برنامج صندوق النقد في اليمن: حدود الفاعلية ومتطلبات الإصلاح في اقتصاد منقسم وهش
تقارير وتحليلات
منذ 11 ساعة
مشاركة
ملخص تنفيذي: تتناول هذه الورقة البرنامج الاقتصادي المقترح لمدة 18 شهرًا، المراقب من خبراء صندوق النقد الدولي، والمتفق عليه مع الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا في يوليو/تموز 2026، في ظل انقسام مؤسسي ومالي ونقدي، وتوقف صادرات النفط بسبب هجمات جماعة الحوثي على موانئ التصدير، وضعف الإيرادات وشح الاحتياطيات واتساع الفقر؛ وتهدف إلى تقييم مدى ملاءمة إصلاحات البرنامج للواقع اليمني، وقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذها، وتحليل تسلسلها وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية. وتخلص الورقة إلى أن البرنامج لا يمثل أداة إنقاذ أو تمويل مباشر، وإنما إطارًا لتعزيز الانضباط والمصداقية وبناء سجل إصلاحي قد يهيئ للحصول على تمويل ودعم خارجي لاحقًا؛ غير أن فاعليته تظل مرهونة بقدرة مؤسسات الدولة على التنفيذ في ظل الانقسام القائم، كما تبين أن الاختلال المالي لا يرجع إلى نقص الإيرادات وحده، بل يرتبط أيضًا بتسرب الموارد وضعف الرقابة عليها وبقاء جزء منها خارج الموازنة، بما يجعل معالجة هذه الاختلالات أسبق من التوسع في الضرائب والرسوم التي تنتقل كلفتها إلى الأسعار والدخل الحقيقي، وتثقل بصورة أكبر كاهل الفئات الأقل قدرة على تحملها. وفي الجانب النقدي، خلصت الورقة إلى أن زيادة مرونة سعر الصرف وتقييد التمويل النقدي ينطويان على مفاضلة بين كلفة التصحيح في الأجل القصير ومخاطر تأجيله؛ فزيادة مرونة سعر الصرف دون تهيئة كافية قد ترفع التضخم وتضغط على الدخل، في حين قد يؤدي تقييد التمويل النقدي في غياب موارد أو بدائل تمويلية إلى الضغط على السيولة والنشاط الاقتصادي، بينما يؤدي الدفاع غير المستدام عن سعر الصرف واستمرار تمويل العجز نقديًا إلى استنزاف الاحتياطيات وتراكم ضغوط تضخمية أكبر، بما يجعل إصلاح المالية العامة وسوق النقد الأجنبي والقطاع المصرفي شروطًا لخفض كلفة الاستقرار النقدي، كما تبين أن إصلاح الكهرباء ينبغي أن يبدأ بخفض كلفة الإنتاج والفاقد وتحسين التحصيل قبل رفع التعرفة، وأن تكون الحماية الاجتماعية جزءًا من تصميم الإصلاح منذ البداية لا إجراءً تعويضيًا لاحقًا. كما توصلت الورقة إلى أن استدامة الاستقرار المالي والخارجي تتطلب مصادر مستدامة للإيرادات والنقد الأجنبي، وفي مقدمتها استعادة صادرات النفط أو توفير بدائل لها، دون افتراض عودة قريبة لصادرات النفط أو استمرار دعم خارجي غير مضمون، كما أن نجاح البرنامج يعتمد على تسلسل الإصلاحات وتهيئة شروط تنفيذها قبل الانتقال إلى الإجراءات الأعلى كلفة اقتصاديًا واجتماعيًا، بما يحد من آثار التصحيح على التضخم والفقر والنمو ويعزز فرص استدامته. وبناءً على ذلك، توصي الورقة بتوريد الإيرادات العامة، وإدماج الموارد والنفقات خارج الموازنة، ودمج الحسابات الحكومية تدريجيًا في حساب الخزانة الموحد، وتحسين التحصيل والشفافية قبل فرض أعباء ضريبية جديدة واسعة الأثر، كما توصي بتنفيذ إصلاح متدرج لسعر الصرف والسياسة النقدية والقطاع المصرفي، وتعزيز الوساطة المصرفية وإعادة بناء الاحتياطيات، وربط رفع تعرفة الكهرباء بخفض الكلفة والفاقد وتحسين التحصيل، وإدماج الحماية الاجتماعية في الإجراءات السعرية والضريبية، وتوصي أيضًا ببناء الإطار المالي على الموارد المتاحة فعليًا، ووضع قواعد شفافة لتوريد عائدات النفط وإدارتها عند استئناف التصدير، وربط الدعم الخارجي بالإصلاح؛ على أن يراعي صندوق النقد في تصميم البرنامج ومراجعته تسلسل الإجراءات وقدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمل كلفتها، وألا يقتصر تقييم النجاح على المؤشرات المالية والنقدية الكمية. مقدمة: جاء الاتفاق على البرنامج المراقب من خبراء صندوق النقد في ظرف اقتصادي بالغ التعقيد؛ ففي 16 يوليو/تموز 2026 أعلن صندوق النقد الدولي عن توصله مع الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا، بعد مباحثات جرت في عمّان في المدة من 5 إلى 16 يوليو، إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن برنامج لمدة 18 شهرًا يستهدف تعزيز أطر السياستين المالية والنقدية، وزيادة الإيرادات، وتحسين إدارة الموارد العامة، وإعادة بناء الاحتياطيات، وإصلاح القطاع المالي والكهرباء، وتعزيز الحماية الاجتماعية؛ ويبقى الاتفاق، وفق إعلان الصندوق، خاضعًا لموافقة إدارة الصندوق(). ويأتي البرنامج مع استمرار تعطل صادرات النفط بسبب هجمات الحوثيين على موانئ التصدير، وتراجع الإيرادات وشح احتياطيات النقد الأجنبي وضعف النشاط الاقتصادي؛ كما توقع صندوق النقد انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2026 بنسبة 1.5%، ليكون العام الخامس من الانكماش على التوالي، مع استمرار اعتماد الوضع الخارجي بدرجة كبيرة على تحويلات العاملين والدعم الدولي()، بالتزامن مع ارتفاع مستويات الفقر والهشاشة(). وبناءً على ذلك، تنطلق الورقة من سؤال رئيس: إلى أي مدى يستطيع البرنامج المراقب من صندوق النقد أن يسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي في اليمن، وما المتطلبات المؤسسية وتسلسل الإصلاحات اللازمة للحد من انتقال كلفة التصحيح إلى الفئات الفقيرة؟ وتعتمد الورقة منهج تحليل السياسات، بالاستناد إلى بيانات ووثائق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات الدولية ذات الصلة، من خلال تقييم مكونات البرنامج وشروط تطبيقها وتسلسلها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية في ضوء خصوصية البيئة اليمنية. أولًا: الإطار المؤسسي والمالي للبرنامج: يتحدد نطاق فاعلية البرنامج ابتداءً بطبيعته المؤسسية والبيئة التي ينفذ فيها، وبقدرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا على إدارة مواردها العامة في ظل الانقسام القائم؛ لذلك يتناول هذا المحور طبيعة البرنامج، وقيد الانقسام الاقتصادي، وأولويات إصلاح المالية العامة: 1. طبيعة البرنامج وحدود ما يمكن أن يقدمه لليمن: البرنامج المراقب من خبراء صندوق النقد ليس برنامجًا تمويليًا، وإنما إطارًا غير رسمي لمتابعة تنفيذ برنامج اقتصادي تتبناه الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا، ولا يترتب عليه تقديم موارد مالية من الصندوق أو اعتماد من مجلسه التنفيذي بالمعنى المرتبط بالبرامج التمويلية()؛ وتكمن أهميته في الحالة اليمنية في توفير إطار لقياس تنفيذ الإصلاحات وبناء سجل أداء يمكن أن يدعم فرص الانتقال لاحقًا إلى ترتيبات تمويلية أو إعادة هيكلة الديون، ويعزز ثقة المانحين بقدرة الحكومة الشرعية على إدارة موارد إضافية بكفاءة وشفافية(). غير أن القيمة الاقتصادية للبرنامج لا تتحدد بطبيعته أو بما يتضمنه من إجراءات بقدر ما تتحدد بقابلية هذه الإجراءات للتنفيذ؛ فالانقسام المؤسسي والمالي والنقدي، وضعف الموارد والاحتياطيات يحدان من قدرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا على تحويل الالتزامات الإصلاحية إلى نتائج فعلية، كما أن إجراءات زيادة الإيرادات وضبط التمويل النقدي ومرونة سعر الصرف وإصلاح الكهرباء قد تفرض كلفًا اقتصادية واجتماعية مختلفة، تشمل ارتفاع الأسعار أو الضغط على السيولة والدخل الحقيقي والنشاط الاقتصادي بحسب طبيعة الإجراء، إذا نُفذت قبل تهيئة شروطها المؤسسية والمالية، بما ينعكس سلبًا على المواطن. ومن ثم، لا ينبغي تقييم البرنامج بقدرته على «إنقاذ الاقتصاد اليمني»، وهو ما يتجاوز أدواته، وإنما بقدرته على تحسين إدارة الموارد الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، وتقوية الانضباط المالي والنقدي، وتهيئة بيئة أكثر قدرة على تنفيذ الإصلاحات واستيعاب كلفتها، بما يحسن فرص الحصول على الدعم واستعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي. 2. غياب سلطة مالية ونقدية موحدة: قيد حاكم للإصلاح: تفترض برامج الإصلاح الاقتصادي وجود سلطة مالية ونقدية موحدة وسوق واحدة وآلية متجانسة لتحصيل الإيرادات والضرائب والجمارك، وهي شروط لا تتوافر في الحالة اليمنية؛ إذ أدى الانقسام السياسي والمؤسسي إلى نشوء منطقتين اقتصاديتين، إحداهما خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا، والأخرى خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، تختلفان في النظام النقدي وسعر الصرف وإجراءات الاستيراد وقنوات التحويل والسياسات التنظيمية، بما يحد من نطاق تنفيذ السياسات الاقتصادية ويضعف انتقال آثارها على المستوى الوطني. ويفرض هذا الواقع قيدين على برامج الإصلاح؛ الأول جغرافي، يتمثل في أن الأدوات والإجراءات التي تنفذها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا والبنك المركزي في عدن لا تعمل بصورة مباشرة في جميع أنحاء البلاد؛ والثاني مؤسسي، ويتمثل في وجود تفاوت حتى داخل مناطق الحكومة الشرعية نفسها في القدرة على جمع الإيرادات وفرض القواعد المالية والإدارية. ومع ذلك، لا ينبغي استخدام الانقسام مبررًا لتعليق الإصلاحات الممكنة؛ فجزء من الاختلال المالي داخل مناطق الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا يرتبط بمشكلات قابلة للمعالجة، من بينها بقاء بعض الموارد خارج الموازنة، وتعدد الحسابات الحكومية، وضعف انتظام البيانات، واختلاف مستويات الالتزام بالتوريد، وضعف الأجهزة الرقابية والمحاسبية؛ ومن هنا يصبح التمييز ضروريًا بين قيود يفرضها الصراع ولا تستطيع السياسة الاقتصادية تجاوزها منفردة، واختلالات إدارية ومؤسسية يمكن للحكومة الشرعية معالجتها رغم استمرار الصراع، ويكتسب البرنامج أهميته الحقيقية في المجال الثاني؛ إذ يتضمن إدخال الإيرادات والنفقات الواقعة خارج الموازنة ضمن الموازنة المركزية، وتشديد الرقابة على الإنفاق على المستويين المركزي والمحلي، وتجميع الأرصدة الحكومية ضمن الجهود الرامية إلى إنشاء حساب خزانة موحد(). وتمثل هذه التدابير في الحالة اليمنية جزءًا من إعادة بناء سلطة الدولة على المال العام؛ إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح مالي مستدام في الوقت الذي تتحرك فيه موارد عامة خارج منظومة الموازنة أو لا تتوافر بيانات منتظمة تسمح بتتبعها. 3. المالية العامة وإشكالية توزيع كلفة الإصلاح: يضع البرنامج زيادة الإيرادات المحلية في مركز عملية التصحيح المالي، وهي أولوية مفهومة في ظل الانخفاض الحاد في الموارد بعد توقف صادرات النفط بسبب هجمات جماعة الحوثي الانقلابية على موانئ تصديره، وضيق الوصول إلى التمويل الخارجي؛ ولا سيما أن الإنفاق الحكومي خضع أصلًا لخفض كبير منذ توقف الصادرات النفطية عام 2022، بما يحد من إمكانية الاعتماد على مزيد من خفض الإنفاق. وتشمل إجراءات تعبئة الإيرادات تعزيز الامتثال الضريبي لدى كبار المكلفين والمؤسسات المملوكة للدولة، وتحسين التحصيل الجمركي، غير أن الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه الإجراءات يتوقف على مصدر الزيادة في الإيرادات؛ فاستعادة موارد قائمة لا تصل إلى الخزانة، وتحسين امتثال كبار المكلفين، يختلفان جذريًا عن فرض ضرائب ورسوم جديدة أو زيادة الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك، التي تنتقل كلفتها بدرجة أكبر إلى الأسعار والدخل الحقيقي للأسر. ومن ثم، تتمثل القضية الأساسية في ترتيب إجراءات التصحيح المالي وتوزيع كلفتها؛ إذ ينبغي أن تبدأ تعبئة الإيرادات بحصر وتوريد الموارد العامة المستحقة للخزانة، وإخضاع الحسابات والصناديق والمؤسسات العامة للرقابة، وتحسين امتثال كبار المكلفين ومكافحة التهرب، قبل التوسع في الضرائب والرسوم واسعة الأثر على المستهلك، وبهذا الترتيب تتحول تعبئة الإيرادات من مجرد زيادة للجباية إلى استعادة للسيادة المالية، وتقل احتمالات انتقال الجزء الأكبر من كلفة الإصلاح إلى الفئات الأقل قدرة على تحملها. وتزداد أهمية هذا التسلسل لأن الحيز المالي في اليمن أصبح ضيقًا للغاية؛ فقد أشار البنك الدولي في مايو/أيار 2026 إلى أن انخفاض الموارد أدى إلى ضغط الإنفاق، بما في ذلك الأجور والدعم والإنفاق الأساسي()؛ وهو ما يجعل تحسين التحصيل وكفاءة الإنفاق والحوكمة أكثر ملاءمة من الخفض الأفقي للنفقات الضرورية أو التوسع المبكر في الضرائب والرسوم غير المباشرة. ثانيًا: متطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي: تنتقل الورقة بعد الجانب المؤسسي والمالي إلى مجموعة من ملفات البرنامج التي ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد ومستوى المعيشة؛ وتشمل سعر الصرف والسياسة النقدية، والقطاع المصرفي، والكهرباء، والحماية الاجتماعية. 1. سعر الصرف والسياسة النقدية: يتجه البرنامج نحو قدر أكبر من مرونة سعر الصرف، إلى جانب تقييد التمويل النقدي للعجز، وربط نمو عرض النقود بالطلب الفعلي، وتحسين إدارة السيولة وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية؛ غير أن فاعلية هذه الأدوات في اليمن تتحدد بخصائص سوق الصرف والاقتصاد الحقيقي، فقد توقف تدفق النقد الأجنبي من صادرات النفط، ولا تزال الاحتياطيات عند مستويات متدنية، فيما يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الواردات الأساسية والتحويلات والدعم الخارجي كمصادر رئيسية للنقد الأجنبي(). وفي هذه البيئة، تنطوي السياسة النقدية في جانب سعر الصرف على مفاضلة بين خيارين؛ الأول السماح بمرونة أكبر لسعر الصرف بما يساعد على تصحيح الاختلال بين العرض والطلب على النقد الأجنبي ويحد من استنزاف الاحتياطيات، لكنه قد يؤدي إلى انتقال انخفاض قيمة العملة سريعًا إلى أسعار الغذاء والوقود والدواء وتكاليف الإنتاج والنقل، بما يرفع التضخم ويخفض الدخل الحقيقي للأسر()، في ظل محدودية قدرة الإنتاج المحلي والصادرات على الاستجابة؛ والثاني الحد من انخفاض سعر الصرف من خلال تدخل البنك المركزي في السوق، وهو ما قد يخفف مؤقتًا الضغوط على الأسعار والدخول، لكنه يتطلب موارد كافية من النقد الأجنبي، وقد يؤدي استمرار الدفاع عن مستوى غير قابل للاستدامة إلى استنزاف الاحتياطيات واتساع الفجوة بين العرض والطلب وعودة الضغوط على سعر الصرف بصورة أشد لاحقًا. وتنشأ مفاضلة مستقلة في شأن التمويل النقدي للعجز؛ فتقييده يمثل شرطًا للحد من نمو الكتلة النقدية والضغوط التضخمية واستعادة قدر من الانضباط النقدي، لكنه قد يؤدي، في غياب موارد مالية أو مصادر تمويل بديلة، إلى نقص السيولة وتأخير الرواتب والمستحقات وتراجع الطلب والنشاط الاقتصادي؛ وفي المقابل، قد يساعد استمرار التمويل النقدي على تغطية جزء من احتياجات الإنفاق في الأجل القصير، لكنه يزيد عرض النقود والضغوط التضخمية ويضعف سعر الصرف، بما يفاقم الاختلالات التي تسعى السياسة النقدية إلى معالجتها. ومن ثم، ينبغي ألا تُعامل مرونة سعر الصرف أو تقييد التمويل النقدي باعتبارهما هدفين مستقلين، بل ضمن حزمة متدرجة تشمل زيادة شفافية سوق النقد الأجنبي، وتوسيع دور البنوك في الوساطة، وإعادة تدفقات التجارة والتحويلات إلى القنوات الرسمية، وتحسين الرقابة على شركات الصرافة، وبناء الاحتياطيات؛ فنجاح السياسة النقدية في الحالة اليمنية يقاس بقدرتها على تحقيق قدر من الاستقرار دون نقل كلفة التصحيح بصورة مفرطة إلى الأسعار والدخل والائتمان والنشاط الاقتصادي. 2. إصلاح القطاع المصرفي بوصفه شرطًا لنجاح السياسة النقدية: يعد القطاع المصرفي أحد أهم مكونات البرنامج الذي ينبغي عدم اختزاله في بعده الفني؛ إذ يتضمن البرنامج اعتماد قواعد شاملة لإدارة المخاطر، وتوسيع الرقابة لتشمل مؤسسات تلقي الودائع، ونشر القوائم المالية المدققة للبنوك، والانتقال نحو رقابة قائمة على المخاطر في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة لأن ضعف الوساطة المصرفية وتوسع قنوات الصرافة والتحويلات خارج البنوك يقللان من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة ومراقبة تدفقات النقد الأجنبي ونقل أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد، ومن ثم فإن إصلاح القطاع المصرفي ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من إعادة بناء البنية الأساسية للسياسة النقدية. وتمثل مطالبة البنوك بنشر قوائم مالية مدققة خطوة مركزية في استعادة الثقة والانضباط المصرفي، وينبغي أن تتزامن مع رفع قدرة البنك المركزي على التقييم الحقيقي لجودة الأصول والسيولة وكفاية رأس المال والمخاطر الائتمانية ومراكز العملات الأجنبية، ومع معالجة المشكلات المتراكمة في ميزانيات البنوك بدل الاكتفاء بإجراءات الإفصاح الشكلي، كما ينبغي تجنب تنفيذ إصلاحات مصرفية تؤدي بصورة مفاجئة إلى انكماش الائتمان في اقتصاد يعاني أصلًا نقص التمويل؛ ولذلك يلزم التدرج في تطبيق المتطلبات الاحترازية، مع وضع خطط تصحيحية للمؤسسات الضعيفة وتطوير أدوات لإدارة السيولة، بما يحافظ على هدف الاستقرار دون إغلاق قنوات التمويل المحدودة المتاحة للقطاع الخاص. 3. الكهرباء بوصفها الاختبار الاجتماعي والمالي للبرنامج: يعد قطاع الكهرباء أكثر مكونات البرنامج حساسية من الناحية السياسية والاجتماعية؛ فقد نص الاتفاق على خطة مرحلية لزيادة نسبة استرداد كلفة الكهرباء، بهدف تحسين الوضع المالي للقطاع وتقليل اعتماده على الدعم الحكومي وجذب استثمارات جديدة، ولا يمكن إنكار الاختلال المالي الكبير في القطاع؛ إذ أظهر تقرير البنك الدولي لربيع 2026 أن الوقود المستخدم في توليد الكهرباء في مناطق الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا يُشترى وفق الأسعار السوقية بينما يقدم إلى مرافق الكهرباء بدعم كبير، وأن نسبة استرداد الكلفة تقل عن 5%، ما يجعل تقلب أسعار النفط ينتقل مباشرة إلى الموازنة العامة(). لكن انخفاض استرداد الكلفة لا يعني أن رفع التعرفة ينبغي أن يكون الخطوة الأولى؛ فجزء من الفجوة المالية في قطاع الكهرباء لا ينشأ عن السعر المنخفض وحده، وإنما عن ارتفاع كلفة الإنتاج، ولا سيما كلفة الوقود وضعف كفاءة التوليد، وعن الفاقد الفني والتجاري، وضعف التحصيل، وهيكل العقود، والمشكلات المؤسسية، ولذلك، فإن رفع التعرفة قبل معالجة هذه المكونات قد يؤدي إلى تحويل عدم كفاءة المنتج إلى فاتورة يدفعها المستهلك. وينبغي أن يقوم الإصلاح على ترتيب يبدأ بمراجعة تكاليف التوليد وعقود شراء الطاقة والوقود، وتقليص الفاقد، وتحسين التحصيل من كبار المستهلكين والجهات الحكومية، وتحديث أنظمة القياس والفوترة، والاستثمار في الطاقة الأقل كلفة، ولا سيما الطاقة الشمسية والمتجددة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى تعديل التعرفة، ويشير البنك الدولي نفسه في تصوراته لإصلاح القطاع إلى أهمية الجمع بين خفض الخسائر، وتحسين الفوترة والتحصيل، وإجراء إصلاح تدريجي للتعرفة مصحوب بتدابير حماية للفئات الفقيرة(). 4. الحماية الاجتماعية ليست ملحقًا للإصلاح: يميل التعامل التقليدي مع الحماية الاجتماعية إلى وضعها في نهاية البرامج الاقتصادية باعتبارها آلية لتعويض الفئات المتضررة بعد تنفيذ إجراءات التصحيح؛ لكن هشاشة الوضع اليمني تقتضي إدماجها في تصميم الإصلاح منذ البداية، ففي يونيو/حزيران 2026 أشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو خمسة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا كانوا يواجهون مستويات الأزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 5.4 مليون شخص، أي 51% من السكان في تلك المناطق، في المدة بين يونيو وسبتمبر 2026(). ولا تقتصر الهشاشة الغذائية على مناطق الحكومة الشرعية؛ ففي المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي أظهر أحدث تحليل متاح للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 12.8 مليون شخص، أي 52% من السكان محل التحليل، كان من المتوقع أن يواجهوا مستويات الأزمة أو أسوأ خلال سبتمبر 2025–فبراير 2026؛ وهو ما يؤكد أن محدودية قدرة الأسر على تحمل كلفة الإصلاح تمثل قيدًا واسعًا في مختلف مناطق البلاد، وإن اختلفت الظروف والسياسات الاقتصادية بين المنطقتين(). وفي بيئة كهذه، لا يمكن افتراض قدرة الأسر على امتصاص صدمات إضافية ناجمة عن إصلاحات الكهرباء أو الجمارك أو أسعار الوقود أو انخفاض سعر الصرف؛ واليمن لا يبدأ من الصفر في بناء شبكات الحماية؛ فقد نفذت منظومة صندوق الرعاية الاجتماعية، بدعم من البنك الدولي واليونيسف وشركاء آخرين، برامج تحويلات نقدية واسعة وصلت في إحدى دورات 2024 إلى أكثر من 1.43 مليون أسرة، وهو ما يوفر أساسًا مؤسسيًا يمكن البناء عليه(). لكن المطلوب الانتقال من التحويلات الممولة في إطار المشروعات والمساعدات إلى شبكة حماية أكثر انتظامًا وقابلية للتنبؤ، مرتبطة بقاعدة بيانات موثوقة وبآلية دفع قابلة للتوسع عند حدوث الصدمات، ومن ثم ينبغي ألا يُتخذ قرار مؤثر في أسعار السلع والخدمات الأساسية دون تحديد مسبق لتكلفته على الشرائح المختلفة، وعدد الأسر التي تحتاج إلى تعويض، وقيمة التحويل المطلوبة، ومصدر تمويله، وتوقيت صرفه، لأن الحماية الاجتماعية في هذه الحالة ليست سياسة إحسان اجتماعي؛ بل هي أحد شروط الاستقرار الاقتصادي والسياسي للإصلاح نفسه. ثالثًا: الاستدامة ومسارات تنفيذ البرنامج: ترتبط استدامة البرنامج بقدرة الاقتصاد على استعادة مصادر الإيرادات والنقد الأجنبي، وباختيار مسار للتنفيذ يراعي قدرة المؤسسات والمجتمع على تحمل كلفة الإصلاح؛ لذلك يجمع هذا المحور بين ملف النفط والدعم الخارجي ومسارات تطبيق البرنامج ومصفوفة مقترحة لتنفيذه: 1. النفط والدعم الخارجي وحدود الاستدامة: أدى توقف صادرات النفط منذ عام 2022 بسبب هجمات جماعة الحوثي الانقلابية على موانئ تصديره إلى إضعاف مصدرين رئيسيين في الوقت نفسه، هما إيرادات الموازنة وتدفقات النقد الأجنبي، وأسهم في دفع الاقتصاد إلى مرحلة جديدة من الركود والاعتماد المتزايد على الدعم الخارجي()، ولذلك يصعب تصور استقرار مستدام للمالية العامة والقطاع الخارجي من دون استعادة صادرات النفط أو توفير مصادر بديلة ومستدامة للعملة الأجنبية والإيرادات. غير أن استئناف صادرات النفط، متى أصبح ممكنًا سياسيًا وأمنيًا، لا ينبغي التعامل معه بوصفه حلًا تلقائيًا؛ فعودة الإيرادات إلى منظومة مالية مجزأة قد تؤجل الأزمة دون معالجة أسبابها، ومن هنا ينبغي أن يسبق استئنافَ الصادرات، أو يتزامن معه، إطارٌ شفاف يحدد توريد جميع العائدات إلى حسابات رسمية تابعة للموازنة، ونشر البيانات المتعلقة بالإنتاج والتصدير والإيرادات، وتحديد قواعد استخدام هذه الموارد بين الإنفاق الجاري وبناء الاحتياطيات والاستثمار. وتقتضي الضرورة كذلك عدم تصميم برنامج الإصلاح على افتراض عودة قريبة ومضمونة لصادرات النفط؛ بل ينبغي بناء سيناريو مالي أساسي يقوم على الموارد المتاحة فعلًا، مع اعتبار استعادة صادرات النفط مكسبًا إضافيًا، يوجَّه جزء من عائداتها لإعادة بناء الاحتياطيات وتمويل الاستثمار، وليس مبررًا للعودة إلى التوسع غير المنضبط في الإنفاق. أما الدعم الخارجي، فينبغي الانتقال به من صيغة الاستجابة الطارئة إلى مظلة تمويل مرتبطة بالإصلاح، بحيث يقدم المانحون تمويلًا على مراحل مقابل مؤشرات محددة، مثل انتظام نشر البيانات، وتوسيع حساب الخزانة الموحد، وتحسن توريد الإيرادات، وانتظام الرواتب، وتحسن مؤشرات الكهرباء، وتطوير شبكة الحماية الاجتماعية، وهذا الربط يحقق فائدتين؛ يمنح الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا موارد تساعدها على تحمل الكلفة الانتقالية للإصلاح، ويمنح المانحين ضمانًا أكبر بأن الدعم يترجم إلى نتائج يمكن قياسها. 2. المسارات المحتملة لتنفيذ البرنامج: يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسة لتنفيذ البرنامج، تختلف في ترتيب إجراءات الإصلاح وفي توزيع كلفتها الاقتصادية والاجتماعية ونتائجها المحتملة على الاستقرار والنمو. المسار الأول: التصحيح المالي والنقدي السريع: يقوم على زيادة الإيرادات بالأدوات الأسرع، ورفع كلفة بعض الخدمات والرسوم، وضغط الإنفاق، وتقييد التمويل النقدي، والسماح بمرونة أكبر لسعر الصرف؛ ويمكن لهذا المسار أن يخفض العجز ويحد من التوسع النقدي والضغط على سوق الصرف، لكنه يحمّل الاقتصاد كلفة مرتفعة في الأجل القصير، إذ تنتقل زيادة الرسوم والأسعار وانخفاض قيمة العملة إلى التضخم، وتتراجع الدخول الحقيقية والاستهلاك والطلب المحلي، بما قد يضعف النمو ويرفع معدلات الفقر، ولذلك قد يتحقق تحسن في المؤشرات المالية والنقدية على حساب النشاط الاقتصادي ومستوى المعيشة. المسار الثاني: الإصلاح الجزئي: يقوم على تنفيذ بعض إصلاحات الحوكمة بالتوازي مع زيادة الإيرادات وإصلاح الكهرباء والسياسة النقدية، ولكن من دون تسلسل واضح يربط كل إجراء بتهيئة شروطه؛ وقد يحقق هذا المسار تحسنًا جزئيًا في الإيرادات أو سعر الصرف أو بعض مؤشرات المالية العامة، إلا أن استمرار تسرب الموارد وضعف المؤسسات وتفاوت التنفيذ يجعل هذه المكاسب معرضة للانتكاس، كما قد تتحمل الأسر كلفة بعض الإجراءات السعرية والضريبية من دون أن يقابلها تحسن كافٍ في الخدمات أو الاستقرار، بما يبقي التضخم والفقر وضعف النمو عرضة للتفاقم عند حدوث أي صدمة جديدة. المسار الثالث: الإصلاح المؤسسي المتسلسل: وهو المسار الأكثر ملاءمة للحالة اليمنية، ويقوم على مبدأ أن الدولة تصلح أدواتها أولًا قبل تحميل المجتمع الجزء الأكبر من كلفة التصحيح، ويبدأ باستعادة الإيرادات القائمة والمتسربة وتوحيد الحسابات الحكومية وتحسين الرقابة والإفصاح، وضبط النفقات غير الضرورية، وتطوير سوق النقد الأجنبي وإصلاح القطاع المصرفي، وخفض كلفة إنتاج الكهرباء، وتعزيز الحماية الاجتماعية، قبل التوسع تدريجيًا في الإجراءات الضريبية والسعرية ومرونة سعر الصرف؛ وتستند أفضلية هذا المسار اقتصاديًا إلى أنه يسعى إلى تخفيض العجز والتمويل التضخمي أولًا من خلال استعادة الموارد ورفع كفاءة الإنفاق بدل نقل العبء مباشرة إلى المستهلك، كما أن تحسين سوق الصرف وبناء الاحتياطيات قبل توسيع المرونة يحد من مخاطر الانتقال الحاد إلى الأسعار، وخفض كلفة الكهرباء قبل رفع التعرفة يقلل أثرها التضخمي، فيما تساعد الحماية الاجتماعية على الحد من تراجع الدخل الحقيقي والطلب وزيادة الفقر. ولا يعني ذلك أن المسار الثالث يخلو من الكلفة أو يحقق نتائج أسرع؛ فهو يحتاج إلى قدرة مؤسسية أعلى وتمويل انتقالي وقد يؤخر بعض مكاسب التصحيح المالي، غير أن أفضليته تكمن في خفض الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لكل وحدة من التصحيح، وزيادة احتمال استدامة التحسن في المالية العامة وسعر الصرف والتضخم دون دفع الاقتصاد إلى مزيد من الانكماش والفقر؛ وهو ما يجعله أكثر ملاءمة لاقتصاد هش ومنقسم مثل الاقتصاد اليمني، وأكثر عدالة وقابلية للاستمرار، وأوسع فرصًا للقبول اجتماعيًا وسياسيًا. 3. مصفوفة مقترحة لأولويات التنفيذ: الأولوية الإجراء الرئيس الإطار الزمني مؤشر القياس الأثر الاقتصادي المتوقع السيادة المالية توريد الإيرادات العامة وحصر الحسابات وإدماج الموارد خارج الموازنة 0–6 أشهر نمو الإيرادات الحقيقية الموردة فعليًا للخزانة خفض فجوة التمويل والحد من الحاجة إلى ضرائب جديدة أو تمويل تضخمي الشفافية المالية نشر تقارير دورية للإيرادات والإنفاق والمتأخرات 0–6 أشهر انتظام التقارير ونطاق تغطيتها تحسين الرقابة وكفاءة تخصيص الموارد وتعزيز ثقة المانحين حساب الخزانة الموحد دمج أرصدة الجهات الحكومية تدريجيًا في حساب موحد 0–12 شهرًا عدد الجهات والأرصدة المدمجة تحسين إدارة السيولة والحد من تجزؤ الموارد العامة سوق النقد الأجنبي تفعيل سوق منظمة لتداول النقد الأجنبي بين البنوك، وتوجيه تمويل التجارة والتحويلات عبر الجهاز المصرفي، وإلزام البنوك وشركات الصرافة بالإفصاح عن أسعار وحجوم التداول، ووضع قواعد واضحة وشفافة لتدخل البنك المركزي في السوق 0–12 شهرًا حصة البنوك من تداول النقد الأجنبي، حجم التداول بين البنوك، تراجع تشتت الأسعار وهامش البيع والشراء والتقلبات تحسين اكتشاف السعر وتجميع العرض والطلب داخل سوق أكثر تنظيمًا، وتقليص المضاربة والمراجحة، ورفع قدرة البنك المركزي على التأثير في السوق دون الاعتماد المفرط على التدخل المباشر الاحتياطيات الأجنبية تحديد مستوى مستهدف للاحتياطيات وتوجيه جزء من الدعم الخارجي لإعادة بنائها طوال البرنامج عدد أشهر تغطية الواردات بالاحتياطيات زيادة قدرة البنك المركزي على امتصاص الصدمات وتخفيف الضغوط على سعر الصرف القطاع المصرفي نشر القوائم المدققة وتنفيذ خطط تصحيح قائمة على المخاطر بصورة متدرجة 3–18 شهرًا نسبة البنوك الملتزمة ومؤشرات السلامة المالية استعادة الثقة والوساطة المصرفية مع تجنب انكماش حاد في الائتمان الكهرباء خفض كلفة الإنتاج والفاقد وتحسين التحصيل قبل الزيادات الكبيرة في التعرفة 0–18 شهرًا كلفة الوحدة والفاقد والتحصيل وساعات الخدمة تخفيف عبء الدعم مع الحد من انتقال الإصلاح مباشرة إلى الأسعار ودخل الأسر الحماية الاجتماعية تفعيل تحويلات موجهة قبل الإجراءات السعرية والضريبية واسعة الأثر أو بالتزامن معها قبل كل إجراء سعري أو ضريبي واسع الأثر نسبة الأسر المتضررة المشمولة بالتعويض الحد من تراجع الدخل الحقيقي والفقر والمحافظة على القدرة الشرائية النفط والموارد السيادية وضع قواعد شفافة لإدارة العائدات قبل استئناف صادرات النفط قبل استئناف التصدير نشر بيانات الإنتاج والإيرادات والتوريد توجيه عائدات التصدير عند استئنافه نحو الاستقرار المالي والاحتياطيات بدل إعادة إنتاج الاختلالات الدعم الخارجي ربط التمويل بمؤشرات إصلاح مؤسسية واقتصادية محددة طوال البرنامج حجم التمويل المرتبط بتحقق المؤشرات تمويل الكلفة الانتقالية للإصلاح وتقليل الحاجة إلى التصحيح المالي والنقدي الحاد النتائج: تخلص الورقة إلى النتائج الآتية: لا يمثل البرنامج المراقب من خبراء صندوق النقد برنامجًا للإنقاذ أو التمويل المباشر، وإنما إطارًا لتعزيز الانضباط والمصداقية وبناء سجل إصلاحي قد يدعم الحصول على التمويل والمساندة الخارجية لاحقًا؛ غير أن فاعليته تظل مرهونة بقدرة مؤسسات الدولة على التنفيذ في ظل الانقسام المالي والنقدي والمؤسسي، الذي يحد من نطاق تطبيق السياسات وانتقال آثارها على المستوى الوطني. لا ترجع الأزمة المالية إلى انخفاض الإيرادات فقط، بل أيضًا إلى تجزؤ إدارة الموارد وبقاء جزء منها خارج الموازنة وضعف التوريد والرقابة؛ ولذلك فإن استعادة الإيرادات القائمة والمتسربة، وتحسين امتثال كبار المكلفين وكفاءة الإنفاق، ينبغي أن تسبق التوسع في الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تنتقل كلفتها إلى الأسعار والدخل الحقيقي والطلب المحلي. يتطلب الاستقرار النقدي معالجة مترابطة لسعر الصرف والتمويل النقدي والقطاع المصرفي؛ فمرونة سعر الصرف دون تهيئة كافية قد ترفع التضخم وتضغط على الدخل، بينما قد يضغط تقييد التمويل النقدي على السيولة والنشاط الاقتصادي في غياب موارد أو بدائل تمويلية؛ في حين يؤدي الدفاع غير المستدام عن سعر الصرف واستمرار التمويل النقدي إلى استنزاف الاحتياطيات وتراكم الضغوط التضخمية، كما يحد ضعف الوساطة المصرفية من فاعلية السياسة النقدية. ترتبط قابلية الإصلاحات ذات الأثر السعري والاجتماعي بترتيب تنفيذها؛ ففي قطاع الكهرباء ينبغي أن يسبق رفع التعرفة خفض كلفة الإنتاج والفاقد وتحسين التحصيل وكفاءة التوليد، كما ينبغي إدماج الحماية الاجتماعية في تصميم الإجراءات الضريبية والسعرية من البداية للحد من انتقال كلفتها إلى الفئات الأقل قدرة على تحملها. يعتمد نجاح البرنامج واستدامته على توافر مصادر مستدامة للإيرادات والنقد الأجنبي، وفي مقدمتها استعادة صادرات النفط أو توفير بدائل لها، مع عدم بناء الإطار المالي على افتراض عودة قريبة لصادرات النفط أو استمرار دعم خارجي غير مضمون؛ كما يعتمد على تسلسل الإصلاحات بحيث تبدأ باستعادة الموارد وتحسين الحوكمة وكفاءة الإنفاق وإصلاح سوق النقد الأجنبي قبل التوسع في الإجراءات السعرية والضريبية، بما يخفض الآثار السلبية للتصحيح على التضخم والفقر والنمو. التوصيات: بناءً على ما توصلت إليه، تقترح الورقة حزمة من التوصيات العملية الآتية: إعطاء الأولوية لاستعادة السيطرة على الموارد العامة؛ من خلال توريد الإيرادات السيادية والمركزية، وإدماج الموارد والنفقات خارج الموازنة، ودمج الحسابات الحكومية تدريجيًا في حساب الخزانة الموحد، وتحسين امتثال كبار المكلفين والتحصيل وكفاءة الإنفاق والشفافية، قبل التوسع في الضرائب والرسوم غير المباشرة ذات الأثر الواسع على المستهلك. تنفيذ إصلاح سعر الصرف والسياسة النقدية والقطاع المصرفي بصورة متدرجة ومتكاملة؛ من خلال تطوير سوق منظمة للنقد الأجنبي، وتعزيز الوساطة المصرفية، ونشر القوائم المالية المدققة للبنوك، وتحسين شفافية التداول، وإعادة بناء الاحتياطيات، وتقييد التمويل النقدي بالتوازي مع إصلاح المالية العامة، ومعالجة اختلالات البنوك تدريجيًا بما يحافظ على الاستقرار دون إحداث انكماش حاد في الائتمان. ربط الإصلاحات ذات الأثر السعري بمتطلبات تخفض كلفتها الاقتصادية والاجتماعية؛ بحيث يسبق رفع تعرفة الكهرباء خفض كلفة الإنتاج والفاقد وتحسين التحصيل، وأن يسبق الإجراءات الضريبية والسعرية واسعة الأثر تقييمٌ لأثرها على الدخل والفقر وتفعيل آليات حماية اجتماعية مناسبة قبل التنفيذ أو بالتزامن معه. بناء الإطار المالي للبرنامج على الموارد المتاحة فعليًا، مع العمل على استعادة صادرات النفط ووضع قواعد شفافة لتوريد عائداتها واستخدامها وتخصيص جزء منها لإعادة بناء الاحتياطيات وتمويل الاستثمار، وتحويل الدعم الخارجي إلى تمويل مرتبط بالإصلاح؛ على أن يراعي صندوق النقد في تصميم البرنامج ومراجعته تسلسل الإجراءات وقدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمل كلفتها، وألا يقتصر تقييم الأداء على المؤشرات المالية والنقدية الكمية. المصادر International Monetary Fund. (2023, January). IMF Staff Monitored Program (SMP). https://www.imf.org/en/about/factsheets/sheets/2023/staff-monitored-program-smp International Monetary Fund. (2026, July 16). IMF reaches staff-level agreement with Yemen on a new Staff-Monitored Program. https://www.imf.org/en/news/articles/2026/07/16/pr26249-yemen-imf-reaches-sla-on-new-staff-monitored-program International Monetary Fund, Middle East and Central Asia Department. (2026, April 3). Republic of Yemen: 2025 Article IV Consultation—Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Republic of Yemen (IMF Country Report No. 26/80). https://www.imf.org/-/media/files/publications/cr/2026/english/1yemea2026001-source-pdf.pdf Integrated Food Security Phase Classification (IPC). (2025, June 27). Yemen – Sana’a Based Authorities (SBA) Areas: IPC Acute Food Insecurity, May 2025–February 2026. https://www.ipcinfo.org/fileadmin/user_upload/ipcinfo/docs/IPC_Yemen_SBA_Acute_Food_Insecurity_May2025_February2026_Special_Snapshot.pdf Osman, Y., & Al Akkaoui, M. (2025, December 1). Yemen Economic Monitor: Navigating Increased Hardship and Growing Economic Fragmentation (Report No. 206587). World Bank. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099603311122530091 United Nations Children’s Fund. (2024, October 2). 1.43 million vulnerable families supported with cash assistance across Yemen. https://www.unicef.org/yemen/press-releases/143-million-vulnerable-families-supported-cash-assistance-across-yemen World Bank. (2026, May 21). Economic strain deepens in Yemen as regional risks intensify. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2026/05/21/economic-strain-deepens-in-yemen-as-regional-risks-intensify World Bank. (2026, May 19). Yemen Economic Monitor: Pushing Against the Tide (Report No. 210533). https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099630405192627146 World Food Programme. (2026, June 3). Nearly half of the population in Government-controlled areas of Yemen face acute food insecurity as humanitarian support sharply declines. https://www.wfp.org/news/nearly-half-population-government-controlled-areas-yemen-face-acute-food-insecurity اضغط لتحميل المادة ظهرت المقالة برنامج صندوق النقد في اليمن: حدود الفاعلية ومتطلبات الإصلاح في اقتصاد منقسم وهش أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية