تعز بين تعليمٍ جافّ وثقافة غائبة.. هل يمكن استعادة المدرسة كفضاء للحياة؟
مجتمع إنساني
منذ 17 ساعة
مشاركة

قبل أن يبدأ الدرس الأول، كان بعض طلاب تعز قد أنهوا بالفعل درسًا آخر غير مكتوب: كيف يتجاهلون صوت الرصاص في الطريق إلى المدرسة؟. أحدهم يواصل السير، وآخر يسرع في خطاه، وثالث يلتفت ثم يمضي. هكذا تتشكّل طفولة جيلٍ كامل، فتتداخل الحياة المدرسية مع يوميات الحرب، في مدينة مثقلة بالتوتّر والتحولات العنيفة. في مثل هذا السياق، تتجاوز المدرسة وظيفتها التقليدية باعتبارها مكانًا لتلقّي المعرفة لتغدو أحد الفضاءات القليلة القادرة على إعادة ترتيب التجربة الإنسانية للطلاب، ومنحهم إمكانات للتعبير عن ذواتهم داخل بيئة منظمة، غير أنّ الحياة المدرسية في كثير من المدارس الحكومية في تعز أخذت تتشكل وفق نمط تعليمي ضيّق، تنكمش فيه المساحات الثقافية والفنية التي كانت تمنح الطالب قدرة أوسع على التفكير والتخيُّل، بل حتى القدرة على التعبير.

في الأعوام الأخيرة، تراجع حضور الأنشطة الثقافية في المدارس الحكومية بتعز على نحو ملحوظ. في وقت تتصل فيه هذه الأنشطة ببناء وعي الطالب وتوسيع مداركه؛ إذ تمثل الفنون والآداب والشعر والمسرح والفنون التشكيلية والتراث الشعبي لغات متعدّدة لفهم العالم وإعادة تأويله. بهذه الممارسات، تتشكّل مهارات التفكير النقدي، وتنمو القدرة على الخيال والإبداع، فتتكوّن لدى الطالب شخصية أكثر توازنًا ووعيًا بذاته وبمحيطه الاجتماعي. لكن في تعز، المدينة التي عاشت سنوات طويلة من الحرب، تأخذ هذه الأنشطة بُعدًا يتصل بالتعافي النفسي؛ كي تتحول الممارسة الثقافية إلى فضاء يعيد للطالب علاقته بالحياة ويمنحه إمكانية تحويل التجارب الثقيلة إلى لغة فنية أو تعبير رمزي قادر على احتواء المشاعر.

هذه التحولات التي أصابت الحياة التعليمية في السنوات الماضية دفعت المدارس إلى التركيز على الحصص الدراسية باعتبارها النشاط المركزي داخل اليوم المدرسي، وهو ما أعاد تشكيل العلاقة بين الطالب والمعرفة بطريقة يغلب عليها الطابع التلقيني، أو قُل بشكل جاف. داخل هذا السياق، أصبح الدرس اليومي قائمًا على الشرح المباشر والكتابة والحفظ. في حين تراجعت الأنشطة التي تسمح للطلاب بالمشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة. وفي عام 2025 تحديدًا، بدا حضور الأنشطة الثقافية محدودًا إلى حد كبير داخل المدارس الحكومية بتعز. الأمر الذي انعكس على قدرة الطلاب على التعبير عن أنفسهم وتطوير مهاراتهم الإبداعية، في مرحلة يحتاج فيها كثير منهم إلى مساحات آمنة تساعدهم على استيعاب تجارب الحرب والصدمات النفسية التي رافقت سنوات النزاع، فالتأثير الذي تتركه الأنشطة الثقافية داخل المدرسة يتجاوز تنويع البيئة التعليمية؛ إذ تفتح المجال أمام الطالب للتفاعل مع محيطه المدرسي بطريقة أكثر حيوية، فتعيد صياغة العلاقة بين المعرفة والتجربة اليومية.

في مدارس تعز، يظهر تراجع واضح في حضور الأنشطة الثقافية، حيث تقتصر معظمها على فقرات الإذاعة المدرسية أو فعاليات موسمية بسيطة، بينما يغيب المسرح والفنون والأنشطة الإبداعية عن الجدول اليومي للطلاب. هذا الواقع يحدّ من قدرة الطلاب على التعبير عن أفكارهم ومواهبهم، ويقلّل من فرص تطوير مهاراتهم الإبداعية والاجتماعية. تشهد الطالبة سلوى من مدرسة عائشة على هذه الحقيقة، قائلة: “أيوه، في مدرستنا أحيانًا يكون في أنشطة، مثل الرسم أو إلقاء شعر في الإذاعة المدرسية، مش دائمًا تكون مستمرة، بس لما تحصل تكون حلوة وتكسر روتين الدراسة، ونحس إننا نقدر نطلع مواهبنا قدام زملائنا”. وتصف تجربتها بأنّها تمنح الطلاب شعورًا بالارتياح والتفاعل، بعيدًا عن الجمود الذي تفرضه الحصص التقليدية: “النشاط يكون فيه حركة وضحك بين الطلاب، مش زي الحصة العادية اللي كله شرح وكتابة”. وتُشير إلى أنّ الفن، سواء كان رسمًا أم شعرًا يوفر وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار، خاصة لدى جيل نشأ في ظروف استثنائية، مضيفة: “واحد يرسم أو يكتب شعر يقدر يطلع اللي بداخله بدون ما يحتاج يشرح كثير بالكلام”.

من زاوية المعلّمين، تؤكد بدرية، معلمة في مدرسة الإحسان، أنّ هذا التراجع في الأنشطة الثقافية له أثر مباشر على الطلاب؛ إذ تقتصر معظم المدارس على الحصص الدراسية بوصفها النشاط الأساسي بسبب الظروف الصعبة وقلّة الإمكانات. تقول بدرية: “حضور الأنشطة الثقافية في المدارس في السنوات الأخيرة أصبح ضعيفًا جدًا، فالمدارس تركز فقط على الحصص الدراسية، لذلك اختفت كثير من الأنشطة، مثل المسرح والفعاليات الفنية”. وتُشير إلى أنّ غياب هذه الأنشطة ينعكس على شخصية الطلاب، حيث يفقدون مساحة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويصبحون أكثر ميلًا للانطواء، مشدّدة على الأثر النفسي لهذه الأنشطة: “الطلاب الذين يُشاركون في أنشطة فنية غالبًا يظهر عليهم ارتياح نفسي أكثر؛ لأنّها تساعدهم على تفريغ الضغوط والتعبير عما عاشوه في سنوات الحرب”.

وفي المناطق الريفية المحيطة بتعز، يزداد الوضع صعوبة؛ إذ يكاد حضور الأنشطة الثقافية يختفي تمامًا. يوضح عبد الوكيل الشريحي، معلّم في مدرسة النضال بالمسراخ، أنّ الفجوة بين مدارس المدينة والريف واضحة، حيث تبقى بعض مدارس المدينة محتفظة بحدّ أدنى من الأنشطة الموسمية، بينما يكاد الريف يخلو من هذه الفعاليات. ويشير الشريحي إلى أثر هذا الواقع على الطلاب الموهوبين: “الطلاب الذين يمتلكون مواهب فنّية أو ثقافية يشعرون بالضغط أو الإحباط عندما لا يجدون فرصة لعرض قدراتهم”. ويربط ذلك بعدّة عوامل، منها تدني رواتب المعلمين، وغياب الكوادر المتخصّصة، وتأثير بعض التصوّرات الاجتماعية التي تضيق بالفنون والمسرح، موضّحًا أنّ “الفن لغة الشعوب، وله دور توعوي كبير في محاربة الظواهر السلبية وغرس القيم الإيجابية، كما يظهر في التجربة المصرية التي ساعدت على تعزيز التعايش رغم تعدد الطوائف الدينية“.

تقدم الطالبة خولة شهادة تؤكّد أهمية هذه الأنشطة، معتبرة أنّ المشاركة فيها تمنح الطلاب مساحة أوسع للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، وتُضيف: “المشاركة في نشاط فنّي تكون غالبًا أكثر متعة وحرّية مقارنة بالحصّة التقليدية، كما تُقرّب بعضنا من بعض؛ لأننا نعمل بروح الفريق ونتبادل الأفكار”. وترى خولة أن الفن يُسهم في نشر قيم التفاهم والسلام، وتقريب وجهات النظر بين الأفراد: “التعبير عن المشاعر والأفكار بطرق إبداعية يساعد على فهم الآخرين بشكل أفضل ويقرب وجهات النظر بينهم”.

من جهة إدارية، تؤكّد سميرة، مديرة مدرسة الحياة في تعز، أنّ الأنشطة الثقافية تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء شخصية الطالب، من خلال تطوير مهارات التواصل والتعبير، وتعزيز الثقة بالنفس، وترسيخ قيم التعاون والتعايش داخل البيئة المدرسية: “الأنشطة الثقافية تساعد على تطوير مهارات التواصل والتعبير، وتعزّز الثقة بالنفس، وتُسهم في بناء شخصية الطالب بشكل متكامل”. وتضيف أن هذه الأنشطة تدعم شعور الطلاب بالانتماء والاحترام المتبادل، وتشجع العمل الجماعي داخل المدرسة.

في مجموع هذه الشهادات والتحليلات، يتّضح أنّ غياب الأنشطة الثقافية داخل المدارس الحكومية في تعز، خاصة في عام 2025، أزمة تربوية ونفسية حقيقية، تؤثّر على نمو شخصية الطلاب وقدرتهم على التعبير عن الذات، وتفتح نقاشًا أوسع حول دور المدرسة في إعادة بناء وعي جيل تشكّلت طفولته في سياق استثنائي.

وعند النظر إلى واقع الأنشطة الثقافية في المدارس الحكومية في مدينة تعز، لا سيما في عام 2025، يتضح أنّ حضورها داخل الحياة المدرسية ظلّ محدودًا للغاية، حيث تقتصر غالبًا على فقرات الإذاعة المدرسية، في حين يغيب حضور الأدب والفنون والشعر بوصفها مكونات أساسية داخل الجدول الدراسي. هذا الواقع يفتح نقاشًا أوسع حول موقع الثقافة داخل المدرسة في مدينة خرجت منذ سنوات طويلة من الحرب، حيث يتصل حضور الفنون داخل التعليم بإعادة بناء الوعي لدى جيل تشكلت تجربته الأولى في سياق استثنائي. وبهذه الأنشطة تتكوّن لدى الطلاب القدرة على التفكير النقدي والإبداعي، وتنمو علاقتهم باللغة والجمال والمعنى، فيتحوّل التعليم من عملية نقل معلومات إلى تجربة إنسانية أوسع تُعيد للمدرسة دورها باعتبارها فضاءً لتشكيل الوعي والخيال عند الطلاب، ففي مدينة عاشت سنوات طويلة من الحرب، وما زالت تعيش حصار الحرب مذ عقد من الزمن، تبدو الحاجة إلى هذه الأنشطة الثقافية داخل المدارس الحكومية حاجة جوهرية تتصل بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم.

 

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

The post تعز بين تعليمٍ جافّ وثقافة غائبة.. هل يمكن استعادة المدرسة كفضاء للحياة؟ appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية