يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ الجزيرة الانجليزية
جاء اللقاء الأخير بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذا الأسبوع في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى البلدين.
فقبل أيام قليلة فقط من اجتماع الثلاثاء، سيطر الحوثيون المتحالفون مع إيران على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، ما منحهم سيطرة واسعة على مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية المؤدية إلى قناة السويس.
وأدى هذا التطور إلى إطلاق السعودية حملة جوية في اليمن، بالتزامن مع هجمات متكررة شنها الحوثيون على البنية التحتية النفطية للمملكة.
ويقول محللون إن الرياض تبحث عن دعم للمساعدة في حماية المملكة وتأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر، فيما تبدو مصر شريكاً طبيعياً في هذه المهمة بالنظر إلى اعتماد إيرادات قناة السويس على حركة التجارة البحرية نفسها.
ويحمل تعميق العلاقات بين البلدين انعكاسات مهمة على المنطقة بأسرها، من الحربين في اليمن والسودان إلى علاقات مصر الوثيقة مع الإمارات العربية المتحدة، واتفاقية الدفاع الجديدة التي تربط السعودية بتركيا وباكستان.

أهداف الزيارة
قال عبد المنعم سعيد، عضو مجلس الشيوخ المصري والمقرب من دوائر صنع القرار في القاهرة، للجزيرة الانجليزية إن زيارة ولي العهد السعودي حملت أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية وعسكرية.
وأضاف أن الزيارة جاءت في وقت تعمل فيه إيران، بحسب وصفه، على تصعيد الصراعات الإقليمية عبر وكلائها، وفي مقدمتهم الحوثيون، مشيراً إلى أن تقدم الجماعة يهدد بصورة مباشرة الاقتصاد المصري وقناة السويس.
وشدد سعيد على ضرورة وجود تفكير استراتيجي وعسكري مشترك بين مصر والسعودية، بما يخلق قوة ردع في مواجهة الجماعات المدعومة من إيران، من العراق وصولاً إلى اليمن.
وأضاف أن مصر حريصة على منع إيران وحلفائها من فرض سيطرتهم على المنطقة، ولا سيما على حركة الملاحة في البحر الأحمر، بالنظر إلى ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على قناة السويس.
من جانبه، قال أندرياس كريغ، المحاضر البارز في كلية كينغز كوليدج لندن، إن القاهرة باتت تنظر بصورة متزايدة إلى المنطقة الممتدة من قناة السويس إلى باب المندب باعتبارها فضاءً أمنياً واحداً ومتصلاً.
وأوضح أنه إذا أصبحت البوابة الجنوبية للبحر الأحمر غير آمنة أو غير موثوقة، فإن مصر ستكون عرضة لخسارة حركة الملاحة البحرية والعملات الأجنبية، فضلاً عن تراجع نفوذها الاستراتيجي.
وقال كريغ للجزيرة عبر البريد الإلكتروني: «أعتقد بالفعل أن للقاهرة الآن مصلحة قوية للغاية في إقامة تعاون فعلي وجاد مع السعودية بشأن أمن البحر الأحمر».
«نظام عربي جديد»
وقبيل اللقاء، قال رئيس لجنة الشؤون العربية في مجلس النواب المصري محمد صلاح أبو هميلة للجزيرة إن زيارة ولي العهد السعودي قد تفضي إلى وضع خريطة طريق جديدة للتعاون السياسي والاستراتيجي بشأن عدد من القضايا العربية والإقليمية.
وأضاف أن التحالف بين البلدين يمكن أن يشكل حجر الزاوية في بناء «نظام عربي جديد» أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على حماية مصالحه والدفاع عن قضاياه.
وفي مقدمة هذه الملفات يأتي أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية، إلى جانب القضية الفلسطينية والتطورات في اليمن وليبيا والسودان.
وأكد بيان صادر عن الرئاسة المصرية عقب الاجتماع أن «العلاقات بين مصر والسعودية لا يمكن إلا أن تكون نموذجية في الإطار العربي»، رابطاً في الوقت نفسه بين الأمن المصري وأمن دول الخليج.
وقال طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة، للجزيرة إن السعودية تتحرك بصورة متزايدة ضمن إطار عربي، بعد أن جاءت الاستجابة الأميركية للتصعيد الحوثي دون مستوى ما كانت المملكة تتوقعه.
وكانت تقارير قد أشارت إلى أن السعودية طلبت من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعماً عسكرياً لمواجهة الجماعة المدعومة من إيران، لكن ترامب رفض الطلب. ولم تعلق السعودية أو الولايات المتحدة رسمياً على هذه التقارير.
أمن البحر الأحمر
لم يُعلن خلال الاجتماع أو بعده عن تفاصيل بشأن تعاون عسكري محدد بين مصر والسعودية.
لكن مصر تشارك بالفعل في تحالف تقوده السعودية لأمن الملاحة في البحر الأحمر، جرى إطلاقه في أغسطس/آب، على خلفية المخاوف الدولية من احتمال إقدام الحوثيين على إغلاق باب المندب في وقت كانت فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تتعرض لضغوط شديدة بسبب إيران.
وتؤكد الوثيقة التأسيسية للتحالف أن طبيعته دفاعية بحتة، ولم ينفذ حتى الآن أي عمل عسكري ضد الحوثيين. كما لم تتخذ الجماعة، من جانبها، خطوات لإغلاق حركة الملاحة عقب تقدمها الأخير.
ويرى كريغ أن التعاون العسكري السعودي-المصري يرجح أن يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة البحرية، وحماية السفن التجارية، وتعزيز مستوى التنسيق في أنحاء البحر الأحمر.
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود «سقف صارم للغاية» لمدى استعداد مصر للانخراط داخل اليمن.
وقال: «التفضيل المصري سيكون الدفاع عن المنظومة البحرية من دون أن تصبح القاهرة مسؤولة عن اليمن».
ومن المرجح أن تلعب الذاكرة التاريخية دوراً في تحديد هذا الموقف. ففي ستينيات القرن الماضي أرسل الرئيس المصري جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود المصريين للمشاركة في الحرب الأهلية في شمال اليمن، في تدخل طويل ومكلف أسفر عن خسائر بشرية كبيرة من دون تحقيق نتائج توازي كلفته.
وقال كريغ: «لقد علّم اليمن مصر أن تدخلاً يبدو محدوداً في البداية يمكن أن يتحول بسرعة كبيرة إلى فخ استراتيجي».
تقارب أوسع
ويرى محللون أنه ليس من المستغرب أن يسعى البلدان إلى تعميق تعاونهما في الوقت الراهن. فالحرب مع إيران ليست سوى أحدث الأزمات الإقليمية — وربما أكبرها — ضمن سلسلة من الملفات التي وجدت فيها القاهرة والرياض نفسيهما متقاربتين إلى حد كبير.
وفي يناير/كانون الثاني، قبل اندلاع الحرب بأسابيع، التقى السيسي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة. وقالت الرئاسة المصرية عقب اللقاء إن البلدين يتبنيان رؤى «متطابقة» بشأن حلول الأزمات الإقليمية، تقوم على الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها.
وجرى التأكيد مجدداً على هذا الموقف خلال اجتماع الثلاثاء، إذ شدد الجانبان على أن «أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطراً على الأمن الجماعي لمصر والسعودية وجميع دول المنطقة»، وفقاً للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.
وقال كريغ: «كلا البلدين يشعر بقلق بالغ إزاء تفكك الدول وصعود الميليشيات والحركات الانفصالية والجهات المسلحة من دون الدولة والمدعومة من أطراف خارجية».
وأضاف: «يمكن رؤية ذلك في السودان وليبيا والصومال، وبصورة متزايدة في اليمن».
غير أن هذه الرؤية الاستراتيجية للمنطقة اصطدمت في بعض الملفات بتفضيلات وسياسات أبوظبي.
فاللقاء الذي جمع السيسي والأمير فيصل قبل الحرب جاء بعد أيام فقط من شن السعودية ضربات ضد جماعة انفصالية مدعومة من الإمارات في اليمن، في خطوة فُسرت على نطاق واسع بوصفها رفضاً للسياسة الإماراتية هناك.
كما تواجه الإمارات منذ فترة اتهامات بدعم قوات الدعم السريع في السودان، التي تخوض حرباً مدمرة تحمل تداعيات مباشرة على الأمن المصري. وفي المقابل، دعمت القاهرة جهود السلطات في الخرطوم لمواجهة قوات الدعم السريع واستعادة سيادة الدولة.
وترفض الإمارات الاتهامات بأنها قدمت دعماً عسكرياً أو لوجستياً أو مالياً أو سياسياً لقوات الدعم السريع.
وفي الوقت نفسه، تعد الإمارات، بفارق كبير، أكبر مستثمر في الاقتصاد المصري. ففي عام 2025، تجاوز صافي استثماراتها في مصر أكثر من ضعف استثمارات الولايات المتحدة، التي احتلت المرتبة الثانية بين المستثمرين.
وقال كريغ: «هنا تحديداً تصبح المنافسة السعودية-الإماراتية مسألة صعبة بالنسبة إلى مصر. القاهرة لا تريد أن تجد نفسها مضطرة للاختيار بين السعودية والإمارات».
ويتوقع كريغ أن تعمل مصر بدلاً من ذلك على فصل الملفات عن بعضها؛ فتقف إلى جانب الرياض في القضايا الأمنية، مع المحافظة في الوقت نفسه على علاقاتها الاقتصادية مع أبوظبي.
وأضاف أن الرياض «لا تحتاج من القاهرة إلى مهاجمة أبوظبي علناً»، وإنما تريد منها استخدام موقعها الجغرافي وأجهزتها الاستخباراتية ونفوذها لجعل بعض الاستراتيجيات الإقليمية أكثر صعوبة في التنفيذ.
حدود العمل متعدد الأطراف
دفعت الحاجة السعودية الملحة إلى احتواء تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية المملكة إلى توسيع دائرة شركائها وحلفائها.
ومنذ اندلاع الحرب، وقعت السعودية اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي انضمت بموجبها تركيا إلى إطار معاهدة الدفاع المتبادل الثنائية القائمة بين السعودية وباكستان.
كما نظمت الرياض تحالفاً متعدد الأطراف لأمن الملاحة في البحر الأحمر، وسعت للحصول على ضمانات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ووقعت اتفاقية دفاعية مع أوكرانيا.
لكن محللين يرون أن هذه الخطوات ظلت حتى الآن أقرب إلى الأطر السياسية منها إلى ترتيبات عسكرية فاعلة على الأرض.
فهي لم تنجح في ردع إيران وحلفائها الإقليميين عن شن هجمات مباشرة على المملكة، كما لم تمكّن حلفاء السعودية اليمنيين من احتواء الحوثيين.
وبدا أن اجتماع الثلاثاء ينطوي ضمناً على إقرار بعدم وجود حل عسكري جاهز للأزمة اليمنية في الوقت الراهن.
حيث أعلنت مصر دعمها لـ«الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية».
لكن هذه التحركات قد تقدم في الوقت نفسه مؤشرات إلى طبيعة البنية الأمنية الإقليمية التي يمكن أن تتشكل بعد انتهاء الحرب.
The post إلى أي مدى ستذهب مصر لمساعدة السعودية في تأمين البحر الأحمر؟ appeared first on يمن مونيتور.