من مطابخ القرى إلى خنادق تعز.. قوافل الأهالي تسند الجيش والمقاومة الشعبية
أهلي
منذ 4 أيام
مشاركة

يمن مونيتور/وحدة التقارير/ من محمد عبدالقادر اليوسفي

يقف الرجل الريفي «غالب المعافري» بجوار شاحنته الصغيرة، يتفقد أكياس الدقيق والأرز وعبوات المياه قبل أن تتحرك القافلة باتجاه جبهة الكدحة، لم يكن يملك كثيرًا ليقدمه، لكنه وضع ما استطاع جمعه من أبناء قريته على الشاحنة، ثم صعد إلى المقعد الأمامي: «هذه المواد من بيوتنا، ومن تعب الناس هنا، ومن قوت أولادنا»، يقول المعافري، قبل أن ينظر إلى الطريق المؤدي إلى الجبهة ويضيف: «نحن لا نستطيع أن نقاتل جميعًا، لكن نستطيع أن نقف مع الذين يقاتلون».

خلف شاحنة المعافري، كانت سيارات أخرى تتحرك بالاتجاه نفسه، محملة بالمواد الغذائية والمياه والمستلزمات الإيوائية، حيث يلخص المشهد علاقة ظلت قائمة بين ريف تعز وجبهاته. فعندما اشتدت المواجهات في مقبنة والكدحة وجبل حبشي، ثم امتدت إلى المخا والوازعية، بدأت القرى والعزل في جمع ما تستطيع وإرساله إلى المقاتلين والصامدين.

قافلة الكدحة

في 13 سبتمبر، سيّر أبناء عزلة الصنة بمديرية المعافر قافلة «الوفاء الغذائية» إلى المرابطين في جبهة الكدحة، وحملت مواد غذائية ومياه شرب ومستلزمات إيوائية. وجاءت القافلة في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تصعيدًا عسكريًا، لتعيد إلى الواجهة مشهدًا يتكرر في تعز: قرية تجمع ما تستطيع، ثم ترسله إلى رجالها في خطوط المواجهة.

يقول عبدالله نعمان، مواطن مشارك في القافلة، لـ«يمن مونيتور»: «لم نطلب من الناس مبلغًا كبيرًا، قلنا لكل واحد: أعطِ ما تستطيع. واحد جاء بكيس أرز، وآخر بدقيق، وثالث اشترى ماء، وآخر صنع الكعك، وفي النهاية وجدنا أنفسنا أمام قافلة كاملة. نحن نعرف أن الجبهة تحتاج هذه الأشياء كل يوم، ولذلك لم نرد أن ينتظر المقاتلون حتى تنتهي مؤونتهم».

وفي اليوم التالي، وصلت قافلة أخرى من المعافر إلى الجبهة، وحملت الدقيق والأرز والسكر والمياه والبسكويت والطحينية والبطانيات والحليب، وفق شهادات حصلت عليها «يمن مونيتور». هذه التفاصيل الصغيرة تكشف طبيعة الاحتياجات التي تحاول القوافل تغطيتها، فالمقاتل في الموقع المتقدم يحتاج إلى الطعام والماء والغطاء، كما يحتاج إلى الإحساس بأن هناك من يتذكره خلف الجبل.

حمدان السبائي، مقاتل في الكدحة، يقول لـ«يمن مونيتور»: «عندما تصل القافلة، أول شيء نشعر به أن الناس يتذكروننا. قد تكون المواد الغذائية بسيطة، لكن وصولها في وقت القتال له معنى آخر. تعرف أن الرجل الذي أرسل كيس الدقيق من قريته يفكر فيك، وأن الأسرة التي ساهمت بالماء تعرف أن أبناءها موجودون هنا، هذا بالذات يرفع المعنويات كثيرًا».

ولا تتوقف دلالة القافلة عند محتوياتها، فالطريق من القرية إلى الجبهة يحمل معه وقتًا وجهدًا ومخاطر، بينما تحتاج عملية الجمع إلى تنسيق بين الأهالي والوجهاء والسلطات المحلية. ولهذا تبدو القافلة في صورتها النهائية كحصيلة مساهمات صغيرة اجتمعت في مكان واحد، ثم سلكت طريقًا واحدًا نحو الجبهة.

الريف يمد الجبهة

في 12 سبتمبر، وصلت قافلة غذائية من مديرية المظفر إلى أبناء مقبنة والمرابطين في جبهاتها، وفق رصد «يمن مونيتور» في هذا التقرير. وتكشف هذه المبادرات أن الدعم لا يتجه إلى المقاتلين وحدهم في كل الحالات، إذ تتقاسم بعض القوافل هدفين متلازمين، وهما مساعدة المرابطين وإسناد الأسر التي تعيش بالقرب من خطوط المواجهة وتتحمل آثار التصعيد.

يوسف مفيد، مواطن من المظفر، يقول لـ«يمن مونيتور»: «نحن بعيدون عن بعض مواقع القتال، لكننا نسمع أخبارها كل يوم. عندما قيل لنا إن هناك حاجة للغذاء في مقبنة، بدأ الناس يسألون: ماذا نستطيع أن نقدم؟ لم تكن هناك جهة واحدة دفعت كل شيء، كل بيت ساهم بشيء، ومن مجموع الأشياء خرجت القافلة».

وفي 18 سبتمبر، سيّر أبناء مديرية المواسط «قافلة الصمود والوفاء» إلى جبهات اللواء 35 مدرع في الصلو، بمشاركة شخصيات اجتماعية ومسؤولين وقيادات عسكرية. وجاءت القافلة بعد مبادرات أخرى شهدتها المحافظة، ما يعكس استمرار هذا النوع من التعبئة الاجتماعية حول الجبهات.

هشام علي، أحد أبناء مديرية المواسط، يقول لـ«يمن مونيتور»: «الصلو ليست مكانًا بعيدًا عنا، هناك أهلنا وأقاربنا وأبناء منطقتنا. عندما نجهز القافلة، نحن نرسلها إلى أشخاص نعرف أسماءهم ونعرف عائلاتهم، ولهذا يتعامل الناس معها وكأنها مسؤولية تخص كل القرية».

قائد جبهة الصلو العقيد أمين البريهي، تحدث عن أثر القوافل في رفع معنويات المقاتلين، فيما أشارت تقارير إلى تكرار الزيارات والمبادرات الشعبية للجبهة. وبين المبادرة والأخرى، يتضح أن العلاقة بين الجبهة والقرية علاقة اجتماعية تمتد من الأسرة إلى المقاتل الموجود في الموقع المتقدم.

مبارك عبدالقادر، مقاتل في الصلو، يقول لـ«يمن مونيتور»: «أصعب شيء على المقاتل أن يشعر أن الناس نسوه. عندما تأتي القافلة، حتى لو كانت بسيطة، يتغير شيء في داخلك. تتذكر أنك خرجت من قرية، وأن هناك أطفالًا وأمهات وآباء ينتظرون أن تعود. تشعر أن تعبك له معنى عند الناس الذين تركتهم خلفك».

القرية خلف أبنائها

أسماء العزل والمديريات التي ظهرت في القوافل الأخيرة تقول الكثير عن طبيعة هذا الدعم: الصنة، الأعلوم، المواسط، المعافر، المظفر وغيرها. كل اسم منها يمثل مجتمعًا صغيرًا يعرف أبناءه الموجودين في الجبهة، ويعرف أسرهم، ويعرف الظروف التي خرجوا منها، لذلك تتحول المساهمة الفردية إلى عمل جماعي عندما تبدأ الدعوة لجمع المواد وإرسالها.

أم نجود، إحدى المشاركات في قافلة غذائية لجبهة الصلو، تقول لـ«يمن مونيتور»: «لا نملك فلوسًا كثيرًا، لكننا أرسلنا ما كان موجودًا في البيت. قلت لزوجي: إذا كان الرجال هناك يحتاجون الطعام، فنحن نستطيع أن نشارك بما لدينا. قد تكون مساهمتنا صغيرة، لكنها عندما تجتمع مع مساهمات بقية الأسر تصبح شيئًا يستطيع الناس أن يروه ويصل إلى الجبهة».

وتحمل القوافل في داخلها صورة مختلفة عن الحرب لا تظهر دائمًا في بيانات المعارك وأرقام الخسائر. هناك مزارع يقتطع جزءًا من محصوله، وصاحب متجر يضيف كيسًا من الأرز، وشاب يساعد في التحميل، وسائق يقضي ساعات على الطريق، وأسرة تضع بعض المواد في السيارة، ومن هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل قافلة تمثل منطقة كاملة.

الجندي حمدان، ممن استقبلوا القافلة الغذائية في الكدحة، يقول: «نحن نعرف أن الذين أرسلوا هذه المواد يعيشون ظروفًا صعبة مثلنا، لذلك عندما تصل القافلة، نشعر بمسؤولية أكبر. هؤلاء الناس لم يأتوا من مكان بعيد، هم أهلنا ويريدون منا أن نصمد، ونحن نعرف أن وراءنا أسرًا وقرى تنتظر نهاية هذه الحرب».

لكن استمرار هذا النوع من الدعم يحتاج إلى تنظيم حتى لا يتحول عبء الحرب إلى عبء إضافي على الأسر الفقيرة، فالقوافل الأكثر فاعلية هي التي تحدد الاحتياجات بدقة، وتنسق عملية الجمع والنقل، وتعرف الجهة المستفيدة، وتحافظ على وضوح ما جرى جمعه وإيصاله. بهذه الطريقة، يبقى التضامن الشعبي وسيلة مساندة للمقاتلين والمدنيين المتضررين دون استنزاف المجتمعات التي تعيش أصلًا تحت ضغط اقتصادي كبير.

وفي نهاية الطريق، عندما تصل الشاحنات إلى الجبهة وتبدأ عملية تفريغ الأكياس والصناديق، تنتهي رحلة طويلة بدأت في قرية صغيرة، لكن القصة لا تنتهي هناك. فكل كيس دقيق يحمل معه يدًا ساهمت، وكل عبوة ماء تحمل اسم أسرة، وكل شاحنة قطعت الطريق تختصر علاقة ممتدة بين الريف والجبهة. وفي تعز، حيث تتداخل الجغرافيا مع الحرب، تحاول القرى أن تقول بطريقتها: أبناؤنا في الميدان، ونحن خلفهم.

The post من مطابخ القرى إلى خنادق تعز.. قوافل الأهالي تسند الجيش والمقاومة الشعبية appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية