حزبي
صحيفة الثوري – دراسات
عبدالجليل عثمان
أدب الحرب في تراثنا العربي
ان الحرب في حياة العرب كانت ضرورة ‘ كانوا بغريزتهم يحملون لها من الكره قدر مايحملون من الشجاعة في مواجهتها ‘ ويدركون مأسيها ‘ وكان زهير بن أبي سلمى معروفا بحبه للسلم وسعيه لأنها الحرب وحذر من ويلاتها؛
وما الحرب الا ماعلمتم وذقتم – وماهو عنها بالحديث المترجم.
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة –
وتضر إذا ضريتموها فتضرم.
فتعرككم عرك الرحى بثقالها –
وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم.
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها –
قرى بالعراق من قفيز ودرهم.
فتغلل لكم غلمان أشأم كلهم –
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم.
فهو يرى في الحرب الشر ويكره ان تقوم بين العرب ‘ وتخلف في واقعهم ماتخلف’ ويتناقل الناس اخبار الرجال الذين عرفوا بالفروسية وقد أدانوا الحرب بأكثر من قول ووصفوها بالقبح فقال عنترة ( أولها شكوى ‘ وأوسطها نجوى ‘ واخرها بلوى)
أما عمرو بن معد يكرب فقال(مرة المذاق ‘ اذا كشفت عن ساق ‘ من صبر فيها عرف ‘ ومن نكل عنها تلف.) وقوله:
الحرب أول ماتكون فتية –
تسعى بزينتها لكل جهول.
حتى اذاء حميت وشب ضرامها –
عادت عجوزا غير ذات خليل.
شمطاء جزت رأسها وتنكرت –
مكروهة للشم والتقبيل.
فالحرب لم تكن هواية أو نزعة للعنف والعدوان ولكن ظروفهم تسود فيها العصبية القبلية ويصبح الغزو احد موارد العيش اضطرتهم الى القتال سبيلا الى الكلاء والماء.
وان نزعتهم ليست للأستيلاء على اراضي الغير ولا للنزعة العنصرية ‘ فقد كانت الحرب في دم العربي صرخة الكرامة ومعنى الرجولة يعبر عنهم كراهيته لها وقد تجلب العار.
وقد جاء بالقرأن الكريم( كتب عليكم القتال وهو كرها لكم ‘ وعسى ان تحبوا شيئا وهو شرا لكم ‘ والله يعلم وانتم لاتعلمون).
هذه الأية تعبر عن وجدان الأنسان العربي وتكشف عن موقف نفسي وروحي من الحرب في كرهها وفي الاقبال عليها ‘ حين تفرض ولامناص من مواجهتها دفعا لعدوان.
الحرب اذن واقع في حياة العرب وفي غيرهم من الأمم ‘ وقد بلورت في تعريفات كثيرة ” الحرب رحى ثقالها الصبر ‘ وقطبها المكر ‘ ومدارها الاجتهاد ‘ وثفالها الأناة ‘ وزمامها الحذر ‘ ولكل شيئ من هذه ثمرة ‘ فثمرة الصبر التأييد ‘ وثمرة المكر الظفر ‘ وثمرة الأجتهاد التوفيق ‘ وثمرة الأناة اليمن ‘ وثمرة الحذر السلامة ‘ ولكل مقام مقال”.
وصورة الحرب الرحى تطحن وتمعن في الطحن ‘ وهي صورة راسخة في ذهن العربي الذي كان يعيش هو وأولاده وقبيلته في دوامتها ‘ عليه ان يمارس الصبر ‘ فالحرب ليست نزهة ‘ وعلى المحارب ان يحشد كل طاقاته النفسية والجسدية والفكرية ويستعين بكل ملكات القتال كي يحقق النصر ‘ ويستعين بحكمة الممارسة والتأييد المعنوي والمادي والحرص على ارتباطه بشعبه والحفاظ على سلامتهم.
ومارس العرب اشياء كثيرة حول الحرب من حكمائه ومن ذلك مثلا ما تحدث اكثم بن صيفي عن الحرب في الريادة للمقاتلين((أقلوا الخلاف على أمرائكم ‘ فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا ان كثر الصياح من الفشل ‘ فتثبتوا فأن احزم الفريقين الركين ‘ ورب عجلة تعقب ريثا.)) ويجب ان تكون للحرب أداب عامة يلتزم بها من ارادوا تحقيق النصر في الفطنة والأدراك..وهكذا تكون وثائق الحزم في( مخاتلة العدو عن الريف ‘ واعداد العيون على الرصد ‘ وأعطاء المبلغين على الصدق ‘ ومعاقبة المتوصلين بالكذب ‘وان لاتحرج هاربا الى قتال ‘ ولاتضيق امانا على مستأمن ‘ ولاتشدهنك الغنيمة عن المحاذرة)
وحين انطلق بالاسلام من الجزيرة حمل المقاتلين معهم وصايا يحق لهم ان يباهو بها العالم بالمقارنة مع موقف همجية المستعمر والصهاينة. فالتاريخ يروي أن عمر بن الخطاب كان يقول عند عقد الألوية:
( بأسم الله وبالله وعلى عون الله” أمضوا بتأييد الله والنصر ‘ ولزوم الحق والصبر ‘ فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ‘ ولاتعتدوا أن الله لايحب المعتدين ‘ ولاتجبنوا عند اللقاء ‘ ولاتمثلوا عند القدرة ‘ ولاتسرفوا عند الظهور ‘ ولاتقتلوا هرما ولا أمرأة ولا وليدا ‘ وتوقوا قتلهم اذا التقى الزحفان ‘ وعند حمة النهضات ‘ وفي شن الغارات)”1″ وكذا وصية أبي بكر الرفيقة بالانسان وبالارض تكرس للعرب اخلاقا.
هكذا تحددت للحرب عندهم معالم واضحة تبناها الأدب وحفضها في نصوص ووثائق عقلية متقدمة للأنسان العربي الذي لم يكن انذاك مستلبا بل كان سيد مصيره ‘ ويتفاعل بأيجابية مع واقعه لأيجاد انسان متحرر الأرادة بالبساطة والصدق والذي يمارسه في أدبه ‘ فحين خاف قال أنا خائف ‘ وحين كان لايبالي اعلن لا مبالاته. تحولت مشاعره الى شعر عفوي ‘ وكان الشاعر يعيش القتال لأنه مقاتل ويشارك القبيلة حياتها.
——————-
المرجع.
1-د.نجاح العطار ‘ حنا مينه
أدب الحرب بتصرف.
أخبار ذات صلة.
هل نحن أمام «عودة الاشتراكي»؟
الثوري نت
منذ ساعة