الانكشاف الحوثي.. بداية السقوط
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة
على مدى أكثر من عقد، استطاعت جماعة الحوثي أن تتحرك في منطقة رمادية بين الشعارات والممارسات، وأن تقدم نفسها بصور متعددة تبعاً للجمهور الذي تخاطبه؛ فهي حركة دينية تدعي الدفاع عن الهوية والإيمان، وقوة سياسية تتحدث عن الشراكة والسيادة، وحركة مقاومة ترفع شعار فلسطين، وسلطة أمر واقع تطالب المجتمع الدولي بالتعامل معها. وقد ساعدها هذا التعدد في الخطاب على استثمار التناقضات الإقليمية والدولية، وإخفاء كثير من التناقضات الكامنة في مشروعها. غير أن السنوات الأخيرة وضعت هذه الخطابات أمام اختبار الممارسة، وأخذت الشعارات التي منحت الجماعة مساحة واسعة للمناورة تصطدم بسلوكها السياسي والعسكري، وبطبيعة السلطة التي أقامتها في مناطق سيطرتها. ومن هنا يمكن قراءة ما يجري باعتباره مرحلة انكشاف متزايد، حتى وإن ظلت الجماعة تحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة. كان شعار نصرة غزة أحد أبرز أدوات الحشد الحوثي خلال السنوات الماضية. فقد نجحت الجماعة في تقديم عملياتها في البحر الأحمر باعتبارها جزءاً من المواجهة مع إسرائيل، واستثمرت التعاطف الشعبي العربي والإسلامي مع القضية الفلسطينية. لكن هذا الخطاب يواجه اليوم تناقضاً يصعب تجاوزه؛ فالجماعة التي رفعت شعار كسر الحصار عن غزة تواصل فرض القيود والحصار على مدينة تعز، حيث يعيش السكان منذ سنوات معاناة إنسانية قاسية بسبب إغلاق الطرق وتقييد الحركة وتعطيل وصول الإمدادات. وهكذا تبدو المفارقة صارخة بين شعارات الدفاع عن المدنيين في الخارج والممارسات بحق المدنيين في الداخل، وبين الدعوة إلى كسر الحصار عن غزة والإصرار على إبقاء تعز تحت وطأته. وهي مفارقة تضرب مصداقية الخطاب الحوثي في أحد أكثر جوانبه حساسية وتأثيراً على الرأي العام. أما الانكشاف الأعمق فيتعلق بطبيعة المشروع السياسي والفكري للجماعة. فمنذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر 2014، ظل الحديث عن الشراكة السياسية حاضراً في خطابها، بينما اتجهت ممارساتها نحو احتكار السلطة وإخضاع المؤسسات وإضعاف التعددية الحزبية، والتعامل مع الخصوم السياسيين باعتبارهم تهديداً ينبغي إقصاؤه لا شركاء في وطن واحد. ويتصل بذلك انكشاف الأساس الديني الذي تقوم عليه فكرة الحكم لدى الجماعة، وما يرتبط بها من تصورات تمنح النسب والسلالة امتيازاً سياسياً وحقاً خاصاً في القيادة. فادعاء الحق الإلهي في الحكم يتعارض في جوهره مع مبدأ المواطنة المتساوية، ومع حق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم وتداول السلطة سلمياً. ومن الصعب الجمع بين الإيمان بحق سلالة محددة في القيادة وبين القبول الحقيقي بقيم الديمقراطية والشراكة السياسية. وهنا تتضح واحدة من أكبر التناقضات التي حاول الخطاب الحوثي إخفاءها لسنوات؛ فالجماعة تتحدث بلغة الجمهورية والدولة والمواطنة حين تخاطب الداخل والخارج، بينما يستند جانب أساسي من خطابها التعبوي إلى مفاهيم الاصطفاء والولاية والحق الخاص في الحكم. وقد ساعدها الغموض المتعمد بين هذين الخطابين على توسيع دائرة المتعاطفين معها، لكنه أصبح اليوم أحد مصادر انكشاف مشروعها. وفي الجانب الحقوقي، تبدو الفجوة بين الخطاب والممارسة أكثر وضوحاً. فقد وثقت منظمات دولية الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري وتقييد حرية الصحافة والحركة، إلى جانب احتجاز موظفين أمميين وعاملين في المنظمات الإنسانية. وهذه الممارسات تكشف طبيعة السلطة التي أقامتها الجماعة، وحدود قبولها بالحريات العامة وحقوق المواطنين. إقليمياً، استطاع الحوثيون طويلاً الجمع بين خطاب الاستقلال الوطني وعلاقة عسكرية وسياسية وثيقة بإيران. لكن تطور قدراتهم الصاروخية والمسيّرة، واتساع عملياتهم إلى البحر الأحمر ودول الجوار، جعلا هذه العلاقة أكثر حضوراً في حسابات الأمن الإقليمي، وكشفا حجم التقاطع بين تحركات الجماعة والمصالح الاستراتيجية الإيرانية. ومع تصاعد المواجهة الإقليمية، أصبح من الصعب التعامل مع الحوثيين بوصفهم طرفاً يمنياً محلياً معزولاً عن المشروع الإيراني الأوسع. فالهجمات على الملاحة والمنشآت المدنية والطاقة، والتقدم نحو باب المندب، أدخلت الجماعة في مواجهة مصالح دولية تتجاوز أطراف الحرب اليمنية. وهنا يظهر انكشاف آخر في شعار السيادة. فالجماعة التي تقدم نفسها حامية للاستقلال اليمني باتت سياساتها العسكرية مرتبطة بصراعات إقليمية أوسع، وأصبحت الجغرافيا اليمنية جزءاً من معادلة الضغط على طرق التجارة والطاقة العالمية. وهذا يضع خطابها الوطني أمام تساؤلات متزايدة حول كلفة هذه الخيارات على اليمنيين أنفسهم. ولعل أخطر ما تواجهه الجماعة اليوم أن هذا الانكشاف يحدث في أكثر من اتجاه وفي وقت واحد. فقد أصبحت مطالبة بتفسير التناقض بين خطابها الديني وممارساتها السياسية، وبين شعاراتها الوطنية وارتباطاتها الإقليمية، وبين ادعاء الدفاع عن المظلومين وما يعيشه اليمنيون في مناطق سيطرتها. وهي تناقضات ظلت الجماعة لسنوات قادرة على تجاوزها بالمناورة الإعلامية والتعبئة الأيديولوجية، لكنها اليوم تتراكم وتضيق معها مساحة المناورة. وفي البحر الأحمر، تحولت العمليات التي قدمتها الجماعة باعتبارها نصرة لفلسطين إلى مصدر تهديد للملاحة الدولية، وأدخلت اليمن في حسابات أمنية وعسكرية تتجاوز قضيته الوطنية. ومع كل هجوم على السفن، تتسع دائرة الأطراف المتضررة، وتتراجع قدرة الحوثيين على إقناع العالم بأن عملياتهم لا تستهدف سوى خصوم محددين. وهكذا أصبحت القضية الفلسطينية، التي استثمرتها الجماعة لتعزيز حضورها السياسي والإعلامي، عاجزة عن حجب التداعيات الأوسع لسلوكها العسكري. أما على المستوى الداخلي، فإن المشكلة أعمق من تراجع شعبية أو انحسار تعاطف. فالجماعة التي وصلت إلى السلطة بقوة السلاح لم تنجح في تقديم مشروع وطني يتسع لليمنيين بمختلف انتماءاتهم. وبعد أكثر من عقد على سيطرتها على صنعاء، ما زالت تنظر إلى الشراكة السياسية باعتبارها تهديداً لسلطتها، وإلى الاختلاف باعتباره خروجاً على مشروعها. وقد أدى ذلك إلى تحويل مؤسسات الدولة من إطار جامع للمواطنين إلى أدوات لإحكام السيطرة السياسية والأمنية. ولسنوات، استفادت الجماعة من انقسام خصومها، ومن تردد المجتمع الدولي، ومن قدرتها على تغيير عناوين الصراع كلما ضاقت بها الخيارات. فتارة تتحدث عن مظلومية تاريخية، وتارة عن ثورة شعبية، ثم عن مواجهة العدوان، وأخيراً عن نصرة فلسطين. وفي كل مرحلة كان الشعار الجديد يمنحها فرصة لتأجيل الأسئلة المتعلقة بمشروعها الحقيقي وطبيعة الحكم الذي تريد فرضه على اليمنيين. لكن تبديل الشعارات لا يستطيع أن يخفي التناقضات إلى الأبد. فقد أصبح اليمنيون أمام تجربة حكم يمكن تقييمها بنتائجها، لا بوعودها. وأصبح المجتمع الدولي أمام جماعة يمكن الحكم على سلوكها من خلال ما تمارسه على الأرض، لا من خلال ما تقوله في بياناتها. وهذه هي نقطة التحول الأهم: انتقال الحوثيين من الاستفادة من غموض مشروعهم إلى تحمل تبعات انكشافه. ولا يعني امتلاك الجماعة للصواريخ والمسيّرات والقدرات القتالية أنها تمتلك مقومات البقاء السياسي بالقدر نفسه. فالقوة العسكرية تستطيع فرض السيطرة، لكنها لا تستطيع إنتاج القبول إلى ما لا نهاية. كما أن التعبئة القائمة على الشعارات تحتاج باستمرار إلى عدو جديد ومعركة جديدة، حتى لا تتجه الأنظار إلى الإخفاقات الداخلية. ومع تراكم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية واستمرار الحرب، تصبح المحافظة على مستويات الحشد والتجنيد أكثر كلفة، وتزداد صعوبة تعويض الخسائر البشرية والمعنوية. وتزداد خطورة هذا المسار على الجماعة مع تغير نظرة الأطراف الإقليمية والدولية إليها. فقد أتاحت لها الحسابات السياسية لسنوات هامشاً واسعاً للمناورة، وساعدها التعامل معها باعتبارها جزءاً من أزمة يمنية داخلية على تجنب مواجهة شاملة مع نتائج مشروعها. أما اليوم، فقد أصبحت أنشطتها في البحر الأحمر وعلاقتها بإيران وتهديداتها للأمن الإقليمي عوامل رئيسية في تقييمها. وربما تكون هذه بداية انتقالها من موقع الطرف الذي يستفيد من تردد الآخرين إلى موقع الطرف الذي تتقاطع مصالح أطراف متعددة في الحد من نفوذه. وليس بالضرورة أن يأتي سقوط المشروع الحوثي في صورة هزيمة عسكرية خاطفة. فقد يبدأ بفقدان القدرة على إقناع الناس، ثم بتراجع الحشد، واتساع التذمر داخل مناطق السيطرة، وتآكل التحالفات والمصالح التي قامت عليها السلطة. وعندما تتزامن هذه العوامل مع ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية، فإن ما يبدو اليوم قوة متماسكة قد يجد نفسه أمام أزمة لا تستطيع الترسانة العسكرية وحدها معالجتها. لقد استطاع الحوثيون خلال عقد كامل أن يستثمروا المنطقة الرمادية بين الدين والسياسة، وبين المقاومة والسلطة، وبين الاستقلال الوطني والارتباط بالمشروع الإيراني. لكن تلك المنطقة تضيق اليوم، وتنكشف معها حقيقة مشروع لم يقدم لليمنيين دولة تتسع لهم، ولا شراكة تحمي اختلافهم، ولا استقراراً ينهي معاناتهم. قد يظل الحوثيون قوة عسكرية قادرة على القتال، لكن المعركة التي يخسرونها تدريجياً هي معركة المشروعية والمصداقية. وحين يفقد مشروع سياسي قدرته على تبرير وجوده، تصبح قوته العسكرية وسيلة لتأجيل أزمته، لا ضمانة للنجاة منها. وهنا تكمن بداية السقوط: ليس في عدد المواقع التي يخسرها الحوثيون، بل في انكشاف المشروع الذي قاتلوا من أجل فرضه، وتراجع قدرة شعاراته على إخفاء حقيقته. The post الانكشاف الحوثي.. بداية السقوط appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية