حين تصبح الذاكرة جبهة مقاومة
حزبي
منذ 4 ساعات
مشاركة

صحيفة الثوري – تقرير ثقافي

في الحروب، لا تُستهدف المدن والطرقات وحدها؛ تُستهدف أيضًا ذاكرة الناس. فحين ينهار بيت تاريخي، أو يُنهب متحف، أو تضيع مخطوطة، أو يُعاد تشكيل كتاب مدرسي لخدمة سلطة الأمر الواقع، لا يخسر اليمنيون شيئًا من الماضي فحسب، بل يُنتزع جزء من حقهم في رواية تاريخهم بأنفسهم.

لهذا لا تبدو حماية الثقافة ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد توقف المدافع. إنها جزء من مقاومة الحرب نفسها؛ لأن المجتمع الذي تُمحى ذاكرته يصبح أكثر قابلية لإعادة التشكيل بالقوة، وأقل قدرة على تخيل مستقبل مشترك. وفي بلد شديد الثراء والتعدد مثل اليمن، تتجاوز المعركة حماية الحجارة القديمة إلى حماية الأغنية واللهجة والحكاية والحرفة والزي والطقس الاجتماعي، وكل ما صنعه اليمنيون عبر قرون من التفاعل والاختلاف.

بلد كامل في أرشيف العالم

تُظهر خريطة التراث حجم ما يملكه اليمن وحجم الخطر المحدق به. فاليمن يضم خمسة مواقع على قائمة التراث العالمي: مدينة صنعاء القديمة، ومدينة شبام المسوّرة، ومدينة زبيد التاريخية، وأرخبيل سقطرى، ومعالم مملكة سبأ القديمة في مأرب. وتوضح بيانات مركز التراث العالمي أن أربعة منها مواقع ثقافية، إلى جانب سقطرى بوصفها موقعًا طبيعيًا فريدًا. كما تضم القائمة التمهيدية عشرات المواقع الأخرى، من عدن وتعز والمخا وتريم وسيئون إلى جبلة وشهارة وبراقش والمصاطب الزراعية اليمنية.

هذه القائمة ليست سجلًا سياحيًا. إنها صورة مكثفة للتنوع اليمني: مدينة جبلية بنت أبراجها من الطين والآجر، ومدن حضرمية ارتفعت عموديًا في الصحراء، ومراكز علمية وتجارية على ساحل تهامة، ومعابد وسدود تروي تاريخ الدولة والماء في مأرب، وأرخبيل يتمتع بتنوع طبيعي استثنائي.

وتقدم صنعاء القديمة مثالًا واضحًا على العلاقة بين المعمار والذاكرة الاجتماعية. فوفق توصيف اليونسكو، ظلت المدينة مأهولة أكثر من 2500 عام، وتضم آلاف المنازل البرجية ومساجد وحمّامات وبساتين داخل نسيج عمراني متماسك. غير أن قيمة هذه المدينة لا تختزل في عدد مبانيها؛ فالبيت الصنعاني نتاج معرفة تراكمت في اختيار المواد المحلية، وتوزيع الضوء، ومقاومة المناخ، وتنظيم العلاقة بين الأسرة والحي والسوق والبستان.

حين يتضرر هذا البيت، لا يفقد اليمن واجهة مزخرفة فقط. يفقد حلقة من سلسلة المعرفة التي تصل البنّاء بالقضّاض، والنجار بصانع القمرية، والأسرة بحيّها. لذلك قد يكون اختفاء الحرفي التقليدي، في بعض الأحيان، أشد خطرًا من تصدع الجدار؛ إذ يمكن ترميم جدار إذا بقيت المعرفة، أما إذا ماتت الحرفة أو هاجر أصحابها فلن يبقى من الأصالة سوى محاكاة شكلية.

أربعة وجوه للخطر

ألحقت سنوات الصراع أضرارًا مباشرة بمعالم تاريخية ومبانٍ ومتاحف، لكن القصف ليس الوجه الوحيد للأزمة. ويمكن قراءة التهديد الثقافي في أربعة مسارات متداخلة.

أولها التدمير المباشر بفعل العمليات العسكرية، حيث تتحول المدن والمباني التاريخية إلى ضحايا للسلاح أو لاستخدام المواقع ومحيطها في الصراع. وقد أدرجت اليونسكو صنعاء القديمة وشبام على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر عام 2015، فيما ظلت زبيد على تلك القائمة منذ عام 2000. وعند تسجيل معالم مملكة سبأ في مأرب عام 2023، أُدرجت في الوقت نفسه على قائمة الخطر، في إجراء عاجل يلفت إلى التهديدات التي تواجهها.

وثانيها النهب والاتجار غير المشروع بالآثار والمخطوطات. فالفوضى، وضعف المؤسسات، وتعدد سلطات الأمر الواقع تفتح مسارات لخروج القطع من سياقها التاريخي وتحويلها إلى سلع. والقطعة المنهوبة لا تفقد مكانها المادي فقط؛ تفقد المعلومات التي يمنحها موضع العثور عليها وصلتها بما حولها. وحين تصل إلى سوق مجهولة المصدر، يصبح استعادتها وإثبات ملكيتها أكثر صعوبة.

وثالثها الإهمال والتوسع العمراني والترميم غير المنضبط. فالأسمنت، والتعديلات العشوائية، والبناء داخل المساحات التاريخية، واختفاء البساتين، وضعف الصيانة الدورية، كلها تغير روح المكان حتى إن بقيت بعض واجهاته. وتشير اليونسكو في وصف صنعاء إلى ضغوط التطور العمراني الحديث، وتآكل المساحات المفتوحة، وخطر ممارسات الترميم الخاطئة على أصالة المدينة.

أما الوجه الرابع فهو الأخطر والأقل ظهورًا: إعادة صياغة الذاكرة العامة وفق رواية أحادية. يحدث ذلك عندما تُقدَّم جماعة أو سلالة أو منطقة باعتبارها صاحبة الحق الحصري في تمثيل اليمن، وتُهمَّش بقية التجارب أو تُمحى من المناهج والخطاب العام. هنا تتحول الثقافة من مجال للاعتراف بالتعدد إلى أداة للفرز السياسي والاجتماعي.

لا تحتاج عملية الطمس دائمًا إلى هدم نصب أو إحراق كتاب. يكفي أحيانًا تغيير أسماء الأمكنة، أو انتقاء حقبة واحدة لتكون بداية التاريخ ونهايته، أو تحويل المناسبات الثقافية إلى طقوس تعبئة، أو إحلال أناشيد الحرب محل الأغنية التي تجمع الناس. فالسيطرة على الحاضر تظل ناقصة ما لم تستولِ القوة المهيمنة على الماضي أيضًا.

اليمن ليس رواية واحدة

تكمن قوة الثقافة اليمنية في أنها لا تستقر داخل قالب واحد. فلصنعاء غناؤها وعمارتها وإيقاعها الاجتماعي، ولحضرموت أنغامها وشعرها ومدارسها في البناء، ولعدن ذاكرتها البحرية والمدينية المتصلة بالمحيط الهندي وشرق أفريقيا وجنوب آسيا، ولتهامة رقصاتها وألوانها، ولتعز وإب ولحج ويافع ومأرب والجوف وصعدة والمهرة وسقطرى أصواتها وتقاليدها المتباينة.

هذه التعددية لا تُضعف الهوية الوطنية؛ إنها مادتها الحقيقية. فالوطن ليس نسخة مكبرة من ثقافة منطقة واحدة، بل المساحة السياسية التي تضمن لجميع الثقافات المحلية حقها في الظهور والتطور والتبادل. وكل مشروع يحاول توحيد اليمنيين بمحو اختلافهم ينتهي، في الواقع، إلى تمزيقهم.

وتبرز الأغنية في هذا السياق بوصفها أرشيفًا شعبيًا لا يقل أهمية عن الوثيقة المكتوبة. الأغنية الصنعانية، واللحجية، والحضرمية، والعدنية، والتهامية، وأهازيج العمل والأعراس والمواسم، تحمل ذاكرة اللغة والتحولات الاجتماعية والهجرة والحب والمدينة والريف. وتنتقل معها طرائق الأداء وصناعة الآلات وسياقات الاستماع. وحين تنقطع هذه السلسلة، لا تضيع ألحان فقط، بل تتراجع قدرة المجتمع على تذكر نفسه خارج لغة الحرب.

أما الحكاية الشفوية والأمثال واللهجات، فهي تحفظ تجارب الفئات التي لا تظهر عادة في سجلات السلطة: النساء والفلاحين والبحارة والحرفيين والمهاجرين والعمال. ولذلك فإن جمع الروايات الشفوية ليس نشاطًا فولكلوريًا هامشيًا، بل تصحيح لاختلال الأرشيف الرسمي الذي يبالغ في حفظ أخبار الحكام والمعارك ويهمل حياة الناس.

الذاكرة الحية تقاوم

على الرغم من قسوة المشهد، لم يقف اليمنيون متفرجين على خسارة تراثهم. فقد واصل معماريون وحرفيون وباحثون ومصورون وناشطون توثيق المباني والقطع والنقوش، كما عملت مبادرات محلية ودولية على ترميم مواقع وتدريب الشباب وتوفير فرص عمل مرتبطة بصون التراث.

ومن النماذج اللافتة برنامج «النقد مقابل العمل» الذي ربط حماية المباني التاريخية بتوفير فرص عمل للشباب. أهمية هذا النهج أنه يحرر التراث من صورته النخبوية؛ فالترميم هنا لا ينقذ مبنى فحسب، بل يعيد تشغيل سلسلة اقتصادية من البنّائين والحرفيين والموردين، وينقل الخبرة إلى جيل جديد. إن أفضل حماية للمكان هي أن يصبح بقاؤه جزءًا من مصلحة المجتمع اليومية.

لكن المبادرات المتفرقة، على أهميتها، لا تعوض غياب سياسة وطنية. فما يحتاجه اليمن هو الانتقال من إنقاذ طارئ إلى بنية دائمة لحماية الذاكرة، تعمل حتى في ظل الانقسام، ولا تخضع أرشيفاتها لسلطة طرف سياسي أو عسكري.

نحو أرشيف وطني رقمي مفتوح

يمكن أن تبدأ الخطوة العملية بمشروع «أرشيف الذاكرة اليمنية»، بوصفه منصة عامة مستقلة وموزعة تقنيًا، تحفظ نسخًا رقمية عالية الجودة من الصور والوثائق والمخطوطات والتسجيلات الصوتية والأفلام والخرائط وشهادات التاريخ الشفوي.

ولا ينبغي أن يكون المشروع مجرد موقع يكدس الملفات، بل مؤسسة معرفية لها قواعد واضحة. تبدأ الأولوية بحصر المجموعات المعرضة للخطر في المتاحف والمكتبات العامة والخاصة، ثم رقمنتها وفق معايير موحدة، وتسجيل بيانات المصدر والملكية والتاريخ والمكان، وحفظ نسخ احتياطية مشفرة في أكثر من موقع جغرافي.

ويجب أن يحترم الأرشيف حقوق العائلات والمجتمعات المحلية وأصحاب المجموعات، وألا يحول الرقمنة إلى باب جديد للاستحواذ. بعض المواد يمكن إتاحتها للجميع، وبعضها يحتاج إلى وصول مقيد لحساسيته أو لحماية أصحابه أو لمنع الاتجار بالقطع. كما ينبغي أن تعمل المنصة بالعربية، مع مساحة للهجات واللغات المحلية، وألا تُختزل في مركز واحد يحتكر تعريف ما يستحق الحفظ.

ويمكن للجامعات والصحف والمؤسسات الثقافية أن تؤدي دورًا مباشرًا. فكل صحيفة قديمة، وصورة لحي تبدلت ملامحه، وتسجيل لفنان رحل، ورسالة شخصية تضيء حقبة عامة، هي مادة محتملة للأرشيف. وتستطيع الصحافة أن تنقل موضوع التراث من صفحات المناسبات إلى التحقيق: من ينهب؟ من يبيع؟ كيف تُمنح تراخيص البناء؟ أين سجلات المتاحف؟ وما مصير القطع المفقودة؟

الثقافة شرط للسلام

لا يمكن بناء سلام مستدام بذاكرة منتصر ومهزوم. فإذا جاءت التسوية السياسية لتثبت رواية طرف واحد، فإنها ستنقل الحرب من الجبهة إلى المدرسة والمتحف والمنبر. السلام الحقيقي يحتاج إلى ذاكرة تتسع للضحايا والتجارب المتعددة، وتفصل بين الاعتراف بالتاريخ وبين تحويله إلى امتياز سياسي دائم.

ومن هنا تصبح حماية التراث جزءًا من العدالة الانتقالية. فتوثيق ما دُمّر ونُهب، والتحقيق في المسؤولية، واسترداد القطع، وتعويض المجتمعات، وإعادة تأهيل المؤسسات الثقافية، كلها أعمال تمنع الإفلات من المحاسبة وتعيد للناس ملكيتهم الرمزية لبلادهم.

كما ينبغي أن تشمل أي عملية سلام تعهدًا صريحًا بتحييد المتاحف والمكتبات ودور العبادة والمدن التاريخية، وإنشاء سجل وطني موحد للقطع والمواقع، وتجريم الاتجار غير المشروع، ودعم الحرفيين، وإعادة الثقافة والفنون إلى المدارس. فالأطفال الذين لا يعرفون إلا أناشيد التعبئة يحتاجون إلى أن يسمعوا البلاد في تعدد أصواتها.

المعركة على ذاكرة اليمن ليست حنينًا إلى زمن ساكن؛ إنها معركة على الحق في المستقبل. فالشعب الذي يحمي قصصه وأغانيه ومدنه ومخطوطاته يحمي قدرته على مقاومة الرواية المفروضة، وعلى تخيل دولة لا تقوم على الغلبة، بل على المواطنة والاعتراف المتبادل.

الحجارة يمكن أن تُرمم، والمخطوطات يمكن أن تُرقمن، والقطع المنهوبة يمكن أن تُلاحق؛ لكن الشرط الأول هو أن يدرك اليمنيون أن الثقافة ليست هامشًا للحياة الوطنية. إنها المكان الذي يتعلم فيه المجتمع من يكون، وكيف يختلف من دون أن يتحول اختلافه إلى حرب. وحين تُحمى الذاكرة بوصفها ملكًا عامًا، تصبح الثقافة واحدة من أكثر جبهات المقاومة هدوءًا وأبعدها أثرًا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية