بعد المخا وميون.. هل تحول باب المندب من ممر عالمي إلى ورقة مليشيا؟ (مقال)
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

عبدالرحمن بالبيد ـ يمن ديلي نيوز: تنذر سيطرة جماعة الحوثي على مدينة المخا في العاشر من سبتمبر الجاري وأجزاء استراتيجية من باب المندب وميون، بتوسع خارطة انتهاكاتها الملاحية في البحر الأحمر، وتُحوّله من هدف لإطلاق صواريخها ومسيراتها على السفن التجارية، إلى زمام مباشر لفرض ممارساتها الملاحية، وهو الأمر الذي ينقل المعادلة إلى مستوى أكثر خطورة؛ من تهديد الملاحة خارج إطار الممر البحري، إلى الاقتراب المباشر من جغرافيته ومداخله.

ولأجل ذلك خاضت جماعة الحوثي واحدة من أكثر مغامراتها العسكرية كلفة، إذ حشدت قوات بشرية وتعزيزات عسكرية ضخمة، تعكس حجم الضغط المفروض عليها لانتزاع موطئ قدم عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ إذ إنه تحرك يتقاطع مع استراتيجية إيران لاستخدام الممرات البحرية كورقة ضغط في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ووثقت رويترز في تقرير نشرته في يوليو من هذا العام، أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق طريق النفط في البحر الأحمر إذا تعرضت منشآتها لضربة أمريكية، فيما قال مسؤول يمني في التقرير إن الجماعة تسعى إلى محاكاة استراتيجية طهران في مضيق هرمز عبر تعطيل الملاحة في باب المندب.

الخطورة في هذا التحول، أن الجغرافيا التي كانت تمنح اليمن أهميته في حركة التجارة الدولية، قد تتحول اليوم إلى مصدر ضغط عليه، فلا تعد المنطقة مكسبا عسكريا؛ بل ورقة نفوذ إقليمية فارقة، وحين تضاف إليها ذو باب وميون وجزر أخرى يصبح الساحل الغربي جزءا من معادلة أوسع تتصل مباشرة بأمن باب المندب؛ الممر الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الذي يربط المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط، وهو واحد من أهم مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا؛ ولهذا فإن أي اضطراب فيه لن يظل محصورا في حدود الحرب اليمنية فقط.

وقد كشفت السنوات الأخيرة ذلك بوضوح، فمنذ بدء هجمات الحوثيين على السفن التجارية، اضطرت شركات شحن إلى تحويل مساراتها بعيدا عن البحر الأحمر متجهة نحو رأس الرجاء الصالح، ويقول صندوق النقد الدولي إن حركة السفن عبر باب المندب ظلت في 2026 عند نحو نصف مستوياتها قبل هجمات 2023، وفي قرار لجنة السلامة البحرية للمنظمة البحرية الدولية رقم 564 الصادر في دورتها 108، قالت المنظمة البحرية الدولية (IMO) إن المنطقة شهدت، منذ اختطاف Galaxy Leader (السفينة المملوكة عبر شركة بريطانية لرجل الأعمال الإسرائيلي رامي أونغار) في نوفمبر 2023، نحو 50 هجومًا بحريًا خطيرًا ومزعزعًا للاستقرار نفذها الحوثيون ضد السفن التجارية، وأن عددًا من البحارة قتلوا، فيما أصيب آخرون بإصابات غيرت حياتهم، فيما أُفرج عن الطاقم البالغ 25 شخصاً في يناير 2025 بوساطة عمانية، وبقيت السفينة نفسها محتجزة.

ويضاف إلى ذلك، أن كل ميل إضافي تقطعه الناقلة بعيدا عن الممر، وكل يوم إضافي تستغرقه الرحلة، وكل ارتفاع في التأمين والوقود، يتحول في النهاية إلى كلفة تُدفع؛ إذ قالت رويترز في تقرير لها نشر في 2024، إن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر نتيجة هجمات الحوثيين التي تجاوزت 100 هجمة آنذاك، أدى إلى تراجع حركة السفن العابرة لقناة السويس، ما كلف مصر مليارات الدولارات من إيرادات القناة؛ إذ تراجعت في السنة المالية 2023/2024 من 9.4 مليار دولار إلى 7.2 مليار دولار، أي بنحو 23% من إجمالي الإيرادات.

وأكدت المنظمة البحرية الدولية أن هجمات الحوثيين على السفن التجارية تهدد حياة البحارة وأمن الشحن واستقرار سلاسل الإمداد العالمية، وقالت إن تصرفات الحوثيين المتهورة تعرض حياة الأبرياء للخطر، وتعطل إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة لمن هم في أمس الحاجة إليها، وتزيد من تكلفة هذه المساعدات الإنسانية، وتزعزع استقرار المنطقة.

الخطورة في توسعها اليوم، أن وجودها في ميون، الجزيرة التي تقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والتي تتوسط أضيق أجزاء المندب وتقسمه إلى مسارين ملاحيين، يضيف إلى التهديد بعدا جغرافيا واستراتيجيا بالغ الحساسية. وإذا استقر الوجود وتحول إلى بنية عسكرية دائمة فإن الجماعة ستكون أقرب إلى امتلاك ورقة ضغط أوسع على الممر. والممرات البحرية الدولية بطبيعتها لا يمكن أن تصبح رهينة لإرادة جماعة مسلحة، أو تتحول حرية الملاحة إلى امتياز مشروط بالموقف السياسي أو العسكري لأي سبب كان؛ وهو ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار القرار 2722 في يناير 2024، الذي أدان فيه هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، وطالبهم بإيقافها، وكلف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقارير دورية إلى المجلس حولها. ومنذ ذلك الحين، جرى تمديد الطلب بقرارات متعاقبة، كان آخرها في يوليو 2026، بما أبقى ملف الهجمات الحوثية على السفن التجارية موضع متابعة جادة من قبل المجلس.

ولو أعدنا قراءة تداعيات المشهد اليوم، فسنجد أن إغلاق أو تهديد أي طريق رئيسي أمام السفن يدفع شركات الشحن إلى البحث عن البديل، ويزيد مسافة الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين والنقل. لذلك، فإن تداعياته لن تنحصر بإحداث اضطراب لحركة السفن في البحر الأحمر، بل سيضيف ضغطا جديدا على شبكة التجارة والطاقة العالمية التي تمر عبر المنطقة، وسيرفع كلفة أزمة بحرية جديدة على الاقتصاد العالمي.

والمفارقة الأكثر قسوة، أن اليمن نفسه في صدارة المتضررين من الأمر، فكلما اتسع نطاق الخطر حول موانئه وسواحله، تقلصت فرص التجارة والاستثمار، وارتفعت كلفة الواردات والنقل، وقلت المساعدات الإنسانية، وتزايد الضغط على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

الامتداد الأخطر اليوم هو سعي الحوثيين لتحويل جغرافيا المندب إلى مصدر نفوذ دائم، وهذا هو الاختبار الفعلي للمرحلة المقبلة، والإجابة لن تحددها سوى الخطوات القادمة التي ستتبناها الحكومة الشرعية وحلفاؤها، وما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع المندب باعتباره خطاً أحمر لأمن التجارة الدولية، أم سيعرض العالم لاحتكار بحري تفرضه مليشيا؟

ظهرت المقالة بعد المخا وميون.. هل تحول باب المندب من ممر عالمي إلى ورقة مليشيا؟ (مقال) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية