بين خطاب السيادة ومشروع الولاية
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

لو كان الحوثي مجرد قوة وطنية ترفع مطلب السيادة والاستقلال، لكان من الصعب على أي يمني أن يعارض مطالب مثل إنهاء التدخل الخارجي، أو انسحاب القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية، أو تعويض المتضررين من الحرب، أو ترك اليمنيين يقررون مستقبل بلدهم بأنفسهم. هذه مطالب وطنية مشروعة، ونعتقد أن اليمنيين جميعا يتطلعون إليها.

لكن المشكلة ليست في الشعارات التي يرفعها الحوثي، بل في المشروع الذي يقف خلفها.

فالخطر يبدأ عندما تتحول جماعة دينية ـ طائفية إلى سلطة سياسية، وتؤمن بأن لها حقا مميزا في الحكم، أو أن فئة بعينها تمتلك شرعية فوق بقية المواطنين. هنا يصبح الحديث عن السيادة ناقصا؛ لأن السيادة ليست فقط رفض التدخل الخارجي، بل أيضا حق اليمنيين جميعا في اختيار نظامهم وحكامهم دون وصاية دينية أو سلالية أو عسكرية.

وهنا يبرز السؤال الذي يجب ألا نتجاهله: هل يستخدم الحوثي خطاب السيادة ورفض التدخل الخارجي باعتباره موقفا وطنيا نهائيا، أم باعتباره مدخلا لكسب التأييد الشعبي، ثم الانتقال بعد ذلك إلى فرض مشروعه الخاص؟

هذه هي المعضلة الحقيقية.

نحن لا نريد أن نستبدل وصاية خارجية بوصاية داخلية، ولا أن نخرج من هيمنة قوة إقليمية لندخل تحت هيمنة جماعة تحمل مشروعا عقائديا مغلقا. اليمن الذي نريده هو دولة مواطنة، لا دولة طائفة؛ دولة جمهورية، لا دولة ولاية؛ دولة تحتكم إلى الدستور والقانون والانتخابات، لا إلى الحق الإلهي أو القوة المسلحة.

وفي المقابل، فإن الشرعية، رغم كل عيوبها، تمثل من حيث بنيتها السياسية مساحة أوسع للتعدد: أحزاب ومكونات واتجاهات فكرية وسياسية مختلفة. وهذه التعددية يمكن أن تكون أساسا لبناء الدولة الجمهورية الديمقراطية التي يتطلع إليها اليمنيون.

لكن مأساة الشرعية أنها عجزت عن إدارة هذا التنوع وتحويله إلى قوة وطنية موحدة. تحولت التعددية أحيانا إلى صراع مكونات، وغابت القيادة القادرة على جمعها حول مشروع وطني واحد. والأسوأ من ذلك أن قرارها السياسي ظل مرتهنا بدرجات مختلفة للخارج، الأمر الذي أفقدها كثيرا من الإرادة والاستقلالية.

وهذه ليست دعوة للدفاع عن الشرعية كما هي، بل دعوة إلى إصلاحها واستعادة قرارها الوطني.

المعادلة التي نحتاجها اليوم واضحة: نرفض الحوثي لأنه انقلب على الدولة والتوافق الوطني، ونرفض في الوقت نفسه أن تتحول مواجهة الحوثي إلى تبعية للخارج أو إلى شيطنة لكل مطالب السيادة والاستقلال.

نريد دولة تستعيد قرارها من الخارج، وفي الوقت نفسه تحمي مواطنيها من أي جماعة تريد مصادرة قرارهم من الداخل.

السيادة لا تعني أن تحكم جماعة باسمها، والديمقراطية لا تعني أن تستسلم الدولة للخارج. اليمن يحتاج إلى الاثنين معا: دولة مستقلة القرار، جمهورية، ديمقراطية، تعددية، ومواطنة متساوية، لا سلطة طائفة ولا وصاية إقليمية.

 

The post بين خطاب السيادة ومشروع الولاية appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية