إشكالية السلام والحرب في اليمن
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة
عقدان من السلام والحرب بين الدولة اليمنية وجماعة الحوثي المصنفة جماعةً إرهابيةً، يضعان سؤالاً كبيراً: لماذا لم ينجز اليمن سلاماً أو انتصاراً عسكرياً في أزمته التي بدأت بانقلاب جماعة الحوثي على التوافق والسلطة الشرعية نهاية العام 2014؟ وهذا هو موضوع هذا المقال، حيث يمكن توصيف ما قبل ذلك بأنه مرحلة استخدام السلطة لجماعة الحوثي ورقةً في مواجهة الخصوم السياسيين، وهي المرحلة التي هيّأت الحوثي وأعدّته عسكرياً للسيطرة على الدولة وفرض أجندته على المجتمع بقوة السلاح. منذ انقلاب الحوثي في 21 سبتمبر 2014، والحرب التي أشعلتها مليشياته في مناطق اليمن كافة، مرّت الأزمة اليمنية بمحطات كثيرة من السلام والحرب، لم تفضِ إلى إنجاز سلام حقيقي شامل، ولا إلى هزيمة عسكرية لجماعة الحوثي الإرهابية أو انكسار معسكر الدولة. وعاشت اليمن خلال الفترة الماضية مرحلة الحرب ومرحلة اللا حرب واللا سلام، ولم ينتج عن ذلك سوى مزيد من المعاناة للمواطن اليمني داخل اليمن وخارجه. في مسار السلام، مرّ على اليمن أربعة مبعوثين أمميين، تعثّر جميعهم بسبب تعنّت الحوثي ورفضه لكل مساعي السلام. وكانت البداية بما سُمّي اتفاق السلم والشراكة في سبتمبر 2014، الذي انقلب عليه الحوثي رغم تلبية الاتفاق لكل ما أراده، حيث فَرض في الاتفاق ما يريده بعد سيطرته على العاصمة صنعاء. وبعد انطلاق عاصفة الحزم وصُدور القرار الأممي 2216، الذي دعا الحوثي إلى الامتثال لمساعي السلام والخروج من العاصمة صنعاء وتسليم السلاح وعدم منازعة الدولة في اختصاصاتها، جاءت مشاورات جنيف وبيل 2015، اللتين أفشلهما الحوثي رغم التنازلات التي قدمتها الحكومة، ثم مشاورات الكويت التي انطلقت في أبريل 2016 واستمرت ثلاثة أشهر، وانتهت أيضاً برفض الحوثي مشروع الاتفاق الذي وقّعته الشرعية بعد التفاهم عليه بين الطرفين. ثم جاءت مشاورات جنيف في سبتمبر 2018، التي تخلّفت جماعة الحوثي عن حضورها في اللحظات الأخيرة، لتُفشل مرة أخرى جهود السلام. وبعد ذلك، محادثات استوكهولم في السويد 2018، التي وُقّع خلالها اتفاق لوقف إطلاق النار، ومُنعت بموجبه القوات الحكومية من استكمال السيطرة على مدينة الحديدة المطلة على البحر الأحمر، والتي سيستخدمها الحوثي لاحقاً للقرصنة وتعطيل الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب حتى يومنا هذا. ولم تتمكن كل تلك الجهود الأممية من إقناع الحوثي بالانخراط في مسار السلام في اليمن وإيقاف جرائمه بحق اليمنيين. فقد استمرت سيطرته على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات والمدن، كما استمرت هجماته على المحافظات المحررة في مأرب ولحج والضالع والحديدة وتعز وأبين والجوف. ومع نهاية العام 2021، بدأت بعض دول الإقليم تسويق فكرة التعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته، فجاءت على إثر ذلك خارطة الطريق التي تبنّتها المملكة العربية السعودية ومعها سلطنة عُمان، -والتي غُيبت عن تفاصيلها الحكومة اليمنية، وكان من الواضح أن الهدف منها تطبيع علاقة الجوار اليمني مع الحوثي في محاولة لجرّه إلى مربع السلام. وقد أُطيح بالرئيس هادي، وبدأت المشاورات المتعلقة بالجوانب الإنسانية والعسكرية تأخذ منحى خطيراً، كانت نتائجه تعزيز سردية الحوثي القائلة بأن الصراع بين السعودية واليمن، وليس بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي الانقلابية الإرهابية. كما تغيّر توصيف الإعلام الإقليمي والدولي للحكومة اليمنية من الحكومة الشرعية إلى الحكومة المعترف بها دولياً. وقد شكّل هذا التحول الخطير في مسار السلام والتنازلات بفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة دون رقابة فرصةً للحوثي لتعزيز ترسانته العسكرية القادمة من إيران،. ولسنا هنا في صدد سرد ما خلّفه هذا المسار من آثار كارثية ضد الشرعية والتحالف لصالح جماعة الحوثي الإرهابية، التي وظّفته في تعزيز حضور خطابها ومشروعها السياسي على مستوى الخارج، وتطوير قدراتها العسكرية على المستوى المحلي، ومضاعفة تهديدها الإقليمي لدول الجوار والملاحة الدولية في البحر الأحمر. وها هي بعد كل هذه التنازلات تنقلب أيضا على خارطة الطريق بالهجوم محلياً على ميناء المخا وباب المندب وتعز، وقصف الأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية واستهداف المقدسات الاسلامية مكة والمدنية، في جرائم تؤكد نهجها الارهابي، وهي عادتها في كل محطات السلام. لا يؤمن الحوثي بالسلام بوصفه خياراً لإنهاء الصراع، ولن يلتزم به ابدا، إذ تقوم أجندته على فرض مشروعه بقوة السلاح، واستخدام العنف وسيلةً لتحقيق أهدافه، التي يتعامل معها باعتبارها عقيدةً موجِّهةً لسلوكه السياسي والعسكري. وقد تجلّى هذا النهج في مسار جماعة الحوثي منذ نشأتها وحتى اليوم، من خلال استمرار اللجوء إلى القوة في مواجهة خصومها، وتقويض فرص التسوية حتى لو تخادمت مع برامجها ومشروعها، فالعنف والارهاب شرط للولاية في عقيدتهم السياسية المنحرفة. وفي مسار الحرب، بدأ الحوثي معاركه العسكرية مبكراً من صعدة وصولاً إلى صنعاء، التي أسقطها مع حلفائه، في ظل تخاذل قيادة الدولة، في 21 سبتمبر 2014. وتأكيداً لمعتقده القائم على الخروج بالسيف وممارسة العنف والبطش، لم تتوقف قواته في صنعاء انتظاراً لتسليم باقي المحافظات لسلطة عاصمة الدولة، بل أرسل قواته لإخضاع بقية المحافظات بالترهيب والعنف، وتفجير منازل المعارضين، وقتل النساء والأطفال، وتشريد الملايين من اليمنيين داخل اليمن وخارجه، في موجة نزوح ولجوء لم تشهد اليمن مثيلاً لها من قبل. لقد انهارت مؤسستا الجيش والأمن عند انقلاب جماعة الحوثي الإرهابية، فحمل المواطن السلاح في وجه المليشيات الحوثية، وأعادت الدولة تنظيم صفوفها بدعم وإسناد تحالف دعم الشرعية، الذي انطلق في مارس 2015 استجابةً لطلب الرئيس هادي، لدعم الحكومة الشرعية في إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة، وضمان إنجاز التغيير، وحماية العملية السياسية التي انطلقت بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية الموقّعة في نوفمبر 2011. ومنذ انطلاق عاصفة الحزم وإعادة ترتيب صفوف القوات المسلحة اليمنية، ومعها المقاومة الشعبية، لم تُفتح معركة عسكرية ضد المليشيات الحوثية الإرهابية إلا انتصرت وحققت اهدافها، فتحررت بذلك محافظات عدن ولحج وأبين ومأرب والضالع وتعز، وأجزاء كبيرة من الحديدة، واستعادت الشرعية الجزء الأكبر من مساحة الجمهورية اليمنية. ثم ظهرت بعض الحسابات الخاطئة التي أوقفت استمرار الجبهات، فنشأت قوات عسكرية نازعت الحكومة الشرعية صلاحياتها في مناطق سيطرتها، في محاولة من البعض لوضع العربة قبل الحصان. وللأسف، لم يتقدم الحصان ولم تسلم العربة. لقد حقق الجيش اليمني والمقاومة الشعبية، ومعهما التحالف، تلك الانتصارات والإنجازات الكبيرة في وقت قياسي لم يتعدَّ بضعة أشهر، إلا أن إيقاف تقدم الجبهات، بفعل المسار السياسي أو حسابات العربة، لم يمنح الحوثي الأفضلية في الهجوم على بعض المدن والمحافظات فحسب، بل خلق انشقاقات وصراعات داخلية في صفوف الشرعية السياسية، كان لها أثر كبير في إضعاف مؤسسات الدولة وتعزيز قوة الحوثي وتصدّع العلاقة بين أطراف تحالف دعم الشرعية. لقد واجه المسار العسكري لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة ثلاث مشكلات رئيسية. أولها: التفكير بأن الحوثي، بوصفه جماعةً مسلحةً، يمكن التعامل معه كسلطة أمر واقع ودعمه ليتحول إلى دولة، وهو أمر محال لمن يعرف تاريخ الإمامة في اليمن ونشأة جماعة الحوثي الإرهابية ومسارها منذ بدايتها. فهي جماعة مسلحة تحمل معتقدات سياسية منحرفة لا تسمح بقيام الدولة بها أو بغيرها، وهي أيضاً معتقدات لا حدود جغرافية لها يمكن أن توقف طموحاتها الإرهابية، فضلا عن علاقة التبعية التي تربطها بإيران. الثاني: العمل من خارج مؤسسات الدولة. فقد كان ولا يزال تشكيل قوات عسكرية خارج مؤسسات الدولة السبب الأبرز في إضعاف الشرعية محلياً ودولياً. وقد أثبتت الفترة الماضية في كل من عدن وحضرموت أن القوات التي نشأت خارج إطار الدولة تحولت إلى كيانات متمردة على الحكومة الشرعية والتحالف معاً. كما أن الاستمرار في هذا التوجه لا يمكن أن يخلق إلا مزيداً من التحديات أمام الحكومة الشرعية والتحالف، اليوم ومستقبلاً. الثالث: عدم تفعيل جميع جبهات القتال ضد الحوثي في وقت واحد. وقد أتاح هذا الخلل للحوثي الانفراد بالهجوم على بعض الجبهات وإضعافها، دون أن تحرّك الشرعية والتحالف بقية الجبهات لتشتيت قواته وإضعافه. ويُضاف إلى ذلك سوء اختيار من يقود المواجهة مع الحوثي سياسياً وعسكرياً، والسماح بالنيل من بعض القيادات السياسية والعسكرية التي واجهته منذ وقت مبكر، وصولاً إلى إزاحتها من المشهد، ما تسبب في تراكم الأخطاء والإخفاقات التي أوصلت الحكومة الشرعية إلى ما هي عليه اليوم. ويكفي أن نذكر هنا أن الشرعية غيّرت سبع حكومات خلال السنوات العشر الماضية من المواجهة مع الحوثي، أربع منها منذ العام 2022. ترفض جماعة الحوثي مسار السلام الأُممي لانهاء الازمة اليمنية كما ترفض التعايش مع اليمنيين أو مع جيرانه في استقرار وآمان. وحده الحسم العسكري الطريق الوحيد لانهاء هذه الفوضى التي خلقتها مليشياته في اليمن والمنطقة. لقد فشلت مساعي السلام الإقليمية في إقناع الحوثي بمسار تمكينه تحت غطاء السلام وبأن يكون دولة يعترف بها جيرانها على قاعدة المصالح المشتركة، فلا ينبغي الاستمرار في هذا المسار ولا بقاء ادواته، فالقيادة التي تشكلت بهدف السلام مع الخوثي سيكون من الصعب عليها أن تقود معركة الانتصار عليه عسكرياً. وفي المسار العسكري فالحوثي أضعف من أن يصمد أمام زحف الجيش اليمني، فلديه الكثير من نقاط الضعف التي تجعل هزيمته يسيره وفي وقت قصير جداً، إذا ما جرى العمل على ذلك من خلال مؤسسات الدولة بقيادات كفؤة، وتوحيد القوات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع والقوات المشتركة، وتوفير كافة احتياجات المعركة، وتحريك جميع الجبهات في الوقت نفسه. وهذا الأمر كفيل بكسر جماعة الحوثي وهزيمتها عسكرياً في أسابيع قليلة. **ياسر الرعيني: نائب أمين عام مؤتمر الحوار الوطني اليمني ووزير الدولة السابق المكلف بتنفيذ مخرجات الحوار The post إشكالية السلام والحرب في اليمن appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية