حزبي
في الثالث من أكتوبر 2026، لم تكن السفوح الغربية لمدينة تعز مسرحاً لهجوم حوثي هو الأكبر على جبل هان، الذي يحرس شريان المدينة، فحسب، بل كانت شاهدة على مشهد استثنائي يتجاوز المألوف البشري؛ مقاتلون سبق أن دفعوا أجزاءً من أجسادهم ضريبة في معارك الأمس، يعودون اليوم بخطى ثابتة ترتكز على أطراف معدنية وبلاستيكية، ويحملون بنادقهم للذود عن مدينتهم.
هؤلاء الرجال، العائدون من بوابة الموت والوجع، لم يخرجوا لحماية مترس ترابي فحسب، بل خرجوا ليقدموا شهادة حية على أن هذا المجتمع لم يفقد قدرته على الدفاع عن كرامته ووجوده، في رسالة تُكتب بالدم والإرادة، وتكشف حجم التماسك الذي صنعته سنوات الحرب داخل مجتمع تعز.
وخلال تغطيته للمعارك، وثق مراسل قناة سهيل محمد يوسف العديني المشهد، وشارك مقطع الفيديو عبر صفحته على فيسبوك، وكتب قائلاً: "مبترين الأرجل أو اليد سمعوا الاشتباك وقفزوا للوسط، وجدناهم خارجين من جبل هان"، ليحصد المقطع تفاعلاً كبيراً بالثناء والإشادة.
الحرب التي تجاوزت الثكنات
في التحليل السوسيولوجي والعسكري، يكشف المشهد عمق التحولات التي أحدثتها الحرب الطويلة في بنية المجتمع اليمني ونفسية مقاتليه؛ ففي العقائد العسكرية التقليدية والجيوش النظامية حول العالم، تُعد الإصابة ببتر في الأطراف نهاية حتمية للحياة العسكرية القتالية للجندي، حيث يُحال فوراً إلى التقاعد الطبي أو يُنقل إلى مهام إدارية بحتة.
غير أن حروب المدن والصراعات غير المتكافئة، وتحديداً في سياق مدينة محاصرة كتعز، تفرز قواعد اشتباك وتعبئة مختلفة تماماً.
وعودة هؤلاء المقاتلين مبتوري الأطراف إلى خطوط التماس بمجرد سماعهم أصوات الاشتباكات لا تعبر فقط عن شجاعة فردية، بل تشير أيضاً إلى حالة من التعبئة النفسية والاجتماعية التي وصلت إليها الحرب، ذلك أن المقاتل الذي فقد ساقه أو يده في معركة سابقة يعرف أكثر من غيره معنى الخطر، ومع ذلك يجد نفسه مستعداً للعودة عندما يشعر أن المكان الذي قاتل من أجله مهدد من جديد.
في هذه الحالة، يدرك المقاتل أن خسارة الموقع قد تعني بالنسبة إليه خسارة مساحة أكبر من مجرد مترس أو نقطة عسكرية، وأن سقوط الجبهة قد يفتح الطريق أمام تهديد مباشر للمدينة والمجتمع المحيط بها، ومن هذا المنظور، يصبح التخلي عن السلاح في لحظة الهجوم خياراً شديد الصعوبة، حتى بالنسبة إلى شخص دفع بالفعل ثمناً جسدياً قاسياً في المعارك السابقة.
وهنا تظهر واحدة من أهم نتائج الحرب الطويلة في تعز؛ فالقتال لم يعد بالنسبة إلى كثير من أبناء المدينة مجرد مهمة يؤديها أفراد يرتدون الزي العسكري، بل أصبح جزءاً من تجربة اجتماعية عاشتها الأسر والأحياء والقرى طوال سنوات من الحصار والهجمات والضحايا. هناك من فقد قريباً، ومن أصيب، ومن نزح، ومن عاش القصف والحصار، ومن بقي ينتظر عودة أبنائه من الجبهات. لذلك فإن عودة مقاتل فقد ساقه إلى موقع القتال تحمل معنى يتجاوز الشخص نفسه، لأنها تعكس حجم ارتباط الناس بما يعتبرونه معركة دفاع عن منطقتهم.
حين يصبح الجريح جزءاً من المعركة النفسية
وعلى المستوى النفسي وإدارة المعنويات، يمثل هذا المشهد أحد الأسلحة المؤثرة في مواجهة الحرب النفسية والدعائية التي تعتمد عليها مليشيات الحوثي، والتي تقوم في جانب منها على إحداث الصدمة والخوف من خلال الكثافة النيرانية أو الهجمات المباغتة بهدف كسر إرادة الخصم ودفعه إلى التراجع.
لكن عندما يشاهد المقاتل السليم أو المدني العادي في تعز أن أشخاصاً دفعوا بالفعل ضريبة جسدية فادحة وفقدوا أجزاء من أجسادهم لا يزالون يتجهون نحو خطوط النار، فإن ذلك يمكن أن يحدث تحوّلاً في المزاج العام للمعركة. ومن جهة أخرى، تقول قراءة الصورة إن الخطر لم يمنع أولئك الذين فقدوا جزءاً من أجسادهم من العودة، وهو ما يخلق شعوراً متزايداً بالمسؤولية لدى الآخرين.
وتتولد هنا آلية نفسية تقوم على ما يمكن تسميته بـ"الواجب الأخلاقي"؛ فإذا كان فاقد الطرف مستعداً للعودة إلى الجبهة، فإن المقاتل السليم قد يشعر بأن عليه مسؤولية أكبر تجاه رفاقه وموقعه ومجتمعه. وبهذه الطريقة تساعد هذه الديناميكية في تحصين الجبهة الداخلية من الاختراقات النفسية، وتفرّغ حملات التخويف والإرجاف من جزء من تأثيرها، لأنها تصطدم بصورة إنسانية يصعب تجاهلها: رجل فقد ساقه، لكنه لم يعتبر فقدانها سبباً للتخلي عن المكان الذي قاتل من أجله.
"الأرض أرضنا".. خطاب المكان والانتماء
وبتحليل مضمون حديث أحد هؤلاء المقاتلين مبتوري الأطراف في المقطع، يُلاحظ أنه استخدم لغة واقعية ومباشرة، خالية من التعقيدات الأيديولوجية أو التنظير السياسي الرنان، حيث لخص دوافعه بكلمات واضحة: "واجب وطني، والأرض أرضنا، والمحافظة محافظتنا".
هذه العبارة البسيطة تكشف أن الدافع الذي يقدّمه المقاتل لنفسه ولمن حوله مرتبط قبل كل شيء بالمكان والانتماء والمسؤولية؛ فهو يختصر سبب وجوده بالجبهة في فكرة الدفاع عن الأرض التي ينتمي إليها، وهو ما يمنح حديثه بعداً اجتماعياً يتجاوز شخصه.
كما أن استخدامه لمصطلح "الغريب" في قوله: "لا نخلي الغريب يدخل تعز"، يحمل دلالة سوسيولوجية واضحة؛ فهو يؤطر الحوثيين في وعيه بوصفهم قوة وافدة أو غازية لا تنتمي إلى النسيج المحلي للمدينة، ولا تمتلك الحق في فرض وجودها بالقوة.
وهذا التأطير يجعل مقاومة الحوثيين في الخطاب المحلي للمقاتل أقرب إلى فعل دفاع عن الأرض في مواجهة قوة يعتبرها خارجية عن بيئته الاجتماعية، وهو ما يفسّر جانباً من قوة التعبئة المحلية التي تستند إليها المواجهة في تعز.
وعلاوة على ذلك، يختتم المقاتل حديثه بتأكيد صارم على أن "الحوثي عدونا مهما طال الزمن أو قصر"، وهي عبارة تعكس انتقال المعركة في وعيه من حالة الانفعال المرتبطة باشتباك محدد إلى قناعة أكثر استدامة تجاه طبيعة الخصومة؛ فهو لا يتحدث عن مواجهة مؤقتة تنتهي بانتهاء الهجوم، وإنما عن صراع يرى أنه مستمر طالما بقي التهديد قائماً.
وهذا المستوى من الوعي لا يتشكل عادة في لحظة واحدة، وإنما يتراكم بفعل سنوات من المعارك والإصابات والخسائر والنزوح والحصار. ومع مرور الوقت، تصبح المواجهة جزءاً من الذاكرة الشخصية والجماعية للمجتمع، ويصبح المقاتل الذي فقد طرفاً في إحدى المعارك حاملاً في جسده أثراً مادياً لتلك الذاكرة، لذلك فإن عودته إلى الجبهة لا يمكن فصلها تماماً عن التجربة التي عاشها، ولا عن البيئة الاجتماعية التي عاد إليها بعد إصابته.
ومن الناحية المعنوية، يترك هذا النوع من المشاهد أثراً كبيراً داخل المجتمع؛ ذلك أن المقاتل الذي يقف على طرف صناعي ويعود إلى الجبهة يبعث رسالة إلى رفاقه بأنه لا يرى إصابته سبباً كافياً للابتعاد عن المعركة.
وقد يشعر المقاتل السليم أمام هذا المشهد بأن عليه مسؤولية أكبر تجاه زملائه الذين دفعوا ثمناً جسدياً باهظاً، وهكذا تتحوّل الإصابة، في مفارقة لافتة، من علامة على انتهاء الدور العسكري إلى مصدر إضافي للمعنويات.
أخبار ذات صلة.
غياب الدولة وصناعة الانهيار
الثوري نت
منذ ساعة