يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص
لم يعد النزوح بالنسبة إلى كثير من الأسر في عدد من المحافظات اليمنية الواقعة على خطوط التماس، رحلةً واحدة تنتهي بالوصول إلى مكان آمن، بل تحول إلى دائرة متكررة تبدأ بالخوف، ثم مغادرة المنزل، والبحث عن مأوى، قبل أن تعود الأسرة إلى الطريق مجددًا عندما يقترب الخطر من مكان نزوحها.
وفي مناطق من غرب تعز، تحولت المواجهات المتجددة إلى سبب دائم لتحرك الأسر من منطقة إلى أخرى، في مشهد يختصر حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، خصوصًا النساء والأطفال، الذين يجدون أنفسهم في كل مرة أمام السؤال ذاته: أين يمكن أن يكون المكان الآمن؟
النزوح المتكرر يُربك الاستجابة الإنسانية
يقول الناشط المجتمعي فهد المعمري، الذي يتابع ويرصد أوضاع النازحين في مديرية الشمايتين، إن كثيرًا من الأسر “لا تنزح لمرة واحدة”، وإنما تضطر إلى الفرار من مكان إلى آخر كلما تجددت المواجهات أو فقدت مناطق نزوحها السابقة الأمان.
وأوضح المعمري لـ”يمن مونيتور”، أن كثيرًا من الأسر لم تعد تنزح لمرة واحدة، بل تضطر إلى الانتقال من مكان إلى آخر كلما تجددت المواجهات أو أصبحت مناطق نزوحها السابقة غير آمنة، الأمر الذي يزيد من حجم معاناتها ويعقّد جهود الاستجابة الإنسانية.
وأشار إلى أن التعامل مع النزوح المتكرر يتطلب تحديثًا مستمرًا لبيانات النازحين، وعدم الاكتفاء بتسجيل عملية النزوح الأولى، مشددًا على أهمية أن تتضمن قواعد البيانات الأسر التي نزحت أكثر من مرة، ومواقع نزوحها السابقة والحالية، وعدد أفرادها، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
وأكد أهمية وجود قاعدة بيانات ديناميكية ومحدثة بصورة مستمرة، بالتنسيق بين الوحدة التنفيذية والسلطة المحلية والمنظمات الإنسانية، لضمان عدم سقوط الأسر النازحة حديثًا، أو التي تعرضت للنزوح للمرة الثانية، من قوائم الاستجابة والمساعدات.
وفيما يتعلق بإيصال المساعدات الإغاثية العاجلة، أوضح أن أبرز العقبات تتمثل في سرعة حركة النزوح مقارنة بسرعة الاستجابة الإنسانية، مشيرًا إلى أن بعض الأسر تضطر إلى مغادرة منازلها خلال ساعات، وتصل إلى مناطق جديدة وهي لا تحمل معها سوى القليل من احتياجاتها الأساسية.
وبحسب المعمري، تمثل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق بسبب الأوضاع الأمنية وتدهور الطرق وتباعد القرى، إلى جانب محدودية الإمكانيات المتاحة للاستجابة السريعة ونقص المساعدات مقارنة بحجم الاحتياج، تحديات إضافية أمام جهود الإغاثة.
ويرى المعمري أن المطلوب اليوم ليس انتظار وصول النازحين ثم البدء في الاستجابة لهم، وإنما التحرك قبل موجات النزوح، من خلال تحديد أماكن آمنة للاستقبال وتجهيزها بالمياه والغذاء والمأوى والخدمات الصحية والحماية، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة.
نداء استغاثة
بدورها، أعلنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن (Ex.U.IDPs) عن تسجيل 9,746 أسرة نازحة، تضم 68,338 فردًا، في ست محافظات حتى 10 سبتمبر 2026، جراء استمرار التصعيد العسكري والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.
وأوضح التقرير الموحد للوحدة التنفيذية أن حركة النزوح شملت محافظات الحديدة وتعز ولحج وعدن وأبين وشبوة، حيث تصدرت محافظة تعز قائمة المحافظات المستضيفة بأكبر عدد من النازحين، بواقع 5,799 أسرة تضم 40,710 أفراد، موزعين على 12 مديرية.
وجاءت محافظة لحج في المرتبة التالية بـ2,132 أسرة، تضم 14,923 فردًا، أو 14,924 وفق الجدول التفصيلي، ثم الحديدة بـ1,471 أسرة تضم 10,297 فردًا، إضافة إلى أبين بـ228 أسرة و1,596 فردًا، وعدن بـ104 أسر و728 فردًا، وشبوة بـ12 أسرة و84 فردًا.
وحذرت الوحدة من اتساع الفجوة الإنسانية وتفاقم معاناة الأسر النازحة التي اضطرت إلى ترك منازلها وسبل عيشها دون وقت كافٍ لتأمين احتياجاتها الأساسية، مشيرة إلى غياب تام للاستجابة القطاعية لـ104 أسر نازحة حديثًا في محافظة عدن، مع تسجيل نقص حاد في خدمات المأوى والغذاء والمياه الصالحة للشرب والصرف الصحي.
وأطلقت الوحدة التنفيذية نداء استغاثة عاجلًا إلى السلطات المحلية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات المانحة لحشد الموارد والتدخل الفوري لتقديم المساعدات الإغاثية والمنقذة للحياة، مؤكدة ضرورة تقديم المساعدات الطارئة بالتوازي مع إجراء التقييمات الميدانية، تفاديًا لتدهور الأوضاع الإنسانية للنازحين.
أعداد ترتفع
وفي مديرية المعافر، وصلت أعداد الأسر النازحة، وفق بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، إلى 5,799 أسرة تضم 40,710 أفراد.
ويقول بسام الحداد، مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في المديرية، ليمن مونيتور، إن الفرق والمتطوعين يعملون على استقبال النازحين ورصد بياناتهم وتحديد مناطق قدومهم وأماكن استقرارهم، إلا أن سرعة تطورات الأحداث تجعل مهمة الاستجابة أكثر صعوبة.
ولا يجد كثير من النازحين مركزًا واحدًا يجتمعون فيه؛ فبعضهم يقيم لدى أقارب أو أسر مضيفة، وآخرون يستأجرون مساكن، فيما يلجأ البعض إلى مبانٍ متهالكة أو منشآت عامة، كما يفيد الحداد.
ويضيف في حديث لـ”يمن مونيتور”، أن هذا التوزع يجعل النازح موزعًا بين أماكن متعددة، بينما تحاول فرق الرصد الوصول إليه وتسجيل بياناته، وتسعى المنظمات الإنسانية إلى تحديد أماكن وجوده وإيصال ما تستطيع من مساعدات.
ويتابع: وراء هذه الأرقام، توجد قصص لأسر تحاول فقط أن تحافظ على بقائها؛ طفل ينتظر أن يعود إلى مدرسته، وأم تحاول توفير الطعام والماء لأطفالها، وأب يبحث عن مكان يستطيع فيه تأمين لقمة العيش، وأسرة تحمل معها القليل من ممتلكاتها وهي لا تعرف إن كان المكان الجديد سيكون محطة مؤقتة أم منزلًا آخر ستضطر إلى مغادرته.
مأساة تتكرر
تصل الأسر الفارة إلى العاصمة المؤقتة عدن وهي تحمل أثقال الفقد والتهجير القسري، لتصطدم بواقع معيشي مرير يتجرد من أدنى مقومات الحياة والكرامة الإنسانية.
وتتضاعف أعداد المنسيين خلف الكواليس في الممرات والوديان وأحواش المنازل الضيقة، حيث يغيب السقف المأوى وتُنتزع الخصوصية، ليصبح البقاء مجرد صراع يومي شاق مع درجات الحرارة المرتفعة والغياب التام للخدمات الأساسية.
وقالت الصحفية أمة الرحمن الغفوري، في منشور لها على منصة “إكس”، إن ما يحدث لا يمكن اختزاله من الناحية الحقوقية والقانونية في مجرد “أزمة إنسانية” أو “نزوح طبيعي”.
وأضافت الغفوري أن ما يتعرض له السكان هو “اقتلاع ممنهج واستهداف مباشر للمدنيين يُشكل انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات جنيف”، مشددة على أنها جريمة مستمرة يستوجب الصمت عنها المحاسبة الدولية.
وأوضحت أن استمرار التغاضي الدولي يمنح الضوء الأخضر لإفلات الجناة من العقاب، فيما يظل آلاف الأطفال والنساء يدفعون ثمن الحرب من كرامتهم وأرواحهم.
إن استمرار موجات النزوح الداخلي لا يعني فقط فقدان المأوى، بل يمثل انهيارًا لسبل العيش والأمن والاستقرار لآلاف العائلات. ومواجهة هذه الكارثة المتجددة تتطلب ما هو أكثر من مجرد تقديم المساعدات الإغاثية المؤقتة، بل تستدعي تضافرًا دوليًا وإقليميًا حقيقيًا لإنهاء الصراع من جذوره، وضمان عودة آمنة وكريمة لهؤلاء النازحين إلى ديارهم، وإعادة بناء حياتهم التي حطمتها رغبات أطراف الصراع.
The post نزوح بلا أفق.. أسرٌ يمنية بين رحى الحرب المشتعلة وتجاهل العالم appeared first on يمن مونيتور.