لماذا تنتصر جيوش وتتراجع أخرى؟ قراءة في كتاب “فن الحرب” وقواعد التفوق الميداني (2)
أهلي
منذ ساعة
مشاركة
استعراض خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” دعاء صوان: لا تحسم المعارك دائمًا بحجم القوات والعتاد وحدهما؛ فقد يمتلك أحد الأطراف تفوقًا عدديًا، لكنه يعجز عن تحويله إلى نتائج ميدانية بسبب سوء التنظيم أو الخطأ في تقدير الموقف، بينما يستطيع الطرف الآخر استثمار نقاط الضعف واستغلال الثغرات وتغيير أسلوبه وفقًا لظروف المواجهة. في كتابه “فن الحرب”، ينتقل المفكر العسكري الصيني “سون تزو”، من بحث التخطيط للمواجهة إلى دراسة كيفية إدارة القوة في الميدان، موضحًا أن التفوق لا يتحدد بما يمتلكه الجيش فحسب، بل بكيفية تنظيم إمكاناته، واختيار مواضع التحرك، واستثمار الفرص التي تتيحها تحركات الخصم من واقع التعامل مع نقاط القوة والضعف. وتتناول هذه الحلقة الفصول من الرابع إلى الثامن، التي تبحث في حماية القوات من الهزيمة، وتوظيف القوة لتحقيق النصر، واستثمار نقاط الضعف والثغرات، وإدارة المناورات، وتكييف القرارات مع الظروف المتغيرة. وتلتقي هذه الموضوعات عند سؤال رئيسي واحد: كيف يحوّل القائد ما يمتلكه من إمكانات إلى أفضلية فعلية في المعركة؟ الفصل الرابع: “التصرف التكتيكي”.. كيف يحمي القائد قواته من الهزيمة؟ يميّز “سون تزو” في الفصل الرابع من كتاب “فن الحرب” بين القدرة على منع الهزيمة والقدرة على تحقيق النصر. فالقائد من وجهة نظر “تزو”، يستطيع تحصين موقفه، وتقليل الثغرات، وحماية قواته من الأخطاء التي قد يستغلها الخصم وتمنحه فرصة للتغلب عليه، لكنه لا يستطيع ضمان النصر بمجرد اتخاذ التدابير الدفاعية، لأن تحقيقه يرتبط أيضًا بالظروف التي تتيحها تحركات الطرف الآخر. ويقوم هذا التصور على أن حماية القوات من الهزيمة تقع، إلى حد كبير، ضمن ما يستطيع القائد العمل عليه، بينما يتطلب تحقيق النصر توافر فرص مناسبة وحسن استثمارها. فالقائد قد ينجح في الحفاظ على مواقعه ومنع خصمه من تحقيق أهدافه، من دون أن تتوافر له الظروف اللازمة لشن هجوم حاسم. ومن هنا، لا ترتبط كفاءة القيادة بالاندفاع نحو المواجهة من خلال الاندفاع إلى الهجوم، بل بالقدرة على حماية القوات وتقدير الموقف والظروف التي تسمح لها بالانتقال إلى المبادرة، وتجنب المخاطر غير الضرورية، وانتظار الظروف التي تسمح بالانتقال من حماية القوة إلى استخدامها بفاعلية. وتكشف هذه الفكرة أن الصمود، على أهميته، لا يعني بالضرورة تحقيق النصر، كما أن امتلاك القدرة على الهجوم لا يبرر استخدامه في كل الظروف. فالقائد يحتاج إلى معرفة ما يمكنه التحكم فيه، وما يتوقف على تصرفات خصمه، والتمييز بين الحفاظ على القوة وخلق فرصة حقيقية للحسم. الفصل الخامس: “القوة والزخم”.. كيف تتحول الإمكانات إلى تأثير في الميدان؟ ينتقل :سون تزو” في الفصل الخامس من “فن الحرب” إلى كيفية تنظيم القوة وتوجيهها، موضحًا أن فاعلية الجيش لا تنشأ من جمع أفراده وموارده فحسب، وإنما من طريقة تنسيقها وتحريكها. فقد تبدو القوات كبيرة من حيث العدد، لكنها لا تحقق أثرًا يتناسب مع إمكاناتها إذا افتقرت إلى التنظيم والتكامل بين أدوارها. كما أن القوة غير المنظمة، بحسب المفكر العسكري الصيني، وإن بدت كبيرة، لكنها لا تحقق الأثر نفسه الذي تحققه قوة تعرف كيف توزع أدوارها وتنسق تحركاتها وتستثمر إمكاناتها في اللحظة المناسبة. ويشرح المؤلف العلاقة بين الأساليب المباشرة وغير المباشرة في القتال؛ إذ يمكن للأسلوب المباشر أن يثبت الخصم ويشغله في مواجهة معينة، فيما تتيح المناورات غير المباشرة فرصًا لإرباك الخصم ومباغتته من اتجاه لا يتوقعه. ولا تتحقق الفاعلية بالاعتماد على أحد الأسلوبين وحده بصورة مطلقة، بل بالقدرة على الجمع بينهما وتغيير استخدامهما وفقًا للموقف وبما يسهم في إرباك توقعات الخصم. ولتوضيح ذلك، يستعين “سون تزو” بصورة الصخرة المستديرة التي تندفع منحدرة، فتكتسب الحركة أثرها من طبيعة المسار والسرعة والزخم، لا من كتلتها وحدها. ويشير هذا التصور إلى أن فاعلية القوة لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فقط، بل بكيفية توجيهها والظروف التي تتحرك وتستخدم فيها. وتبرز هنا أهمية الزخم، الذي لا يعني مجرد الاندفاع نحو المواجهة، بل القدرة على تنظيم التحركات بحيث يعزز بعضها بعضًا، ويمنح القوة أثرًا يتجاوز ما يمكن أن تحققه العناصر منفردة. فحين ينجح القائد في تثبيت خصمه في اتجاه، ثم يستثمر تحركًا آخر لإرباكه، تصبح طريقة استخدام القوة عاملًا مؤثرًا في نتيجة المواجهة. وبذلك، يربط سون تزو بين التنظيم وحسن التوقيت وتكامل الأساليب، باعتبارها عناصر تحول الإمكانات المتاحة إلى تأثير فعلي في الميدان، بدلًا من تبديدها في تحركات لا تخدم الهدف. الفصل السادس: “نقاط الضعف والقوة”.. كيف يفرض القائد إيقاع المعركة؟ يركز “سون تزو” في الفصل السادس من “فن الحرب”، على العلاقة بين المبادرة والقدرة على توجيه تحركات الخصم. فالقائد الذي ينتظر ما يفعله الطرف الآخر يجد نفسه مضطرًا إلى الاستجابة لخيارات لم يحددها، بينما تمنح المبادرة الطرف القادر على التأثير في الموقف فرصة أوسع لاختيار اتجاه المواجهة وتوقيتها. وتزداد أهمية هذه الميزة عندما يعجز الخصم عن تحديد موضع الهجوم أو توقيته، إذ يضطر إلى الاستعداد لاحتمالات متعددة، وهو ما قد يؤدي إلى توزيع قواته وتشتيتها على جبهات مختلفة وإضعاف تركيزه في المواقع الأكثر أهمية. وفي المقابل، يستطيع القائد الذي يحسن إخفاء نواياه اختيار الموضع الذي يمنحه أفضلية، بدلًا من خوض المواجهة وفق الشروط التي يفرضها خصمه. ولا تقتصر الفكرة على إخفاء التحركات، بل تشمل أيضًا تجنب الدخول في مواجهة مع نقاط القوة لدى الطرف الآخر، والبحث عن المواضع التي تقل فيها قدرته على المقاومة أو الاستجابة. فمعرفة نقاط القوة والضعف لا تكتسب قيمتها من مجرد تحديدها، وإنما من توظيفها في اتخاذ القرار واختيار اتجاه التحرك. ويشرح سون تزو هذه الفكرة من خلال تشبيه حركة الجيش بحركة الماء، الذي لا يسلك مساراً ثابتاً، بل يتشكل وفق طبيعة الأرض التي يجري فيها. وبالمثل، ينبغي للقائد ألا يتمسك بأسلوب واحد في جميع المواجهات، وإنما يكيف تحركاته وفقًا لما تكشفه الظروف من فرص وقيود. ولا يعني ذلك أن تجنب نقاط القوة والضغط على نقاط الضعف قاعدة منفصلة عن بقية الحسابات، بل يتطلب تقدير قدرات الطرفين، ومعرفة ما يمكن تحقيقه، واختيار الموضع الذي يمنح الجيش أفضلية فعلية. فالمبادرة لا تكمن في الهجوم أولاً بالضرورة، وإنما في القدرة على التأثير في خيارات الخصم وتقليص قدرته على فرض شروط المواجهة. وتوضح هذه الرؤية أن المبادرة لا تعني بالضرورة شن الهجوم أولًا، بل القدرة على التأثير في خيارات الخصم وتقليص قدرته على فرض شروط المواجهة. فالقائد الأكثر فاعلية ليس بالضرورة من يتحرك بصورة أسرع، وإنما من يستطيع توجيه الموقف نحو المساحة التي تمنحه أفضلية فعلية. الفصل السابع: “المناورة العسكرية”.. حين يصبح الطريق والتوقيت جزءًا من المعركة يوضح سون تزو في الفصل السابع من “فن الحرب”، أن تحريك الجيش نحو هدفه لا يقتصر على تحديد المسافة والطريق، بل يتطلب تقدير المخاطر التي قد تترتب على الحركة، والوقت الذي تحتاج إليه القوات، وما يمكن أن يتيحه المسار المختار من مزايا ميدانية. فقد يكون الطريق الأقصر أقل جدوى إذا كشف تحركات القوات أو عرّضها للخطر، بينما قد يتيح مسار آخر الوصول إلى موقع أكثر ملاءمة، أو يمنح الجيش فرصة للتحرك في توقيت يغير حسابات الخصم. ومن ثم، لا تقاس كفاءة المناورة بالمسافة التي يقطعها الجيش وحدها، بل بمدى خدمتها للهدف العسكري. وتتضاعف أهمية هذه الحسابات في المناطق التي تجهل القوات تضاريسها ومسالكها جيداً، إذ قد يؤدي نقص المعرفة بالأرض إلى إهدار الوقت والموارد، أو إلى وضع القوات في ظروف لم تستعد لها. ولهذا يربط سون تزو نجاح الحركة بمعرفة البيئة المحيطة والاستعانة بأصحاب الخبرة بطبيعتها وطرقها. ولا تنفصل هذه الاعتبارات عن حالة القوات نفسها؛ فالحركة الطويلة والإرهاق والانتظار قد تؤثر في معنويات الجنود وجاهزيتهم، كما تتغير قدرتهم على القتال تبعًا للضغوط التي يواجهونها. ولذلك، يتطلب اختيار توقيت المواجهة النظر إلى حالة القوات وما تستطيع تحمله، لا إلى موقع الخصم والمسافة الفاصلة بين الطرفين وحدهما. ويستخدم سون تزو صورًا مكثفة لوصف أنماط الحركة العسكرية، فيشبّه السرعة بالريح، والصمت بالغابة، والهجوم بالنار، والثبات بالجبل. وتعكس هذه الصور تنوع الأساليب التي قد يحتاج إليها الجيش وفقًا للموقف؛ فالسرعة قد تكون مطلوبة في ظرف معين، بينما يقتضي ظرف آخر التزام الصمت أو الثبات أو الحسم. وبذلك، لا تقاس المناورة بسرعة الحركة أو القدرة على الالتفاف حول الخصم في حد ذاتها، بل بمدى خدمتها للهدف العسكري. وتكشف هذه الأفكار أن المناورة ليست حركة جغرافية فحسب، بل عملية تتداخل فيها معرفة الأرض، وتقدير الوقت، وحالة القوات، وطبيعة الخصم. فالحركة التي تتجاهل هذه العوامل قد تتحول إلى مصدر للاستنزاف، بينما تمنح المناورة المحسوبة الجيش فرصة للوصول إلى موقع أفضل وتحسين شروط المواجهة. الفصل الثامن: “مرونة القرار”.. لماذا لا تصلح خطة واحدة لكل المعارك؟ ينتقل سون تزو في الفصل الثامن إلى أثر القرارات القيادية في نتائج العمليات العسكرية، موضحًا أن نجاح الخطة في ظروف معينة لا يعني صلاحيتها في جميع الظروف. موضحاً أن نجاح الخطة لا يعفي صاحبها من مراجعتها عندما تتغير الظروف. فالقرار الذي يحقق مصلحة في موقف محدد قد يصبح مكلفًا عندما تتغير موازين القوة أو طبيعة المواجهة، ما يجعل القدرة على التكيف جزءًا أساسيًا من إدارة المعركة. ولا تعني المرونة التخلي عن الخطط عند أول عقبة، أو تغيير القرارات بصورة متكررة من دون معيار، بل التمييز بين ما ينبغي التمسك به وما يستدعي المراجعة. فالقائد يحتاج إلى موازنة المكاسب المحتملة والمخاطر، وألا يسمح للاندفاع أو الرغبة في إثبات القوة بأن تدفعه إلى الاستمرار في خيار لم تعد نتائجه تبرر كلفته. كما يحذر سون تزو من أن بعض الصفات الشخصية للقائد قد تتحول إلى أسباب للإخفاق عندما تؤثر في تقديره للموقف. فالتسرع والغضب والاندفاع إلى المخاطرة، أو الانشغال بالسمعة والخوف من اللوم، قد تدفع القيادة إلى قرارات لا تنسجم مع الظروف الفعلية للمواجهة. وتكمن أهمية هذه التحذيرات في أن الإخفاق لا ينتج دائمًا من نقص المعلومات أو الإمكانات، بل قد ينشأ من طريقة التعامل معها، ومن عجز القائد عن ضبط ردود فعله أو مراجعة خياراته حين تستدعي الظروف ذلك. وتوضح هذه الأفكار أن إدارة المعركة لا تتطلب وضع خطة فحسب، بل تستلزم أيضاً معرفة حدودها، وإدراك متى تصبح مواصلة تنفيذها عبئاً بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق الهدف. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر مسؤولية القيادة على وضع الخطة وتنفيذها، بل تشمل إدراك حدودها وتقدير مدى استمرار صلاحيتها. فقد يكون التمسك بالخطة ضروريًا للحفاظ على تماسك العمليات، لكن مواصلة تنفيذها رغم تغير الظروف قد تحولها من وسيلة لتحقيق الهدف إلى عبء يستنزف القوات والموارد. وتعكس هذه الرؤية فهمًا للقيادة باعتبارها عملية مستمرة من التقدير والمراجعة، لا مجرد إصدار أوامر والالتزام بها مهما تبدلت الظروف. فالخطة الفاعلة هي التي تخدم الهدف، والقرار السليم هو الذي يظل مرتبطًا بالواقع، لا بالرغبة في إثبات صحة تقدير سابق. خلاصة الفصول الخمسة: النصر لا يتوقف على حجم القوة بل على كيفية إدارتها تكشف الفصول من الرابع إلى الثامن من كتاب “فن الحرب” أن امتلاك القوة لا يكفي لحسم المعركة، إذ تتوقف فاعليتها على قدرة القائد على حمايتها من الهزيمة، وتنظيمها، واستثمار نقاط ضعف الخصم، واختيار مسارات التحرك وتوقيتها، وتكييف قراراته مع الظروف المتغيرة. ولا يعني ذلك أن الدفاع يضمن النصر، أو أن المناورة تنجح لمجرد مباغتة الخصم، أو أن المرونة تقتضي تغيير الخطط باستمرار. فلكل قرار شروطه وحدوده، وتتحدد قيمته بمدى ملاءمته للموقف والهدف الذي تسعى القيادة إلى تحقيقه. وتلتقي هذه الفصول عند فكرة رئيسية مفادها أن القوة لا تتحول تلقائيًا إلى تفوق ميداني، بل تحتاج إلى قيادة تعرف كيف تنظمها وتوجهها، ومتى تستخدمها، وأين تستثمرها، ومتى تعيد النظر في خياراتها. فالتفوق العددي أو المادي قد يمنح الجيش إمكانات أوسع، لكنه لا يضمن حسن استخدامها. ومن هنا، يقدم سون تزو المعركة باعتبارها اختبارًا للقدرة على إدارة القوة، لا لامتلاكها فحسب. فقد لا يكون العامل الحاسم هو ما يمتلكه كل طرف من قوات وعتاد، وإنما ما يستطيع تحويله إلى أفضلية فعلية، وما ينجح في تجنبه من أخطاء قد تمنح خصمه فرصًا لم تكن متاحة له. وفي هذا المعنى، لا يتقدم جيش لمجرد أنه أقوى، ولا يتراجع آخر بالضرورة لأنه أقل عددًا، بل تتداخل نتائج المواجهة مع جودة التنظيم، ودقة التقدير، وحسن اختيار التوقيت والمكان، والقدرة على التكيف مع ما تفرضه المعركة من متغيرات. ظهرت المقالة لماذا تنتصر جيوش وتتراجع أخرى؟ قراءة في كتاب “فن الحرب” وقواعد التفوق الميداني (2) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية