حزبي
اكتسب العيد الرابع والستون لثورة 26 سبتمبر 1962 هذا العام أهمية خاصة أكثر من أي وقت مضى في الاحتفال بهذه المناسبة، خصوصاً في أوساط الشباب الذين بدأوا منذ أيام الاستعداد لإحياء هذه المناسبة بطريقتهم الخاصة، وذلك من خلال الدعوات في منصات التواصل الاجتماعي، ومشاركة المنشورات المرتبطة بالثورة، والإعلان عن طريقة تغيير صور البروفايل في الحسابات الشخصية، والمباهاة والتفاخر بالثورة، فيما يمكن اعتباره تحوّلاً كبيراً يتزايد عاماً بعد آخر، خصوصاً منذ بدء الحرب في أعقاب سيطرة الحوثيين، ميليشيات الحوثي الإمامية، على العاصمة صنعاء والانقلاب على الدولة عام 2014.
هذا الاحتفال من قبل الأجيال الجديدة التي كسرت الفجوة العمرية بينها وبين الثورة، يضيف للمناسبة حيوية وقيمة وطنية، ويخرجها من الطابع الرسمي أو النخبوي إلى الارتباط بالأجيال التالية التي لم تعاصر ذكرى الثورة في العقدين الأولين أو العهود اللاحقة، إلا بما تسمعه من خطب وأناشيد وطنية وأغانٍ، وما تعلمته في المناهج الدراسية، وما يتم إحياؤه في المناسبات.
وعن هذا التحوّل، يقول عارف الوهبي "جيلنا لم يعش يوم 26 سبتمبر، لكنه لم يعد يتعامل معه باعتباره مجرد تاريخ في كتاب مدرسي. نحن نعيد اكتشاف الثورة من خلال ما نقرأه ونشاهده ونسمعه، ونحتفل بها اليوم بأدواتنا الخاصة؛ من تغيير الصور الشخصية إلى نشر الأناشيد والصور والوثائق، لأننا نريد أن نقول إن 26 سبتمبر جزء من ذاكرتنا وهويتنا، وليست مناسبة تخص جيلاً مضى".
التكنولوجيا كمساحة للصراع على الذاكرة
الاحتفال بالمناسبة انتقل من الميادين والشوارع إلى الهاتف وشاشات التواصل الاجتماعي، وتحوّلت الصور الشخصية والمنشورات ومقاطع الفيديو والأغاني الوطنية والرسوم الرقمية إلى أدوات للتعبير عن الموقف من الثورة والجمهورية، للتأكيد والتمسك بهما في مواجهة الحوثيين.
ويكتسب هذا التحوّل عمقاً معرفياً في إطار الصراع مع جماعة تستدعي إرثها الزيدي بكل ما فيه من تخلّف وهمجية ونظرية تحتكر الحكم في سلالة معينة، ومن ثم بدأ جزء من الأجيال الجديدة، في المقابل، باستدعاء إرث أجدادهم، خاصة استحضار مناقب وإنجازات الدول اليمنية القديمة وامتداد النفوذ اليمني إلى خارج الجغرافيا اليمنية، بما يعكس العمق الحضاري الكبير لليمن.
وأحد أبرز مظاهر هذا التحوّل هو أن الاحتفال بذكرى الثورة لم يعد يحتاج بالضرورة إلى تجمع جماهيري، ليس لأنه لا يمكن إقامة احتفالات في بعض المحافظات، خصوصاً تلك التي يسيطر عليها الحوثيون، بل أيضاً لأن هذا الجيل ابتكر أدواته وأساليبه للاحتفال بهذه المناسبة، ووسّع من ميدان الاحتفال بها إلى الفضاء الرقمي.
إذ يكفي أن يغيّر شاب صورته الشخصية إلى علم الجمهورية، أو ينشر مقطعاً من أغنية وطنية، أو يعيد نشر صور رموز الثورة، أو يضع وسماً مرتبطاً بـ26 سبتمبر، حتى يصبح جزءاً من موجة رقمية تتجاوز الحدود الجغرافية لليمن بشكل عام.
وحول هذه النقطة، يوضح جميل السعدي "وسائل التواصل الاجتماعي أعطتنا مساحة لم تكن متاحة بهذا الشكل للأجيال السابقة. قد لا نستطيع التجمع في ميدان للاحتفال، لكن بإمكان كل واحد منا أن يحمل العلم الجمهوري في هاتفه، وينشر أغنية أو صورة أو قصة عن الثورة، فتصل خلال دقائق إلى آلاف اليمنيين في الداخل والخارج. بالنسبة لنا، هذا شكل جديد من الاحتفال، لكنه في الوقت نفسه طريقة للحفاظ على الذاكرة".
ويتزايد كل عام ابتكار الشباب لطرق مختلفة للاحتفال بهذه المناسبة، حيث تتحوّل إلى أكبر من مجرد احتفال بمناسبة وطنية، إلى تقدير الرموز معنوياً، وإعادة تعريف الأجيال الجديدة بهم، وتداول الأغاني الوطنية، وإعادة الاعتبار لأهداف الثورة، واستحضار عظمة الجيل الذي صنع هذه الثورة، وتقدير أدوارهم وتخليدها، والتأكيد على التمسك بالسير على خطاهم لتحقيق أهدافها كاملة، ويقتضي ذلك الخلاص من ميليشيات الحوثي التي تمثل الرجعية والردة عن هذه الثورة.
هذه الممارسات الشبابية تكشف عن تغيير مهم في طبيعة التعبئة العامة للاحتفال بالمناسبات الوطنية، إذ لم تعد المشاركة مرتبطة بوجود الشخص في المكان نفسه، سواء كان في صنعاء أو إب أو أي مدينة أخرى، فهو يستطيع إنتاج محتوى يصل خلال دقائق إلى يمنيين في عدن ومأرب وتعز، أو إلى الجاليات اليمنية في القاهرة والرياض ولندن وواشنطن.
وهكذا تصبح ذكرى الثورة مناسبة عابرة للحدود، تشترك فيها شبكات يمنية داخل البلاد وخارجها.
لا يمكن فصل هذا النشاط الرقمي، الذي يعكس وعياً وطنياً متقدماً، عن الصراع الأوسع مع الإمامة الزيدية، ممثلة بالحوثيين، الذين قاموا، بحسب تقارير إعلامية وحقوقية موثقة، بإجراء تغييرات طالت المناهج والأنشطة التعليمية في مناطق سيطرتهم، بما في ذلك حذف وتقليص حضور ذكرى ثورة 26 سبتمبر وشخصياتها ورموزها، مقابل تعزيز حضور أحداث ورموز مرتبطة بأئمة الزيدية والحوثيين انفسهم.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره أرشيفاً موازياً، فعندما ينشر شاب صورة للعلم الجمهوري، أو وثيقة تاريخية، أو تسجيلاً لأغنية مرتبطة بالثورة، فإنه لا يشارك في احتفال لحظي فقط، بل يعيد إدخال مادة تاريخية إلى المجال العام، مما يلهم حماس وفضول قطاع واسع من اليمنيين.
الشباب في قلب المعركة الرقمية
هذه الفئة العمرية ليست مجرد مستخدمين لمنصات التواصل يملؤون حضورهم فيها بهواياتهم وأنشطتهم اليومية فقط، بل باعتبارهم منتجين للمحتوى أيضًا المرتبط بالثورة نفسها؛ فمن خلال الهاتف المحمول، الذي أصبح أداة للتصوير والتوثيق والمونتاج والنشر في الوقت نفسه، يمكن لهم تحويل المادة البسيطة إلى محتوى قابل للانتشار الواسع.
حين يصبح المنشور موقفاً عاماً
نتيجة التضييق والقمع الذي ينتهجه الحوثيون بحق اليمنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرتهم، ويصادرون حرياتهم إلى جانب حقوقهم الأخرى، بما في ذلك حقهم في التعبير والاحتفال بمناسباتهم الوطنية، يصبح خيار الفضاء الرقمي هو المتاح أمامهم، من خلال كتابة المنشورات وتبادل التهاني واستحضار التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحدثتها ثورة 26 سبتمبر طوال الأعوام الستة الماضية.
لكن، رغم أن هذا الاحتفال يتم في الفضاء الرقمي، إلا أنه يثير حفيظة الحوثيين، الذين يستبقون المناسبة بإجراءات قمعية ضد كل من يدعو للاحتفال بها أو رفع الأعلام الوطنية فوق المنازل أو في الجبال.
وقد وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية، منها هيومن رايتس ووتش، قيام الحوثيين باختطاف العشرات من اليمنيين، لا يزال بعضهم يقبع في السجون رغم مرور ثلاث سنوات.
ومن هؤلاء المحامي والناشط الحقوقي البارز عبد المجيد صبره، المختطف لديهم منذ سبتمبر 2025 على خلفية نشره في حسابه على فيسبوك منشورات مرتبطة بذكرى 26 سبتمبر، كما وثقت منظمة العفو الدولية اختطاف أشخاص بسبب الاحتفال أو النشر عبر وسائل التواصل، وقالت إن الحوثيين فتشوا هواتف أشخاص عند نقاط التفتيش بحثًا عن محتوى متعلق بالمناسبة.
وفي هذا السياق، يقول نبيل قاسم "ما نفعله على الإنترنت ليس مجرد احتفال عابر بذكرى وطنية؛ نحن نحاول أن نحافظ على رواية نعتقد أنها جزء أساسي من تاريخ اليمن. عندما ننشر صورة لثوار سبتمبر أو وثيقة أو نشيداً وطنياً، فإننا نعيدها إلى الذاكرة العامة ونقدّمها لجيل لم يعاصر الثورة. ولهذا أصبحت المنصات الرقمية بالنسبة لنا مساحة لحماية الذاكرة والهوية في الوقت نفسه".
هذه الوقائع تجعل المنشور الرقمي أكثر من مجرد تعبير شخصي بالنسبة لبعض المستخدمين، فالصورة أو الأغنية أو الوصف يمكن أن يتحول إلى فعل عام قابل للرصد والتوثيق، خصوصاً عندما يتعامل الحوثيون مع إحياء 26 سبتمبر باعتباره تحدياً سياسياً ورمزياً لهم.
معركة على الهوية لا على المناسبة فقط
لا يعكس هذا الحضور الرقمي لذكرى 26 سبتمبر كونه جزءاً من صراع أوسع على الهوية التاريخية اليمنية فقط، بل يعكس بالنسبة لليمنيين أن الجمهورية ليست مجرد نظام سياسي، وإنما إطار ارتبط بمفاهيم المواطنة والمساواة والدولة الحديثة.
وفي المقابل، يسعى الحوثيون إلى ترسيخ روايتهم التاريخية من خلال الاحتفال بيوم سيطرتهم على صنعاء بوصفه مناسبة مركزية في خطابهم، في محاولة لطمس الثورة السبتمبرية العظيمة.
وفي هذا السياق، يحمل الجانب الأكثر أهمية في هذه الظاهرة الرقمية أن المحتوى الرقمي لا ينتهي بانتهاء يوم 26 سبتمبر، بل يتحوّل إلى محتوى مُعاد تداوله بشكل مستمر، فالصور ومقاطع الفيديو والتسريبات والأغاني والوثائق التي ينتجها المستخدمون أو يعيدون تداولها تبقى قابلة للنشر وتبادل المحتوى، وتتحول تدريجياً إلى أرشيف شعبي موزع على آلاف الحسابات.
أخبار ذات صلة.
غياب الدولة وصناعة الانهيار
الثوري نت
منذ ساعة