حزبي
طوال تاريخها ظلت تعز واحدة من أهم مراكز التكوين السياسي والثقافي والفكري في اليمن، ورافعة أساسية في معارك التحول الوطني، من مقاومة الإمامة والاستعمار، إلى النضال من أجل قيام الدولة الوطنية الحديثة، وترسيخ قيم الجمهورية والمواطنة المتساوية.
ولعل ما يمنح تعز هذه المكانة الاستثنائية أنها لم تكن مجرد متلقية للتحولات السياسية التي شهدها اليمن، بل كانت طرفاً فاعلاً في صناعتها، وحاضرة في مقدمات التحولات الكبرى، بما تمتلكه من رصيد بشري وثقافي وتراكم مدني، ووعي سياسي جعلها أكثر ارتباطاً بفكرة الدولة ومؤسساتها، وأشد حساسية تجاه مشاريع الاستبداد وإعادة إنتاج الامتيازات القائمة على النَّسَب والسّلالة، والحق الإلهي المزعوم في الحكم والتحكم.
المؤكد أن تعز تكتسب أهمية تتجاوز حدودها الإدارية، فموقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل بين المرتفعات الوسطى والساحل الغربي والمناطق الجنوبية، كما يمنحها امتداداً استراتيجياً باتجاه باب المندب وخطوط الحركة التجارية والعسكرية، لكن اختزال أهمية تعز في موقعها الجغرافي وحده يغفل جانباً أكثر عمقاً، وهو مكانتها في معادلة الصراع على هوية الدولة اليمنية، وهنا تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، والسياسة مع الثقافة.
هذا له معنى واحد، وهو أن معركة مليشيا الحوثي الإرهابية الذي مع تعز منذ أحد عشر عاماً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الدولة والنظام السياسي والهوية الوطنية، وبالمقابل فإن المقاومة والثبات الذي تبديهما تعز هما السبيل الذي يكاد يكون وحيداً لإبقاء الهوية الجمهورية حاضرة في المشهد اليمني، وهذا ما يفسر الإصرار الميليشاوي على الضغط العسكري والثقافي والسياسي على المدينة، ومحاولة التأثير في بيئتها الاجتماعية وإرهاقها اقتصادياً ونفسياً، لكن كل هذه الأمنيات تنكسر أمام وعي وثبات وحنكة تعز بجيشها ومقاومتها ومواطنيها الشرفاء.
إن تعز التي وقفت في وجه محاولات إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، لا ينبغي أن تكون وحدها اليوم في مواجهة تبعات هذا الموقف، فقضيتها ليست قضية أبنائها وحدهم، كما أن معركتها ليست شأناً محلياً معزولاً عن بقية اليمن، وهي لا تقاتل لأنها جمهورية فقط، بل لأنها تحمل في ذاكرتها وتاريخها وتطلعات أبنائها معنى الجمهورية.
يوماً بعد يوم تؤكد الأحداث أن هذه المدينة المقاوِمة ستظل في قلب الحكاية الوطنية ما بقي في اليمن من يؤمن بأن الوطن لجميع أبنائه، وأن الحكم حق للشعب لا امتيازاً لسلالة أو جماعة.
دمتم سالمين.