سلسلة حلقات يعدها لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: لا تأتي الأغنية الوطنية بوصفها صوتًا يرافق الاحتفال فقط، بل بوصفها ذاكرة تختصر في كلماتها ما أراد جيلٌ أن يتركه للأجيال من معنى الوطن والثورة والمستقبل.
هكذا لم تبقَ ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 في الوجدان اليمني مجرد يومٍ غيّر شكل الحكم، ولا ظلت ثورة 14 أكتوبر/تشرين الأول 1963 مجرد معركة ضد الاستعمار؛ فقد تحولت الثورتان، مع مرور السنوات، إلى ذاكرة وطنية حملتها الأغنية من جيل إلى آخر، وحفظت في ألحانها وكلماتها شيئًا من أحلام اليمنيين وتطلعاتهم.
وفي قلب هذه الذاكرة تقف أنشودة “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”، التي لم تكتفِ باستحضار الثورتين، وإنما وضعتهما في سياق أوسع: تاريخ اليمن القديم، ونضاله الحديث، وتطلعه إلى الوحدة، ثم دعوة شبابه إلى تحويل ما صنعه الآباء إلى مستقبل يُبنى بالعلم والعمل.
إنها أغنية تبدأ من الماضي، لكنها لا تسكن فيه؛ تستدعي الأجداد لتسأل الأبناء ماذا سيفعلون بالميراث، وتستحضر الثورة لا بوصفها نهاية الطريق، وإنما باعتبارها بداية وطنٍ يريد أن يبني ويزرع وينتج، وأن يحوّل تضحيات من سبقوه إلى علمٍ وعملٍ وحياة.
كتب كلمات الأنشودة الشاعر والإعلامي الراحل محسن محسن الجبري، وأداها الفنان علي محمد الرداعي بمشاركة الفرقة الوطنية للإنشاد، فيما استند لحنها إلى الموروث الشعبي اليمني، بإيقاع جرى تطويره ليمنح الأغنية طابعًا أكثر حيوية وقربًا من إيقاع الأناشيد الوطنية.
وتنقل الذاكرة الفنية اليمنية عن الفنان الرداعي، إن “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”، كانت جزءًا من عمل فني متكامل “أوبريت”، قُدّم لأول مرة في المركز الثقافي بصنعاء عام 1986، بحضور شخصيات رسمية آنذاك.
ومن بين أغنيات الثورة التي عبرت من زمنها إلى الذاكرة، بقيت “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر” شاهدة على مرحلة لم تكن ترى في الثورة حدثًا من الماضي فقط، بل مشروعًا يمتد إلى الأجيال التي جاءت بعدها، ويضع أمامها سؤالًا آخر: ماذا نصنع نحن بما صنعه الذين سبقونا؟.
لكن قيمة “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر” لا تتوقف عند تاريخها وظروف تقديمها؛ فالكلمات نفسها تكشف عن رؤية تتجاوز الاحتفاء بالثورة، لتستعيد تاريخ اليمن، وتخاطب جيله الجديد، وتضع أمامه مسؤولية مواصلة الطريق. ومن هنا تبدأ حكاية الأغنية، كلمةً بعد أخرى.
“يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”.. حين يصبح النداء وطنًا
يبدأ النشيد من النداء:
“يا جماهير سبتمبر وأكتوبر
يا حُماة الديار في الريف والبندر”
منذ البيت الأول، لا يخاطب الشاعر فردًا، ولا نخبة سياسية أو عسكرية، وإنما “الجماهير”.
وهذه الكلمة وحدها تحمل مفتاح النص؛ فالثورة، في صورتها الغنائية، ليست فعل مجموعة محدودة، وإنما حدث يستمد معناه من الناس الذين حملوا عبئها ودافعوا عنها.
ثم يضيف: “يا حُماة الديار”.
الحماية هنا لا تُسند إلى مكان بعينه، بل إلى الإنسان اليمني أينما كان.
ولهذا يأتي التوسيع المكاني في عبارة “الريف والبندر”؛ أي القرية والمدينة، الداخل والمركز، الفلاح والعامل، وكل البيئات التي يتشكل منها المجتمع.
إنها صورة لوطن لا تقوم حمايته على منطقة دون أخرى، ولا على فئة دون غيرها.
وهكذا يبدأ النشيد من فكرة بسيطة ومباشرة: الوطن للجميع، وحمايته مسؤولية الجميع.
“أرضنا الغالية ميراثنا الأكبر”.. وطن لا يبدأ من اليوم
بعد النداء، ينتقل الشاعر إلى الأرض:
“أرضنا الغالية ميراثنا الأكبر”
والميراث ليس شيئًا يمتلكه الإنسان ثم ينتهي دوره عند امتلاكه؛ إنه أمانة تصل إليه من الذين سبقوه، ثم تنتقل بعده إلى الذين سيأتون.
اختيار “الميراث” هنا يتجاوز معنى الملكية. فالميراث شيء يصل إلى الإنسان من الذين سبقوه، لكنه في الوقت نفسه يحمل مسؤولية الحفاظ عليه وتسليمه إلى من يأتي بعده.
ولهذا لا يقول الشاعر إن الأرض “ملكنا”،فقط، وإنما يسميها “ميراثنا الأكبر”.
فالأرض في النص ليست مجرد جغرافيا، بل أمانة تاريخية تتناقلها الأجيال.
ثم يفتح الشاعر باب الذاكرة على أوسع نطاق:
“من سبأ من معين من جدنا حِمْيَر”
في ثلاثة أسماء، يستحضر النص طبقات من التاريخ اليمني القديم: سبأ، ومعين، وحِمْيَر، وهي أسماء ترتبط في الذاكرة التاريخية بالحضارات اليمنية القديمة، ليقول إن الثورة الحديثة لا تنشأ من فراغ، وإن الجمهورية التي جاءت بعد سبتمبر يمكن أن تُقرأ أيضًا بوصفها استعادة لثقة الإنسان اليمني بقدرته على صناعة تاريخه.
ولا يأتي هذا الاستدعاء لمجرد التفاخر بالماضي، وإنما لإسناد الحاضر إلى جذور حضارية عميقة؛ فاليمني الذي يخاطبه الشاعر ليس إنسانًا بلا ذاكرة، بل وريث حضارات تركت أثرها في المنطقة، وأقامت أنظمة عمرانية واقتصادية وسياسية عرفت بها اليمن في تاريخها القديم.
فاليمن الذي يخاطبه الجبري ليس بلدًا بلا ذاكرة، وإنما بلد يعرف أن له ماضيًا ضاربًا في عمق التاريخ.
“من بنى للسدود.. من للقصور عمّر”.. الحضارة بصيغة الفعل
ثم لا يكتفي النص بذكر الأجداد، بل يسأل عن أفعالهم:
“من بنى للسدود.. من للقصور عمّر
الحضارة باسم أجدادنا تُذكر”
في هذه الكلمات تتحول الحضارة من فكرة مجردة إلى أفعال: بناء وتعمير.
ومن خلال استحضار مفردات “بنى”، و”عمّر”؛ فالأجداد في صورة القصيدة ليسوا مجرد أسماء محفوظة في الكتب، بل أناس بنوا وشيدوا وأقاموا عمرانًا وحضارة وتركوا أثرًا ماديًا في الأرض.
ويبدو استدعاء السدود هنا شديد الدلالة؛ فالسد، في المخيال اليمني، ليس بناءً حجريًا فقط، وإنما رمز لقدرة الإنسان على تطويع الطبيعة وتنظيم المياه وصناعة الحياة.
أما القصور، فتشير إلى العمران والازدهار وما تركته الحضارات اليمنية القديمة من آثار.
وبين “السدود” و”القصور” يرسم الشاعر صورة اليمن الذي يعرف كيف يبني.
ولهذا تأتي عبارة “الحضارة باسم أجدادنا تُذكر”، كنتيجة طبيعية لما سبقها: إذا كان الماضي قد شهد البناء والعمران، فإن الحاضر لا ينبغي أن يكون أقل قدرة على البناء.
هنا لا يستحضر الشاعر التاريخ ليقيم فيه، بل ليضع أمام الحاضر معيارًا لما يمكن أن يفعله اليمني.
“شعبنا فجّر الثورات واتحرّر”.. من حضارة الأجداد إلى فعل الشعب
بعد أن يؤسس الشاعر للهوية في التاريخ، يقفز إلى التاريخ الحديث:
“شعبنا فجّر الثورات واتحرّر
أخرج الغاصبين للأرض قد طهّر”
هنا تتغير لغة النص.
في المقطع الأول كان الحديث عن الأجداد والسدود والقصور؛ أما الآن فيصبح الفعل فعلًا سياسيًا وتاريخيًا: “فجّر”، “تحرر”، “أخرج”.
ويضع الشاعر الشعب في مركز هذه الأفعال.
“شعبنا فجّر الثورات”، أي أن الثورة، في سردية الأغنية، ليست مجرد حدث وقع في التاريخ، وإنما فعل شعبي حملته الجماهير التي خاطبها في البداية، وكأن الذاكرة التي بدأت بالأجداد تنتهي مؤقتًا عند أبناء اليمن الذين قرروا تغيير حاضرهم.
ثم يأتي “اتحرّر”، ليمنح الثورة نتيجتها المباشرة: الخروج من واقع القهر إلى الحرية.
وفي هذا السياق تلتقي ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أسقطت الحكم الإمامي في شمال اليمن وأعلنت الجمهورية، مع ثورة 14 أكتوبر 1963 التي انطلقت من ردفان ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، بوصفهما محطتين مركزيتين في سردية التحرر اليمنية الحديثة.
ولهذا لم يكن الجمع بين سبتمبر وأكتوبر في عنوان الأغنية مجرد اختيار موسيقي؛ بل كان جوهر الفكرة التي يقوم عليها النص.
“وأعلن الوحدة الكبرى”.. حلم يتجاوز حدود الثورة
ثم يصل النص إلى واحدة من أكثر عباراته دلالة:
“وأعلنا الوحدة الكبرى فلن يُبقر”
فالقصيدة لا تتوقف عند الحديث عن الثورة والتحرر، وإنما تنتقل إلى الوحدة بوصفها امتدادًا لذلك النضال.
كلمة “الوحدة”، هنا تأتي في قلب النص، بعد أن جمع الشاعر سبتمبر وأكتوبر، وكأن الثورتين في البناء الشعري ليستا مسارين منفصلين، وإنما طريقان يصبان في تصور واحد لليمن.
أما وصفها بـ”الكبرى”، فيمنح الوحدة معنى يتجاوز مجرد الجمع الجغرافي؛ إنها، في تصور النص، اكتمال لفكرة الوطن التي بدأت من “أرضنا الغالية”، وانطلقت من “سبأ ومعين وحمير”.
وتكشف هذه العبارة عن مبكرية حضور فكرة الوحدة في الأغنية الوطنية اليمنية؛ إذ تشير مصادر تناولت تجربة الجبري إلى أن “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”، جاءت في سياق التأكيد على وحدة النضال اليمني وتكامله بين الشمال والجنوب.
“كم هزمنا العِدى”.. ذاكرة المعركة لا ذاكرة الانقسام
يقول الشاعر:
“كم هزمنا العِدى في كرنا والفر”..
بعد التاريخ والحضارة والثورة والوحدة، يستحضر النص ذاكرة المواجهة.
“الكر والفر”، تعبير مستمد من لغة المعارك؛ حركة تقدم وتراجع، مواجهة ومناورة، وهي صورة تجعل النشيد أقرب إلى الهتاف الجماعي الذي يمكن أن تتردد كلماته في ساحات الاحتفال أو على ألسنة الجنود والجماهير.
لكن اللافت أن الشاعر لا يحدد “العدو”، باسم أو منطقة، وإنما يترك الكلمة في صورتها العامة.
وبذلك يضع التركيز على الفعل الجماعي والانتصار، لا على إعادة إنتاج تفاصيل الصراع.
وهنا يعود الإيقاع الشعبي الذي ارتبطت به الأغنية ليخدم مضمونها؛ فالموروث الغنائي والزامل في اليمن لم يكن بعيدًا تاريخيًا عن التعبئة الجماعية.
ولهذا فإن استعارة هذا اللون تمنح الكلمات قدرة إضافية على الوصول إلى الجمهور والترديد الجماعي. وتذكر مصادر تناولت النص أن لحنه ارتبط بالموروث الشعبي والزامل اليمني.
“يا شباب نقّبوا بالعلم والمَخبر”.. حين تنتقل الراية من الثورة إلى المستقبل
بعد أن يستعرض الشاعر الماضي والحاضر، يتغير المخاطَب:
“يا شباب نقبوا بالعلم والمَخبر”..
هنا تبدأ المرحلة الأهم في النص.
فالشباب الذين كانوا في الأغاني الوطنية السابقة رمزًا للمستقبل، يصبحون في هذه الأغنية قوة عمل واكتشاف.
“نقبوا” كلمة تنتمي إلى عالم البحث والتنقيب؛ البحث عما تختزنه الأرض من ثروات، لكنها تحمل أيضًا معنى أوسع: لا تتركوا ما في اليمن من إمكانات مجهولًا أو معطلًا.
ثم يأتي “العلم” ليحدد الأداة.
ليست الثورة في هذا المقطع بندقية فقط، وليست حماية الوطن في الميدان وحده؛ فهناك معركة أخرى في المعرفة والإنتاج واكتشاف الموارد.
ويقول:
“الجبال بالمعادن في اليمن تزخر“..
هنا تتغير صورة الجبل. فالجبل الذي ظهر في الذاكرة اليمنية باعتباره حصنًا وموقعًا للنضال، يتحول إلى مستودع للثروة.
إنه انتقال رمزي من “جبل الثورة” إلى “جبل التنمية”.
وهذه نقلة مقصودة في بنية الأغنية: إذا كان جيل الثورة قد دافع عن الأرض، فإن الجيل الذي يأتي بعده مطالب باكتشاف ما تختزنه هذه الأرض من إمكانات.
“ازرعوا في ريفنا الأخضر”.. الثورة التي تصل إلى الحقل
ثم يذهب النص إلى الريف، ويقترب الخطاب أكثر من الحياة اليومية:
“يا شباب ازرعوا في ريفنا الأخضر
صدّروا خيرنا من بحرنا والبر”
هنا تبلغ فكرة البناء ذروتها.
“ازرعوا” هنا ليست مجرد دعوة زراعية. إنها دعوة إلى الإنتاج وفعل حياة في الوقت نفسه.
واللافت أن الشاعر لا يطلب من الشباب أن يحموا الوطن فقط، بل أن يجعلوا منه وطنًا منتجًا.
ثم تنتقل الأغنية إلى الريف الأخضر. الريف في النص ليس هامشًا منسيًا، وإنما جزء من مشروع الوطن، والزراعة ليست نشاطًا اقتصاديًا فقط، وإنما أحد وجوه الاستقلال والاعتماد على الذات.
لكن الشاعر لا يتوقف عند الاكتفاء:
“صدّروا خيرنا من بحرنا والبر”
أي أن اليمن، في مخيلة النص، لا ينبغي أن يكون مستهلكًا لخير الآخرين، وإنما بلدًا قادرًا على إنتاج خيره وتصديره عبر البحر والبر، وأن تجعل من إنتاجها مصدرًا لحضورها الاقتصادي.
ويبدو البحر والبر في هذا البيت كأنهما بوابتان يخرج عبرهما خير اليمن إلى العالم.
وهنا تكتمل صورة المستقبل التي تريد الأغنية رسمها: علم، واكتشاف، وزراعة، وإنتاج، وتصدير.
فالثورة في هذا الجزء لا تُقاس فقط بما أسقطته، وإنما بما ستبنيه.
وهنا تكتمل رحلة الأغنية:
من أجداد “بنوا للسدود”، إلى شعب “فجّر الثورات”، إلى شباب “ينقبون بالعلم” و”يزرعون”، ثم “يصدّرون الخير”.
إنها ليست مجرد قصيدة عن الثورة؛ إنها تصور متكامل لليمن الذي تريده الكلمات: وطنًا حرًا، موحدًا، منتجًا، ومتصالحًا مع تاريخه.
محسن الجبري.. شاعر الجمهورية وصوت الذاكرة الشعبية
وراء الكلمات يقف الشاعر والإعلامي الراحل محسن محسن الجبري، أحد الأسماء المرتبطة مبكرًا بالإذاعة والإعلام الشعبي في اليمن.
وتذكر مصادر يمنية أنه عُيّن عام 1963 مديرًا عامًا لمصلحة الإذاعة، قبل أن ينتقل إلى عدن بعد أحداث نوفمبر 1967، ثم يعود إلى صنعاء عام 1973 ويتولى منصب مدير عام الفنون بوزارة الإعلام.
كما عاد عام 1982 إلى العمل الإذاعي والتلفزيوني، وارتبط اسمه لاحقًا ببرنامج “صور من بلادي”.
وهذا المسار يفسر جانبًا من طبيعة “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”: شاعر يعمل داخل الإذاعة والفنون، ويعرف الجمهور من خلال الصوت الشعبي والبرنامج الإذاعي، فيكتب نشيدًا لا يبدو بعيدًا عن أذن الناس ولغتهم وإيقاعاتهم.
علي الرداعي.. لحن من الموروث بصوت الجمهورية
أما صوت الأغنية فهو الفنان علي محمد الرداعي، الذي ارتبط اسمه بالأغنية الوطنية وبالموروث الموسيقي اليمني.
وتقوم الروايات المتداولة حول العمل على علاقة فنية طويلة بين الرداعي والجبري، وعلى صياغة لحن استفاد من الموروث الشعبي اليمني، ولا سيما الإيقاع الصعدي، ثم جرى تطويره ليصبح أكثر سرعة وحيوية، ويقترب من إيقاع المارش العسكري.
وتكتسب تجربة الرداعي أهمية خاصة في نشيد “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”؛ لأن العمل لا يقوم على لحن حديث منفصل عن الذاكرة الشعبية، وإنما يأخذ من الإيقاع اليمني مادة أولية، ثم يعيد صياغتها بما يمنح النص سرعة وحيوية وقابلية للترديد.
وبذلك التقت ثلاثة عناصر في عمل واحد: كلمة وطنية مباشرة، ولحن مستند إلى الموروث، وصوت قادر على حمل النص إلى الجمهور.
لقاء جمع الكلمة واللحن والأداء في وظيفة واحدة: تحويل الذاكرة الوطنية إلى صوت جماعي.
“يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”.. أغنية تبدأ من الماضي ولا تنتهي فيه
في نهاية المطاف، تبدو “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر” أشبه بخريطة مختصرة لفكرة الوطن كما أرادتها الأغنية الوطنية اليمنية في زمنها.
تبدأ من “الجماهير”، ثم تحرس “الديار”، وتعود إلى “سبأ ومعين وحمير”، وتتوقف عند السدود والقصور، قبل أن تصل إلى الثورة والتحرر، ثم تفتح الباب أمام “الوحدة الكبرى”.
وبعد كل ذلك، لا تضع الأغنية نقطة النهاية عند جيل الثورة، بل تقول للشباب: “نقبوا”، “ازرعوا”، “صدّروا”.
وبين هذه الأفعال الثلاثة تختصر الأغنية رؤيتها لليمن: تاريخ يُصان، وثورة تُحفظ قيمها، ومستقبل لا يُبنى إلا بالعلم والعمل.
وهنا تكمن واحدة من أهم رسائلها.
الثورة، في منطق الأغنية، ليست حدثًا يُحتفل به كل عام ثم يُعاد إلى الماضي؛ إنها نقطة انطلاق. وما يثبت قيمتها ليس عدد المرات التي نردد فيها اسمها، وإنما ما يفعله أبناؤها بالوطن الذي قامت من أجله.
لهذا تبدو اللازمة الأولى: “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”، وكأنها نداء من الماضي إلى الحاضر.
أما اللازمة الأخيرة، حين تعود الكلمات إلى الجماهير نفسها، فتبدو كأنها تذكير بأن الأرض التي ورثها اليمنيون من أجدادهم، والثورات التي خاضها آباؤهم، لا تكتمل حكايتها إلا حين يتحول ذلك الإرث إلى علم وعمل وإنتاج ومستقبل.
لهذا، حين يعود صوت “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر” في موسم سبتمبر، فإنه لا يستعيد لحنًا قديمًا فقط؛ بل يستعيد سؤالًا ظل مفتوحًا منذ أن خرجت الثورة من لحظتها الأولى إلى فضاء الجمهورية:
ماذا يفعل أبناء الوطن بميراثهم الأكبر؟
فالأغنية التي بدأت بمناداة الجماهير، تنتهي في جوهرها بمنحهم المسؤولية؛ أن يبقى الوطن الذي حمله الأجداد في الذاكرة، والثوار في الميدان، حاضرًا في يد الأجيال التي جاءت بعدهم.
- في حضرة الثورة.. سلسلة حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
في حضرة الثورة.. حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
الحلقة (1): في حضرة الثورة| “دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
“دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
الحلقة (2): في حضرة الثورة| “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
في حضرة الثورة | “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
الحلقة (3): في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية
في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية
الحلقة (4): في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة
في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة
الحلقة (5): في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن
في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن
الحلقة (6): في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية
في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية
الحلقة (7): في حضرة الثورة | “نحن الشباب”.. الأنشودة التي حملت راية الجمهورية إلى جيل المستقبل
في حضرة الثورة | “نحن الشباب”.. الأنشودة التي حملت راية الجمهورية إلى جيل المستقبل
الحلقة (8): في حضرة الثورة | “يا جماهير سبتمبر وأكتوبر”.. معزوفة وطنية تختزل وفاء محسن الجبري للثورة
في حضرة الثورة | يا جماهير سبتمبر وأكتوبر.. معزوفة وطنية تختزل وفاء محسن الجبري للثورة
ظهرت المقالة في حضرة الثورة | يا جماهير سبتمبر وأكتوبر.. معزوفة وطنية تختزل وفاء محسن الجبري للثورة أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.
كلمات: الشاعر محسن الجبري
غناء: الفنان علي الرداعي
الألحان: من التراث اليمني