حزبي
غيب الموت في العاصمة صنعاء، السبت، المربي والداعية والمفكر محمد حمود الخميسي، المعروف بـ«العزي الخميسي»، عن عمر ناهز الثمانين عاما، بعد مسيرة امتدت عقودا في التعليم والدعوة والتربية والعمل العام والكتابة الصحفية.
وأقيمت الصلاة على الخميسي عقب صلاة الظهر في جامع التوحيد قرب مستشفى لبنان بصنعاء، قبل أن يوارى جثمانه الثرى في مقبرة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.
وأعاد رحيله إلى الواجهة جانبا من سيرة رجل ظل حاضرا في ذاكرة أجيال من تلاميذه ورفاقه ومعارفه، سواء عبر المعاهد العلمية ومجالس التعليم والدعوة، أو من خلال كتاباته الصحفية والفكرية ومشاركته في الحياة العامة.
عالم وداعية ومرب
يصف الشيخ عبدالرزاق قطران، عضو مجلس النواب السابق، الخميسي بأنه عالم وداعية ومرب، ويرى أن رحيله يمثل خسارة كبيرة، بعد عقود أمضاها في التعليم والدعوة، تاركا أثرا في نفوس من عرفوه وتعلموا على يديه، ومسهما في تربية أجيال على العلم والقيم.
ويستحضر علي الجرادي، رئيس الدائرة الإعلامية في التجمع اليمني للإصلاح، الخميسي باعتباره واحدا من الشخصيات التي كان لها حضور مبكر وممتد في النشاط الدعوي والتربوي في صنعاء وعمران وصعدة، مشيرا إلى أن أجيالا من الدعاة والشخصيات الاجتماعية والسياسية تلقت العلم والتربية على يديه.
ولم يقتصر حضوره على التعليم والدعوة. فقد ارتبط اسمه أيضا بالصحافة والكتابة، إذ كتب بعد عام 1990 مقالا أسبوعيا في صحيفة «الصحوة»، تناول فيه قضايا فكرية وتربوية وقيم المساواة ومبادئ الجمهورية، جامعا بين التجربة الدعوية والانشغال بالشأن العام.
من المعاهد العلمية إلى صناعة جيل
ويصف عامر الخميسي الراحل بأنه كان «ملهم الدعاة» و«أستاذ جيل المعاهد العلمية ومديرها العام»، في إشارة إلى موقعه في الوسط التعليمي والدعوي خلال مرحلة توسع تجربة المعاهد العلمية في اليمن.
وبحسب عامر، لم يتوقف دور الخميسي عند التدريس والإدارة، بل امتد إلى التربية وتكوين الوعي لدى الطلاب، وهي صورة تتكرر في شهادات كثير من معاصريه وتلاميذه الذين يتحدثون عن معلم تجاوز حدود الدرس التقليدي إلى بناء الشخصية ومناقشة الأفكار والقضايا العامة.
وظلت صلته بعدد من طلاب تلك المرحلة ممتدة بعد سنوات طويلة من تخرجهم، فيما كان قلمه موازيا لدوره التعليمي، من خلال مقالات وخواطر تناولت الدعوة والتربية وقراءة الواقع.
الخميسي و«الصحوة»
كانت الصحافة امتدادا لمسار الخميسي التعليمي والفكري، لا محطة منفصلة عنه.
ويقول وليد عياش إنه كان من المشاركين في البدايات الأولى لصحيفة «الصحوة»، وكتب فيها عمودا أسبوعيا، واضعا هذه التجربة ضمن مسار بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي وامتد خلال الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها.
وتتفق رواية عياش مع ما يذكره الجرادي عن حضور الخميسي في الصحيفة، التي مثلت واحدة من المساحات التي قدم عبرها أفكاره وقراءاته في قضايا المجتمع والدعوة والشأن العام، إلى جانب عمله في التعليم والتربية.
من صنعاء إلى مناطق القبائل
ويتذكر وليد عياش الخميسي باعتباره أحد معلميه الذين أسهموا في تشكيل وعي جيله، مشيرا إلى أنه كان حاضرا في العمل التعليمي والفكري والدعوي، وتولى كذلك إدارة المعهد المركزي للأنشطة.
ولم يظل نشاطه محصورا داخل صنعاء، إذ امتد، وفق عياش، إلى مناطق قبلية في محيطها، من بينها همدان وخولان وبني حشيش وأجزاء من حاشد وطوق العاصمة.
وكان الخميسي ينتقل بين تلك المناطق، محاورا الناس من خلال التعليم والقراءة والنقاش، في مسعى إلى فتح مساحات للتفكير ومراجعة الأفكار السائدة.
وتحمل شهادة عياش بعدا شخصيا آخر، إذ يقول إن علاقته بمعلمه استمرت رغم اختلاف مساراتهما الفكرية والدينية في مراحل لاحقة، مؤكدا أن الخميسي كان يحترم حق الإنسان في البحث والاختيار، وأن الاختلاف لم يلغ العلاقة الإنسانية والعلمية التي جمعتهما.
حضور في الحياة العامة
ويربط الصحفي يحيى الثلايا اسم الخميسي بتاريخ العمل السياسي والفكري في اليمن، ويصفه بأنه عالم ومفكر مستنير ومن الشخصيات التي انخرطت في المسار الجمهوري.
ويقول الثلايا إن الخميسي كان من مؤسسي التجمع اليمني للإصلاح وعضوا في مجلس شوراه منذ تأسيس الحزب، كما تولى رئاسة المكتب التنفيذي للإصلاح في محافظة صنعاء، في مرحلة كانت المحافظة تضم إداريا مناطق أصبحت لاحقا محافظتي عمران وريمة.
لكن حضوره السياسي، بحسب شهادات مقربين منه، لم يطغ على اختياره الأساسي بالتفرغ للتعليم والدعوة والتربية.
رجل اختار العلم والتربية
يقول علي الجرادي إن الخميسي عاش حياة بسيطة، وإنه اعتذر عن تولي مناصب حكومية رفيعة عرضت عليه، مفضلا الاستمرار في مجال العلم والتعليم والدعوة.
ويستعيد الجرادي لقاءاته الأولى به مطلع التسعينيات، عندما كان طالبا في مدرسة عبدالناصر بصنعاء ويزور مجلس الخميسي في منطقة الجراف، واصفا إياه بأنه كان واسع المعرفة، محبا للقراءة والعلم، وقريبا من طلابه وجلسائه.
ويقدم الروائي محمد مصطفى العمراني صورة مقاربة، إذ يقول إن أجيالا عرفته معلما مخلصا وكاتبا يحمل هم الدين والوطن، وإن مسيرته الطويلة في التعليم والدعوة والإعلام تركت أثرا في محيط واسع ممن عرفوه أو تتلمذوا عليه.
الخميسي و«فقه الدعوة»
وإلى جانب المقالات والخواطر، ترك الخميسي عددا من الكتابات التي عكست تجربته الفكرية والتربوية، ومن أبرزها كتابه «الدعاة إلى الله.. مذكرات في المنهاج»، الصادر ضمن «منشورات الحوار» عام 2016 في 281 صفحة، وفق بيانات فهرسة الكتاب.
ويرى شاكر المنيفي أن الكتاب يمثل جانبا مهما من تجربة الخميسي في فقه الدعوة، ويصفه بأنه خلاصة تجارب وتأملات تكونت خلال معايشة طويلة للعمل الدعوي والمجتمع اليمني.
ويشير إلى أن الخميسي حاول في الكتاب تقديم رؤية تستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، مع مراعاة تغير الظروف والأحوال وحاجة الداعية إلى فهم الواقع الذي يعمل فيه.
وبحسب الوصف المنشور للكتاب، جمعت مادته من موضوعات سبق أن كتبها الخميسي في مجلة «النور» الشهرية تحت عنوان «في الصميم»، وفي صحيفة «الصحوة» الأسبوعية تحت عنوان «خواطر دعوية».
ويقول المنيفي إن الكتاب، بما يتضمنه من مواقف وقراءات في واقع الدعوة، يكشف جانبا من منهج الخميسي في النظر إلى العمل الدعوي ووسائله والتحديات التي تواجهه.
حضور إنساني في الذاكرة
ومن خارج الأدوار التعليمية والفكرية، يستعيد الصحفي محمد الخامري الراحل من زاوية عائلية وشخصية، باعتباره خاله وقريبا عزيزا على قلبه، مستحضرا حضوره داخل الأسرة ومكانته بين أقاربه.
وتضيف هذه الشهادة بعدا إنسانيا إلى صورة الرجل الذي عرفه آخرون في مجالس العلم والمؤسسات التعليمية والدعوية، وتظهر حضوره داخل محيطه الأسري والاجتماعي بعيدا عن أدواره العامة.
ويقول عامر الخميسي إن رحيله يمثل خسارة للفكر والدعوة، غير أن ما تركه من علم وتلاميذ وكتابات سيظل حاضرا في الأجيال التي تلقت عنه وتأثرت به.
أثر يتجاوز الكتب
ويضع الدكتور قائد المنتصر الخميسي في منزلة خاصة بين من عرفهم من العلماء والدعاة والمربين، مشيرا إلى أنه جمع بين سعة المعرفة والاهتمام بالفكر والتربية والانشغال بقضايا المجتمع.
ويتذكر المنتصر مجالسه ومحاضراته وحديثه مع الناس، ويقول إنه كان قادرا على الشرح والتحليل واستنباط الدلالات من الأحداث والقضايا، مع متابعة مستمرة لما يجري في اليمن والمنطقة والعالم.
ويرى المنتصر أن عدد الكتب التي تركها الخميسي لا يعكس وحده حجم حضوره العلمي، إذ استهلك التعليم والتربية والعمل الدعوي جزءا كبيرا من حياته، فكان أثره موزعا بين ما كتبه وما غرسه في تلاميذه ومن عرفوه.
وهكذا، لا تختصر سيرة محمد الخميسي في كتاب أو منصب أو مرحلة بعينها، بقدر ما تتوزع بين مدارس ومعاهد ومجالس وصحيفة وطلاب حمل كثير منهم شيئا من أثر معلم ظل التعليم والتربية محورين ثابتين في حياته حتى رحيله.