يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ من قمر شيما ومير أحمد مرتضى
في أغسطس/آب، وقّع قادة السعودية وباكستان وتركيا «تحالف مكة للدفاع المشترك»، في خطوة قُدّمت باعتبارها بداية مرحلة جديدة من التعاون الأمني الإقليمي بين الدول الثلاث.
وفي مطلع سبتمبر/أيلول، شن الحوثيون هجوماً جديداً بهدف توسيع مناطق سيطرتهم في اليمن وتشديد قبضتهم حول مضيق باب المندب، الذي يصل قناة السويس والبحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وأعقب ذلك إطلاق الجماعة طائرات مسيّرة وصواريخ على البنية التحتية العسكرية ومنشآت الطاقة في السعودية في مناسبات عدة.
ومع تدهور الوضع، تحول الاهتمام بصورة متزايدة إلى «اتفاقية مكة»، وإلى سؤال ما إذا كانت باكستان ستدخل الحرب إلى جانب السعودية.
وشكك البعض في مصداقية الاتفاق، فيما رأى آخرون أنه لم يدخل بعد حيز التنفيذ الفعلي. غير أن التفسيرين، بحسب الكاتبين، يسيئان فهم طبيعة الاتفاق.
الاتفاق لا يعني تدخلاً آلياً
تنص اتفاقية مكة على مبدأ أن الهجوم على أحد أعضائها يُعد هجوماً على الجميع. لكن هذا لا يعني أن كل طائرة مسيّرة أو صاروخ يُطلق على السعودية سيؤدي تلقائياً إلى دخول باكستان أو تركيا الحرب.
ويقدم حلف شمال الأطلسي «الناتو» مثالاً مفيداً في هذا السياق. فعلى الرغم من أن المادة الخامسة تنص على أن الهجوم المسلح على أحد الأعضاء يُعد هجوماً على الجميع، فإنها تلزم الدول الأعضاء بتقديم «المساعدة»، وليس بالضرورة القيام بعمل عسكري مباشر وتلقائي.
وقد شهدت أراضي دول في الناتو، على سبيل المثال، اختراقات متكررة بطائرات مسيّرة روسية، من دون أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى تفعيل المادة الخامسة.
وحتى الآن، لم تعلن السعودية رسمياً تفعيل اتفاقية مكة. ويعكس ذلك فهماً لطبيعة الاتفاق بوصفه إطاراً للأمن الجماعي، من دون أن يعني أن يتخلى كل عضو عن مسؤوليته الأساسية عن الدفاع عن نفسه لصالح الحلفاء.
فالدولة العضو التي تعجز أو تتردد في التعامل مع هجمات محدودة نسبياً بمفردها قد تخلق ما يعرف بمشكلة «الركوب المجاني»، عندما تعتمد دولة بصورة مفرطة على حلفائها لتأمين دفاعها.
وللدول الأعضاء مصلحة واضحة في تجنب تحول الهجمات المحدودة إلى آلية تلقائية تجر التحالف كله إلى صراع أوسع.
فالشرق الأوسط يعاني بالفعل من مجموعة من النزاعات المتداخلة. ولو أدى كل هجوم محدود إلى تدخل عسكري فوري من جميع الدول الأعضاء، فقد يجد التحالف نفسه سريعاً أمام التزامات تفوق قدرته.
ولهذا فإن المنطق المؤسسي لاتفاقية مكة يميل إلى التدخل المتدرج، بحيث يتناسب حجم المساعدة المقدمة مع مستوى التهديد وخطورته.

باكستان تؤكد التزامها بالاتفاق
مع ذلك، أوضحت باكستان أنها لا تزال ملتزمة باتفاقية مكة.
وفي إشارة مباشرة إلى الحرب في اليمن، قال وزير الدفاع الباكستاني: «نحن ملتزمون بشروط وأحكام هذا الاتفاق، وسنفي بها إذا ظهرت الحاجة».
ويرى الكاتبان أن ما يغفله كثير من المراقبين هو أن ترتيبات الدفاع الجماعي تتضمن عادة عتبات مختلفة تحدد شكل وحجم المساعدة المطلوبة عند كل مرحلة من مراحل التصعيد.
وبالتالي، لا ينبغي النظر إلى رد باكستان باعتباره خياراً ثنائياً بين التدخل أو عدم التدخل.
فالسؤال الأكثر أهمية هو: ما نوع الدعم الذي يقتضيه مستوى معين من التصعيد؟
وقد تشمل الإجابة طيفاً واسعاً من المساعدات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية والدبلوماسية.
الدبلوماسية أول خطوط المواجهة
تظل الدبلوماسية الأداة الأولى لمنع اتساع نطاق التصعيد، وتتمتع باكستان بموقع خاص في هذا المجال.
ففي الوقت الذي تستطيع فيه دول عدة شن عمليات ضد الحوثيين، تُعد باكستان من بين عدد قليل من الدول القادرة على ممارسة ضغط على إيران لدفعها إلى «كبح» الحوثيين.
وعلى المستوى العسكري العملياتي، من المرجح أن تحافظ باكستان على قدر متعمد من الغموض بشأن طبيعة التزاماتها.
وهناك مبرر استراتيجي لهذا النهج. فالإعلان بصورة مسبقة عن الظروف التي سيدخل فيها أعضاء التحالف في المواجهة، ونوعية الردود التي سيتخذونها، سيمنح الخصوم المحتملين فرصة لتكييف استراتيجياتهم تبعاً لذلك.
أما الغموض، فيبقي حدود التصعيد غير واضحة، وقد يعزز الردع. فكلما قلّ ما يعرفه الخصم عن كيفية رد التحالف، أصبح من الأصعب عليه بناء استراتيجية تقوم على توقع ردود فعل محددة.
وجود عسكري باكستاني داخل السعودية
تمتلك باكستان بالفعل وجوداً عسكرياً متعدد المهام داخل السعودية، يتكون من ما لا يقل عن ثمانية آلاف جندي و16 طائرة.
وكان متحدث عسكري باكستاني قد قال مؤخراً إن «باكستان ستذهب إلى أي مدى للدفاع عن السعودية».
ومن الناحية العملياتية، تستطيع باكستان تقديم المساعدة، وقد تكون تقدم بالفعل دعماً للسعودية في مجالات الخدمات اللوجستية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإدارة العمليات، والدفاع الجوي، ودعم العمليات الجوية، من دون أن تتولى بنفسها قيادة ضربات ضد مواقع الحوثيين داخل اليمن.
وفي هذا الإطار، يكمّل الدور الباكستاني، إلى حد ما، الشراكات الدفاعية الأخرى التي تعتمد عليها السعودية.
لماذا لا تحتاج باكستان إلى ضرب الحوثيين داخل اليمن الآن؟
هناك منطق عملياتي واضح وراء النهج الباكستاني الحالي.
فتحالف مكة الدفاعي هو ترتيب دفاعي، وليس قوة تدخل خارجية أنشئت لتمكين أعضائها من توسيع نفوذهم خارج حدودهم.
وبالتالي، لا يوجد دافع قوي لباكستان لتولي دور مباشر في الضربات الجوية السعودية الرامية إلى وقف تقدم الحوثيين داخل اليمن، حتى وإن كان هذا التقدم يضر بصورة واضحة بالمصالح الإقليمية للسعودية.
إضافة إلى ذلك، لم تتمكن هجمات الحوثيين على السعودية حتى الآن من خلق زخم عسكري بالدرجة التي تجعل تنفيذ باكستان عمليات هجومية مضادة داخل اليمن ضرورة واضحة.
وتملك السعودية قوة جوية كبيرة مزودة بمنصات متطورة، بينها مقاتلات «إف-15»، تتيح لها تنفيذ عمليات في أنحاء اليمن، كما فعلت خلال حملتها السابقة ضد الحوثيين بين عامي 2015 و2022.
وبالتالي، تملك الرياض الأدوات اللازمة لتنفيذ ضربات دقيقة ضد مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية من دون الحاجة إلى دور قتالي باكستاني مباشر.
ويعتقد الجانب الباكستاني أن هذه المعادلة العملياتية ستستمر في المستقبل المنظور.
متى قد يتغير الموقف الباكستاني؟
سيتغير الوضع بصورة كبيرة إذا شن الحوثيون هجوماً برياً واسع النطاق داخل الأراضي السعودية.
فمثل هذه العملية ستشكل مستوى مختلفاً نوعياً من التصعيد، وقد تؤدي إلى رد باكستاني أكبر وأكثر مباشرة.
غير أن الرؤية الباكستانية الحالية ترى أن الحوثيين لا يملكون سبباً عسكرياً واضحاً للمضي في خطوة تصعيدية من هذا النوع.
فالهجوم البري الواسع على الأراضي السعودية سيعرض القوات الحوثية للقدرات العسكرية السعودية الأكبر بكثير، وربما أيضاً لقدرات تحالف مكة الدفاعي.
وبدلاً من تحسين الموقف الاستراتيجي للحوثيين، قد يضعهم مثل هذا التحرك تحت ضغط عسكري شديد.
وعلى الرغم من أن التفاصيل العملياتية وحدود التصعيد لا تزال محاطة بالغموض، فإن هناك نقطة يتفق عليها المجتمع الاستراتيجي الباكستاني: لا ينبغي للحوثيين اختبار حدود تحالف مكة الدفاعي.
باب المندب.. المعضلة الأكثر تعقيداً
تطرح الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب سؤالاً أكثر تعقيداً.
فالممر بالغ الأهمية للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة، وللسعودية مصلحة قوية بصورة خاصة في الحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر، ولا سيما في ظل الاضطرابات القائمة في مضيق هرمز.
كما أن لباكستان مصلحة بدورها في تأمين هذا الشريان البحري الحيوي.
لكن الاهتمام بأمن الملاحة لا يكفي لتبرير عملية باكستانية مستقلة لضمان حرية المرور البحري.
فباكستان لا تملك القدرة البحرية اللازمة لتنفيذ مهمة بهذا الحجم بمفردها، وبالمستوى الذي يسمح بتأمين باب المندب بصورة موثوقة.
وأي جهد طويل الأمد للسيطرة على الممر سيتطلب كذلك عمليات حول مناطق ساحلية رئيسية، بما في ذلك المخا. وسيؤدي ذلك إلى تجاوز الهدف الدفاعي لاتفاقية مكة بدرجة كبيرة.
تحالف دولي أكثر ترجيحاً
لهذا، سيكون انخراط باكستان في عمليات تأمين حرية الملاحة أكثر ترجيحاً إذا جاء في إطار تحالف دولي أوسع.
فمثل هذا الإطار سيمنح العملية غطاءً قانونياً وسياسياً أوسع، ويتيح لباكستان المشاركة في حماية ممر مائي دولي بالغ الأهمية، من دون تحويل اتفاقية مكة إلى أداة لخوض حملة عسكرية مفتوحة النهاية داخل اليمن.
ومع ذلك، يبقى احتمال التصعيد قائماً.
فالسعودية تقول إنها أسقطت طائرة حوثية مسيّرة بالقرب من مدينة مكة، وهو ادعاء ينفيه الحوثيون.
وتولي باكستان أهمية شديدة لمواجهة أي تهديد يستهدف الأماكن المقدسة.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الأربعاء، إن أي هجوم على مكة أو المدينة المنورة يمثل «خطاً أحمر» سيدفع باكستان إلى الرد حتى في غياب اتفاق للدفاع المشترك.
وبالتالي، فإن أي تهديد حوثي في هذا الاتجاه من شأنه أن يرفع الصراع عدة درجات على سلم التصعيد، ويمنح إسلام آباد مبرراً أقوى للتدخل بصورة مباشرة.
المصدر: Responsible Statecraft
The post هل تُلزم اتفاقية مكة باكستان بالدخول في حرب اليمن؟ appeared first on يمن مونيتور.