكبر وأخطر وأهم. فهو سمسار دولي؛ وحقق في سمسرة العقارات المليارات، معتَقِدًا بأنَّ النجاح في السمسرة وكسب المليارات دليل على أنه عبقري زمانه.
وقد قوى صعوده إلى البيت الأبيض، بأمواله الضخمة الأوهام بداخله، وأنَّ بمقدوره حكم العالم، وقَدَّم نفسه في ولايته الثانية كملك على أمريكا، وحاكم للعالم.
غزا فنزويلا، واختطف رئيسها مادورو، وَهَدَّدَ بإلحاق كندا والمكسيك وجرنادا بأمريكا، وَتَوعَّدَ بإبادة الحضارة الفارسية، ونهب ثروات إيران، وزاد في معدلات التعرفات والضرائب الجمركية، وأضعف الرَّأي العام بأمريكا، وأهان القضاء؛ وهما القوة الحقيقية لأمريكا.
اختزلَ الشَّعب الأمريكي في حزبه الجمهوري، و في المليارديلات، وأسرته، وأتباعه، ووضع الجميع في جيبه، وأقصى كُلَّ مَنْ انتقده أو اختلف معه، وتصرَّفَ كفاسد شعبوي، ومستبد لا يختلف عن حكام عالمنا الثَّالث والرَّابع، وجَيَّرَ نفسه للصُّهيونية العالمية.
الفارق بين النتن ياهو وترامب أنَّ الأول يريد الهيمنة والتسيد على الشرق الأوسط، أمَّا الأخير، فيرى أنَّ حكم العالم حَقٌّ من حقوقه، ويطلق اسمه على مضيق هرمز، وبعض المحيطات.
نهج ترامب وغطرسته حَدَّ الرُّعونة يُواجَه بالرفض والإدانة من قبل الأمريكيين، وأوروبا والعالم، فِيمَا يلقى التَّرحيب من قبل الحكم العربي، ويُرفَد بالتلريونات!
يُنَصَّب رَئيسًا لمؤتمر السلام في «شرم الشيخ»، ويقدم مبادرة نتنياهو ذات النقاط العشرين، ويُشَكِّل فريق السَّلام من مجموعة فيها نتنياهو؛ مجرم حرب إبادة غزة، وتابعه بلير الصهيوني المُستَأجَر.
والنتيجة تَوسُّع الاحتلال؛ ليصل إلى 70% من الأراضي المحتلة، وتتواصل حرب الإبادة والقصف والتدمير والحصار المطبق والتجويع وعملية الاغتيالات، فيما يلوذ الحُكَّام العرب بصمت الرَّاضي أو الخائف.
يتمدد الاستيطان شاملاً مختلف مناطق الضفة الغربية؛ ليصلَ إلى رام الله؛ حيث «مناطق ألف»، وسَكَن محمود عباس- رئيس السُّلطة الفلسطينية والقناة الأمنية الثانية إلى جانب بيريز في أوسكو.
انتخابات الكنيست الإسرائيلية أكَّدَت أنَّ نتنياهو ووزير دفاعه غالانت وجنرالات الحرب واليمنين التوراتي الصهيوني مجرمو حرب إبادة؛ ليس في نظر العالم فحسب، وإنَّمَا أيضًا داخل إسرائيل، ومصيرهم خارج السلطة، ومصير نتنياهو المحاكمة والسجن، وقد أثبتت انتخابات النِّصف الأمريكية: النيابية والشُّيوخ التي قادها ترامب أنَّ سياساته الدَّاخلية، وحروبه الخارجية والعالمية بالانخراط في حرب غزة، وغزو فنزويلا واختطاف رئيسها، والحرب على إيران، وتهديد الأمن والسَّلام الدوليين= كانت نهايتها «البطَّة العرجاء» حَالِيًّا، ومستقبلاً مجرم حرب إبادة، والمصير إلى مزبلة التَّاريخ.
غزو فنزويلا واختطاف رئيسها، والاستيلاء على نفطها، وضعف ردود الفعل، فتحت شهيته وضاعفتها.
حرب الإبادة على غزة، والمباركة العربية والإسلامية الرَّسمية أغرته بالحرب على إيران. وحقيقة الأمر، فَإنَّ الحرب على إيران كانت تعني -فيما تعنيه- الاستيلاء على ثروات النفط العربية أيضًا، وقطع طريق الحرير على الصِّين.
المأساة والبؤس أنَّ ضحايا الحرب على إيران سوف يصبحون بسقوط ترامب أرامل أيضًا.
لم تنخرط العربية السعودية ودول الخليج في الحرب؛ وكان الموقف صَوابًا، وغاية في الإدراك. والأهمُّ هو الابتعاد عن أوهام الحماية، بعد أن استبانَ السبيل.
الحروب العربية -العربية، وحروب الأنظمة ضد أمَّتها وشعوبها، والفساد، والطغيان هو ما أوصلنا إلى ما نحن فيه.
استمرار إبادة غزة، وحرب الإبادة في السودان، واحتلال جنوب لبنان، والجولان، والقنيطرة، والخنوع والسُّكوت مأساة.
الحرب في اليمن وعليها، والحصار الداخلي والخارجي، وتصاعد الحرب، وزيادة ضحاياها من القتلى والمشردين البالغين بمئات الآلاف، في بلد تَسَلَّطَت عليه الحرب، والمجاعة، والأوبئة = كارثة.
عندما نادي «دُعَاة السَّلام» في اليمن بوقف الحرب، منذ العام 2014، كانت الاتهامات جاهزة.
استمرار الحرب، وحصار اليمن، وحصار تعز؛ مدينة التَّمدُّن اليمني، وعاصمة الثَّقافة، ورافد الثَّورة اليمنية: سبتمبر وأكتوبر= عَار؛ لا يمحوه إلا وقف الحرب، والاحتكام للسَّلام.
The post سُقُوط الحَرب ورمُوزُهَا first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.