الإصلاح واستعادة الدولة.. مسؤوليات الحاضر واستحقاقات ما بعد الحرب - عبدالعزيز الحمزة
حزبي
منذ 10 ساعات
مشاركة

 

 تأتي الذكرى السادسة والثلاثون لتأسيس التجمع اليمني للإصلاح في مرحلة تواجه فيها اليمن تحديات تمس وجود الدولة ونظامها الجمهوري ومستقبل الحياة السياسية. ويضع هذا الظرف الحزب أمام مسؤوليات تتجاوز الاحتفاء بمسيرته إلى مراجعة أدواره وتحديد ما يستطيع تقديمه في معركة استعادة الدولة والاستعداد لليوم التالي للحرب.

تأسس الإصلاح عام 1990 بالتزامن مع قيام الوحدة وإقرار التعددية السياسية، ودخل الحياة العامة عبر العمل الحزبي والمؤسسي. وشارك خلال العقود الماضية في الانتخابات والبرلمان والحكومات والحوارات السياسية، وبنى حضورًا تنظيميًا واجتماعيًا جعله أحد المكونات الرئيسية في الخريطة السياسية اليمنية.

وظل موقف الإصلاح من الدولة حاضرًا في خطابه ومشاركته السياسية؛ فقد عمل في إطار النظام الجمهوري والتعددية الحزبية، واعتمد مؤسسات الدولة مجالًا للمشاركة والتنافس. واكتسب هذا الموقف أهمية أكبر خلال سنوات الحرب، مع ظهور تشكيلات عسكرية وأمنية ومؤسسات أمر واقع خارج البنية القانونية للدولة، وما ترتب على ذلك من تعدد مراكز القرار وإضعاف المؤسسات الرسمية.

أدخل انقلاب جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة في سبتمبر 2014 البلاد في مرحلة مختلفة. فقد انهارت العملية الانتقالية، وسيطرت الجماعة على مؤسسات عسكرية وأمنية ومدنية، وتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة بشأن وجود الدولة وحق مؤسساتها الشرعية في أداء وظائفها.

وقف الإصلاح إلى جانب الحكومة الشرعية والقوى المناهضة للانقلاب، ودفع نتيجة موقفه كلفة سياسية وتنظيمية وبشرية كبيرة. تعرضت قيادات وكوادر من الحزب للاختطاف والملاحقة والقتل، واقتُحمت مقراته وصودرت ممتلكاته في مناطق سيطرة الحوثيين، واضطر عدد من أعضائه إلى النزوح. كما شارك أعضاء وكوادر منتمون إليه في المقاومة والجيش الوطني في عدد من جبهات المواجهة.

ويقتضي ضبط الحديث عن هذا الدور التفريق بين الإصلاح بوصفه حزبًا سياسيًا وبين أعضائه المشاركين في المقاومة والمؤسسات العسكرية والأمنية. تمثل دور الحزب في الموقف السياسي والإعلامي والشعبي الداعم للشرعية، بينما جاءت مشاركة أعضائه في المواجهات من خلال المقاومة والجيش الوطني ومؤسسات الدولة.

فرضت الحرب على الإصلاح، كما فرضت على بقية الأحزاب، واقعًا مختلفًا عن مرحلة المنافسة الانتخابية والعمل البرلماني. فقد تراجعت الحياة السياسية، وتعطلت الانتخابات، وضعفت مؤسسات الدولة، وتقدمت القوى المسلحة على حساب الأحزاب. وأصبح استمرار الحضور الحزبي مرتبطًا بمعركة استعادة الدولة وإعادة المجال السياسي الذي يسمح للأحزاب بممارسة أدوارها الطبيعية.

وتحمل المرحلة الراهنة مسؤولية مباشرة للإصلاح وبقية القوى المناهضة للحوثيين. فقد أظهر مسار الحرب أن تشتت القرار العسكري والأمني، وتضارب المشاريع السياسية، وضعف الحكومة، عوامل أعاقت استعادة الدولة وأضعفت معسكر الشرعية. ويتطلب تجاوز هذه الاختلالات توحيد القرار، وإعادة تنظيم القوات تحت قيادة مؤسسات الدولة، وتمكين الحكومة من أداء مهامها، ومنع استمرار الكيانات الموازية.

ويستطيع الإصلاح الإسهام في هذا المسار من خلال العمل مع الأحزاب والقوى الوطنية، ودعم مؤسسات الدولة، وتوسيع الشراكة السياسية، والمشاركة في صياغة رؤية واضحة للمرحلة المقبلة. كما تقع عليه مسؤولية مراجعة أدائه وخطابه والاستفادة من تحولات المجتمع وأولويات اليمنيين، خصوصًا ما يتعلق بالأمن والاقتصاد والخدمات والحقوق والحريات.

ويبقى الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب أحد أهم الاختبارات أمام الإصلاح والقوى السياسية الأخرى. فاستعادة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ستفتح أسئلة صعبة بشأن إعادة بناء المؤسسات، ودمج التشكيلات المسلحة، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة القضية الجنوبية، واستعادة ثقة المواطنين، وتنظيم مرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات عامة.

وتحتاج هذه القضايا إلى مشروع وطني تتوافق عليه القوى السياسية، ويحدد شكل الدولة وأسس الشراكة وضمانات عدم تكرار الصراع. ويمكن للإصلاح أن يسهم في بناء هذا التوافق من موقعه السياسي والتنظيمي، على قاعدة أن الدولة هي الإطار الجامع، وأن السلاح يخضع لسلطتها، وأن التعددية والانتخابات تمثلان الطريق المشروع للمنافسة وتداول السلطة.

تمنح ذكرى التأسيس الإصلاح فرصة لمراجعة موقعه ومسؤولياته في هذه المرحلة. وسيُقاس دوره بما يقدمه لاستعادة مؤسسات الدولة، وتوحيد القوى المناهضة للانقلاب، وإعداد رؤية واقعية لما بعد الحرب، بما يحفظ الجمهورية ويعيد السياسة إلى مجالها المدني والمؤسسي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية