حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
علي دهيس
يمشي وحيداً في شوارع صنعاء الفارغة عند الفجر، حين تخفت الأصوات وتتجلّى الرؤيا. خطواته العشرة كيلومتراً كلّ صباح ليست رياضة بدنية، بل طقسٌ روحي، وممارسةٌ في الاقتراب من الذات، وفي اجتياز المسافات بين الأنا والعالم. هناك، في ذلك المشي الصامت، يتشكّل النص، وتُولَد الأفكار، وتتفتّق الرؤى.
قادري أحمد حيدر ليس مجرّد مثقف يكتب، إنّه المثقف الذي يعيش كتابته، والكاتب الذي تحوّل قلمه امتداداً لوجوده، وحضوره انعكاساً لفكره.
هو إنسان النهارات الطويلة والليالي الممتدّة، الذي ينهض قبل الشمس ليصافح الورق، ويكتب بلا توقّف لساعات متواصلة، وكأنّ القلم فيه يتنفّس، وكأنّ الحبر دمه يجري في شرايين الكلمات.
من هو هذا الرجل الذي صنع من الكتابة مُتْحَرَراً، ومن الفكر مقاومة، ومن التعدّد منهج حياة؟
نشأ قادري أحمد حيدر في أحضان مدينة عدن، تلك العروس التي تشرّبت روح المدنية والانفتاح، وتنفّست هواء التعدّد والتسامح. كانت طفولته في الشيخ عثمان معقودة بذاكرة كلية بلقيس، تلك المدرسة التي لم تكن مجرّد مؤسّسة تعليمية، بل كانت مخبراً وطنياً، وورشة لصناعة الإنسان اليمني الحديث. فيها اكتشف للمرّة الأولى معنى المكتبة، معنى أن يكون الكتاب صديقاً، وأن تكون القراءة بوابة إلى عوالم أرحب. كان طفلاً مشاكساً، كثير الحركة، قليل الانضباط، كما يحكي عن نفسه بصراحةٍ لا تخلو من طرافة. تتذكّر مدرسته كيف كان يجلس على مقعده كأنّه “جالسٌ على بيضة”، وكيف كان يكثر الأسئلة حتّى تزعج المدرسين. لكن خلف هذه المشاغبة الطفولية كان ثمّة فضول معرفي لا يهدأ، وشغف باكر بالقراءة جعله يلتهم كتيّبات مكتبة الفصل، ويسبق أقرانه في حبّ المعرفة.
تلك الأيام في عدن، تلك المظاهرات التي كان يخرج فيها مع الكبار مؤيّداً للثورة، تلك العلاقة الجدلية بين المدرسة والشارع، بين التعلّم والنضال، كلّها كانت بذوراً زرعت في تربته الخصبة، لتثمر فيما بعد مثقفاً عضوياً، لا يفصل بين القلم والرصاص، بين البحث والالتزام، بين النظرية والممارسة.
لكن عدن لم تكن سوى المحطّة الأولى. هو ابن التنقّل، ابن المدن اليمنية، والهائم في فضاءات اليمن المتعدّد. انتقل مع والده بعد ثورة سبتمبر إلى صنعاء، فلم يتأقلم؛ ثمّ إلى الحديدة، حيث تابع تعليمه الثانوي، وتعرّف على أساتذة من مصر وسوريا والعراق، وتشرّب ثقافة التعدّد من جديد. وفي الحديدة، كان الاعتقال الأوّل، وهو في السابعة عشرة من عمره. خرج في مظاهرة، فقُبض عليه، وأمضى عشرين يوماً في السجن، لم تكن طويلة في زمانها، لكنّها كانت كافية لتولّد في داخله يقيناً: أنّه لا بدّ من الانخراط في العمل السياسي المنظّم، وأنّ القلم وحده لا يكفي، بل لا بدّ من درب النضال.
ثمّ جاءت المرحلة الجامعية في صنعاء، ودراسة الفلسفة، والعمل السياسي السرّي في ظلّ رقابة أمنية لصيقة. هنا، في أروقة كلية الآداب، بدأ يتشكّل قادري المفكّر، ذلك الذي لم يكن يكتفي بالسؤال، بل كان يبحث عن أدوات للتحليل والنقد. الفلسفة لم تكن تخصّصاً أكاديمياً فحسب، بل كانت عيناً يرى بها العالم، ومنهجاً لفكّ رموز الواقع. وفي تلك الأجواء، كان الاعتقال الثاني، والأطول: قرابة أربع سنوات في سجن القلعة، سنوات من العزلة القسرية، ومن المواجهة مع الذات في أقسى تجلّياتها. لم يخرج منها سالماً وحسب، بل خرج أكثر وعياً، وأكثر إيماناً بأنّ الأفكار لا تُقتل بالسجون، وأنّ المبادئ تصقلها المحن.
بعد الإفراج، وملاحقتهم الأمنية من جديد، كان الهروب إلى عدن، ثمّ دمشق وبيروت. هناك، في العاصمة اللبنانية الثمانينيات، كان الاغتراب الاختياري الأخصب.
مارس الكتابة بأسماء مستعارة في صحف عريقة، والتقى بصفوة المثقفين العرب: مهدي عامل، وحسين مروّة، وغالب هلسا، وغائب طعمة فرمان، والعديد من القيادات السياسية اللبنانية والفلسطينية. كانت بيروت ذلك الملتقى الفكري المدهش، حيث تتقاطع الرؤى، وتتجادل الأفكار، وتتوالد المشاريع الثقافية.
ولمّا حلّ الاجتياح الإسرائيلي، رحل إلى سوريا، ثمّ عاد إلى عدن، حيث انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني.
لكن استقراره الحقيقي كان في صنعاء، حيث استقرّ منذ أواخر الثمانينيات، وكرّس حياته للبحث والكتابة، متنقّلاً بين مركز الدراسات والبحوث اليمني، ومجلة “دراسات يمنية” التي يدير تحريرها منذ أكثر من ربع قرن، ويرأس تحريرها، الدكتور، عبدالعزيز المقالح، وبين منتدى الجاوي الثقافي، ومقاهي صنعاء التي شهدت نقاشاته وسهراته.
ما يميّز قادري أحمد حيدر، أنّه مثقف موسوعي، لا تتوقّف اهتماماته عند حدّ.
هو الباحث في التاريخ السياسي، والمنظّر في قضايا الدولة والمجتمع، والناقد اللاذع للإسلام السياسي، والمحلّل السوسيولوجي للظواهر الثقافية، والكاتب الأدبي المرهف. هذه التعدّدية ليست تشتتاً، بل هي منهج في النظر إلى العالم، ورؤية للواقع في كلّ تعقيداته. هو الذي كتب عن الصراع السياسي في مجرى الثورة اليمنية، وعن القضية الجنوبية، وعن الدولة العميقة، وعن العلاقة بين الدين والسياسة، وعن الأحزاب القومية، وعن المثقفين وحركة الأحرار الدستوريين، وعن عبدالله البردوني ساخراً، وعن ثورة سبتمبر بين كتابة التاريخ وتحوّلات السلطة والثورة. هذه العناوين ليست مجرّد كتب، بل هي مشروع فكري متكامل، يسعى إلى إعادة قراءة التاريخ اليمني قراءة نقدية، تستبطن المسكوت عنه، وتكشف ما وراء النصوص الرسمية، وتقدّم رؤية بديلة للهوية والمواطنة والدولة.
إنّه اليساري العتيق، لكن يساره ليس أيديولوجية جامدة، بل هو موقف أخلاقي من العالم، وانحياز للعدالة، ودفاع عن المستضعفين. لم يتعصّب قادري إلاّ لحلم واحد: دولة القانون والمواطنة المتساوية. في كتاباته، يهاجم الإمامة السياسية الهادوية الزيدية، بجرأة نادرة، ويكشف عن عنصريتها التاريخية، ويصطدم بالخطاب الديني السياسي الذي يريد اختصار اليمن في هوية واحدة. لكنّه ليس مناطقيّاً، بل جناحاه الشمال والجنوب مفتوحان دائماً، والوحدة بالنسبة له شيء مقدّس، ليست وحدة الضم والإلحاق، بل وحدة التعدّد والتنوّع، وحدة المواطنة المتساوية.
وفي مواجهة السلطة، كان قادري العنيد، الصافي، الزاهد. لم يتردّد في وصف علي عبدالله صالح بأنّه “أسوأ رئيس عرفه التاريخ السياسي اليمني المعاصر”، كتب ذلك وعلي عبدالله صالح، في قمة مجده وهيلمانه السلطوي، وراح يفضح جرائمه، ويسجّل اغتيالاته، ويرصد مفاسده. لم تخفه فتاوى القتل التي صدرت بحقّه من جماعات أصولية، ولا التهديدات التي طاولته بسبب أبحاثه الناقدة.
ظلّ يكتب، ويمشي، ويدافع عن قناعاته، حتّى في أحلك الظروف.
ورغم هذه الصرامة النقدية، لم يكن قادري قاسياً في علاقاته الإنسانية. من يحكي عن علاقته بالشهيد جار الله عمر، يرى صورة مختلفة: الرفيق الذي يعتذر بصدق، والذي يتسامح مع من أخطأ في حقّه، والذي يقدّر الروح الإنسانية فوق كلّ اعتبار. هو الذي تزوج بعد الأربعين، ولم يتعجّل في بناء أسرة لأنّ حياته كانت مشغولة بالنضال والمعتقلات والتنقّلات. هو الأب الذي يرفض أن يسافر ابنه إلى أميركا، خوفاً من أن يبتعد، وكأنّه يعيد إنتاج هواجسه الخاصة عن الغربة والفقدان.
في هذا التعدّد المتجسّد، يتجلّى وهج الإنسان.
قادري أحمد حيدر ليس بطلاً أسطورياً، بل هو إنسان من لحم ودم، يحمل تناقضاته، ويتعثّر، لكنّه ينهض، ويكتب، ويمشي. جما دعمم لوليّته في تعدّده: بين الشاعر والمفكّر، بين المناضل والباحث، بين القاسي في نقد السلطة والحنون في علاقاته الخاصة، بين المؤمن بالعلمانية والمفكّر في الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية تاريخية، بين عدن وصنعاء، وبين الشمال والجنوب.
لقد جعل من التعدّدية فلسفة حياة، ومن الاختلاف شرطاً للإنسانية. ليس غريباً أن يكون أحد أهم كتبه بعنوان “دعوة للتسامح والقبول بالآخر”،بالاشتراك، مع صديقه، د. محمد المخلافي، فهذا الكتاب ليس مجرّد عمل أكاديمي، بل هو تعبير عن جوهره، عن إيمانه بأنّ اليمن لن تنهض إلاّ بتقبل تعدّدها، وبالاعتراف بحق الجميع في الوجود والاختلاف.
في نهاية السبعينيات من عمره، يواصل قادري المشي صباحاً، والكتابة قبل الفجر، والنقاش حتّى المساء. لم ينكسر، ولم يتعب، ولم يملّ.
هو في داخله ذلك الطفل المشاكس من كلية بلقيس، الذي كان يسأل كثيراً، ويقرأ أكثر، ويحلم بأن يكون للكلمة معنى، وللوطن وجه، وللإنسان كرامة.
إنّ قادري أحمد حيدر، بهذا التعدّد المدهش، يذكّرنا بأنّ المثقف الحقيقي ليس من يحفظ الأجوبة، بل من يطرح الأسئلة الصعبة. ليس من يقدّم اليقين، بل من يعيش الشكّ منتجاً. ليس من يصفّي حساباته مع السلطة، بل من يظلّ وفيّاً للقضايا الكبرى. في زمن تهشّم المعاني، وتفكّك القيم، وتغوّل الظلام، يظلّ قادري أحمد حيدر شاهداً على زمن مضى، ومؤرّخاً للحظة راهنة، ومتنبّئاً بمستقبل مختلف.
وهو، في النهاية، ليس أكثر من كاتب يكتب، وباحث يبحث، وإنسان يحلم. لكنّه، بذلك كلّه، يجعلنا نؤمن بأنّ الكتابة فعل مقاومة، وأنّ الفكر سلاح، وأنّ التعدّد ليس ضعفاً، بل هو سرّ الجمال والحياة.
فله التحية، وهو يمشي في شوارع الفجر، حاملاً قلمه وهموم وطنه، لم يزل وهج الإنسان يتقدّ في داخله، رغم كلّ العواصف.
لعلّ ما يجعل قادري أحمد حيدر استثنائياً، أنّه استطاع أن يحوّل حياته إلى نصّ مفتوح، وإلى مشروع مستمرّ، وإلى درب من النور في زمن العتمات. وهل هناك أجمل من أن يكون الإنسان رسالةً، وقلمه شاهدا، وفكره حرّاً، ووجوده احتفالاً بالحياة في وجه الموت؟
The post قادري أحمد حيدر: وهج الإنسان وجمالية المتعدد first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.