نسمع جعجعة... ونعيش جوعاً
أهلي
منذ 3 أشهر
مشاركة
خاص- النقار ‏لو ضاع تاريخ هذا البيان، ومُحيت منه التواريخ والأسماء، ثم عُثر عليه بعد عشر سنوات في درج قديم، فلن يستطيع أحد أن يعرف متى كُتب. ‏أمس؟ قبل خمس سنوات؟ قبل اثنتي عشرة سنة؟ ‏لا فرق. ‏فاللغة هي ذاتها، والوعود هي ذاتها، والاستنفار هو ذاته، وحتى الأعداء أنفسهم ما زالوا يقيمون في الجمل نفسها منذ أكثر من عقد. ‏ولهذا لا تكمن أهمية بيان التعبئة العامة الأخير فيما أعلنه، بل فيما كشفه دون أن يقصد. ‏كشف أن السلطة التي وعدت الناس يوماً ببناء الدولة ما تزال تتحدث بعقلية المعسكر. ‏وأن المشروع الذي جاء ليحكم ما يزال يتصرف كأنه في طريقه إلى الحكم. ‏وأن السنوات الطويلة لم تُنتج لغة جديدة تتحدث عن التنمية والإدارة والاقتصاد والخدمات بقدر ما كررت مفردات التعبئة والنفير والجهوزية والحشود. ‏منذ اثني عشر عاماً تقريباً، يسمع اليمنيون الخطاب نفسه بأسماء مختلفة. ‏كل عام هناك مرحلة مفصلية. ‏وكل شهر هناك معركة مصيرية. ‏وكل خطاب يتحدث عن أخطار غير مسبوقة. ‏لكن الشيء الوحيد الذي لم يكن مفصلياً بما يكفي هو حياة الناس. ‏لا الرواتب حُسمت. ‏ولا الاقتصاد تعافى. ‏ولا الخدمات استقرت. ‏ولا الفقر تراجع. ‏ولا العدل تحقق. ‏ولا الجوع انسحب من البيوت. ‏وكأن كل شيء في البلاد يتحرك إلى الأمام إلا حياة المواطنين. ‏البيان يتحدث عن مئات الآلاف من المقاتلين، وعن مئات الألوية، وعن الجهوزية الكاملة. ‏لكن المواطن المنهك قد يسأل سؤالاً بسيطاً: ‏إذا كانت كل هذه الجهود وكل هذه الطاقات وكل هذه التعبئة موجودة منذ سنوات، فأين انعكاسها على حياة الناس؟ ‏كيف يمكن لسلطة أن تنجح في حشد هذا العدد من البشر، ثم تعجز عن حشد الكهرباء إلى المنازل؟ ‏كيف تستطيع تنظيم الجبهات ولا تستطيع تنظيم الأسواق؟ ‏كيف تنجح في إنتاج خطاب تعبوي متجدد بينما تتعثر في إنتاج حلول معيشية متجددة؟ ‏ليست المشكلة أن السلطة تتحدث عن القوة. ‏فالدول تحتاج إلى القوة. ‏لكن الدول الناجحة تجعل القوة حارساً للحياة. ‏أما حين تصبح الحياة كلها حارساً للقوة فهنا تبدأ المأساة. ‏في البيان لا نجد حديثاً عن الجوع. ‏ولا عن البطالة. ‏ولا عن انهيار القدرة الشرائية. ‏ولا عن الشباب الذين يغادرون البلاد بحثاً عن فرصة نجاة. ‏ولا عن الآباء الذين أصبحوا يخوضون معركة يومية أشد قسوة من أي معركة أخرى: معركة توفير لقمة العيش. ‏كأن هذه المشكلات لا تستحق التعبئة. ‏أو كأن الفقر ليس عدواً. ‏والبطالة ليست حصاراً. ‏والفساد ليس احتلالاً. ‏والجوع ليس معركة. ‏والعدل ليس اساسا للحكم ‏بعد أكثر من عقد، لم تعد المشكلة في كثرة البيانات. ‏المشكلة أن البيانات أصبحت بديلاً عن الإنجاز. ‏وصار المواطن يسمع عن الانتصارات أكثر مما يلمسها. ‏ويسمع عن الجهوزية أكثر مما يرى آثارها. ‏ويسمع عن المستقبل أكثر مما يعيش حاضره. ‏ولهذا لم يعد السؤال كم عدد الألوية؟ ‏ولا كم عدد المقاتلين؟ ‏ولا كم عدد ساحات التعبئة؟ ‏السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ‏متى تبدأ التعبئة ضد الفقر؟ ‏ومتى يبدأ النفير ضد الفساد؟ ‏ومتى تصبح معركة بناء الإنسان أهم من معركة استعراض الأرقام؟ ‏فبعد كل هذه السنوات، ما زال اليمني يسمع جعجعة الطواحين نفسها... ‏لكن كيس الدقيق في بيته ما يزال فارغاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية