قبل خمس سنوات من تأسيس التجمع اليمني للإصلاح، وضعت صحيفة «الصحوة» أمام قرائها سؤالين مباشرين: من نحن؟ وماذا نريد؟
في العدد الأول من الصحيفة، الصادر في 11 أبريل 1985، كتب رئيس تحريرها آنذاك، محمد عبدالله اليدومي، افتتاحية بعنوان «أوراق اعتماد»، قدم فيها الفكرة التي قامت عليها الصحيفة ودورها في العمل العام.
جاءت الإجابة عن السؤال الأول: «فنحن أنت»، ثم شرحت الافتتاحية هذا المعنى بقولها: «نحن صوت الحق المكنون في أعماقك»، وحددت موقع الصحيفة بوصفها منبرًا للقارئ ومساحة للتعبير عن رأيه وفكره.
وشمل هذا التعريف المختلف معها في الرأي؛ إذ خاطبته الافتتاحية مباشرة: «نحن أنت، وإن خالفتنا الرأي، أو جانبتنا الوجهة»، مؤكدة أن الاختلاف لا يخرج صاحبه من دائرة الحوار.
أما جواب السؤال الثاني فكان: «وماذا نريد إلا الإصلاح ما استطعنا». وورد الإصلاح هنا بوصفه الغاية التي تحدد توجه الصحيفة، وارتبط بالإنسان والحرية والعدل والشورى والوحدة والكلمة الطيبة والحوار مع المجتمع.
وبعد خمس سنوات، تأسس التجمع اليمني للإصلاح في ظل الوحدة اليمنية والتعددية الحزبية. وانتقلت الأفكار التي عبّرت عنها الصحيفة إلى سياق سياسي منظم، يقوم على العمل الحزبي والانتخابات والمشاركة في مؤسسات الدولة.
ولا تمثل افتتاحية «أوراق اعتماد» وثيقة حزبية؛ فقد صدرت قبل تأسيس الإصلاح. لكنها تكشف جانبًا من الخط الفكري والسياسي الذي عبّرت عنه «الصحوة»، ثم ظهر عدد من مفاهيمه في وثائق الحزب وخطابه بعد عام 1990.
وعرّف الإصلاح نفسه امتدادًا لحركة يمنية في الإصلاح والتجديد سبقت تأسيسه، واتخذ من الآية القرآنية «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت» شعارًا له.
وتتيح المقارنة بين افتتاحية عام 1985 ووثائق الحزب بعد تأسيسه قراءة ما استمر من تلك الغايات، وكيف اكتسبت مضامين سياسية ومؤسسية مع دخول الإصلاح ميدان العمل الحزبي.
الإنسان أساس الإصلاح
وضعت افتتاحية «أوراق اعتماد» الإنسان في مركز رؤيتها، مؤكدة أن «الإنسان أولًا» هو قضيتها الأساسية.
وعند تأسيس التجمع اليمني للإصلاح، ظهر بناء الإنسان ضمن أهداف الحزب، في إطار أوسع يرتبط باستنهاض المجتمع وتوظيف طاقاته في النهضة والبناء والتنمية وإقامة الدولة اليمنية الحديثة.
استمرت الفكرة الأساسية واتسع نطاقها؛ فأصبح الإنسان أساسًا لإصلاح المجتمع والدولة، وارتبط بناؤه بالتعليم والمشاركة العامة والحقوق والمسؤولية.
ويتكرر هذا المسار في أكثر من محور؛ إذ بقيت القيم الأساسية حاضرة، واكتسبت معانيها مضامين تتصل بالحياة السياسية ومؤسسات الدولة.
الشورى والممارسة الديمقراطية
تحدثت «الصحوة» في عددها الأول عن «مجتمع الحرية» و«المسيرة الشوروية». ومع دخول الإصلاح الحياة الحزبية، ارتبطت الشورى بالممارسة الديمقراطية والانتخابات وتداول السلطة والمشاركة السياسية.
وربطت وثائق الحزب الديمقراطية بحق الشعب في اختيار حكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم، ورفض انفراد فئة أو حزب أو شخص بالسلطة.
وانتقلت الشورى بذلك من قيمة عامة إلى ممارسة سياسية تقوم على مؤسسات وأدوات، تشمل التعددية والانتخابات والرقابة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة.
كما اتسع مفهوم الحرية ليشمل الحقوق السياسية والمدنية، ومنها حرية التعبير، والانتخاب والترشح، والمشاركة العامة، وتكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات.
وأصبحت الحرية في الخطاب الحزبي حقًا تحميه القوانين والمؤسسات والretiضمانات الدستورية، بعد أن ظهرت في الافتتاحية الأولى قيمةً أخلاقية واجتماعية.
من العدل إلى دولة القانون
تحدث اليدومي في افتتاحية «أوراق اعتماد» عن «مجتمع العدل»، وربط العدل بالمجالين السياسي والاجتماعي، وبناء مجتمع لا يستعلي فيه ظالم ولا يجد الظلم من يقبله.
ومع تأسيس الإصلاح، اتسع مفهوم العدل ليشمل بنية الدولة وطريقة عمل مؤسساتها. وظهر في وثائق الحزب الحديث عن الفصل بين السلطات وإصلاح القضاء وضمان استقلاله ونزاهته وسيادة القانون.
وانتقل النقاش إلى سؤال عملي يتعلق بكيفية تنظيم سلطات الدولة ومؤسساتها، وضمان الحقوق، ومنع الاستبداد وإساءة استخدام السلطة.
الوحدة مسؤولية سياسية
احتلت الوحدة مساحة واضحة في افتتاحية العدد الأول، التي تحدثت عن «مجتمع الوحدة»، وربطته بتجاوز اعتبارات النسب والموروثات الاجتماعية التي تقسم المجتمع.
وعند تأسيس التجمع اليمني للإصلاح، حافظت الوحدة على حضورها في أهدافه، ونص نظامه الأساسي على تعميق الوحدة اليمنية وضمان استمرارها وحمايتها.
ونقل قيام الوحدة عام 1990 القضية من مستوى الفكرة إلى واقع سياسي يرتبط بالدولة ومؤسساتها وإدارة السلطة. وأصبحت الوحدة مسؤولية سياسية واختبارًا لمواقف الأحزاب وممارساتها، بعدما كانت هدفًا وطنيًا عامًا في الخطاب السابق لقيامها.
الاختلاف وإدارة التعدد
تكشف المقارنة بين البدايات والمراحل اللاحقة جانبًا آخر من تطور الخطاب. ففي افتتاحية العدد الأول، خاطب اليدومي المختلف بقوله: «نحن أنت، وإن خالفتنا الرأي، أو جانبتنا الوجهة»، واضعًا إياه داخل دائرة الحوار.
ومع دخول الإصلاح الحياة السياسية، أصبح الاختلاف جزءًا من واقع حزبي ومؤسسي أكثر تعقيدًا، تتعدد فيه القوى والمواقف والمصالح، ويتعامل الحزب داخله مع شركاء ومنافسين وخصوم.
واكتسبت مفاهيم الحوار والتوافق والشراكة حضورًا أكبر في خطاب الحزب وممارسته السياسية. وأصبح التحدي متعلقًا بإدارة التعدد داخل مؤسسات الدولة والتحالفات السياسية، والوصول إلى مساحات مشتركة مع القوى المختلفة.
وظهرت هذه الفكرة في انتقال الإصلاح بين المشاركة من المشاركة from المشاركة في الحكومات إلى المعارضة، ثم عمله ضمن تكتل اللقاء المشترك الذي جمعه بأحزاب تختلف معه في المرجعيات الفكرية والبرامج السياسية.
الأفكار أمام اختبار السياسة
وضع تأسيس الحزب هذه الأفكار أمام اختبارات العمل السياسي، بما يحمله من انتخابات وتنافس على السلطة وعلاقات متغيرة بين الحكومة والمعارضة.
اختبرت الانتخابات موقف الحزب من تداول السلطة، واختبرت المعارضة قدرته على قبول المنافسة والعمل خارج الحكومة، فيما اختبرت المشاركة في الحكم قدرته على تحويل الأفكار إلى سياسات. كما وضعت تجارب الحوار والتحالف قدرته على إدارة الاختلاف أمام امتحان عملي.
ولا تعني هذه الاختبارات أن الممارسة طابقت الخطاب في جميع المراحل؛ فتقييم ذلك يحتاج إلى مراجعة مستقلة لقرارات الحزب وأدائه ونتائج مشاركته. لكنها تكشف انتقال القيم التي ظهرت في الخطاب المبكر إلى المجال السياسي، حيث أصبحت عرضة للتطبيق والمراجعة والنجاح والإخفاق.
وحافظت الغايات الأساسية على حضورها، فيما اكتسبت المفاهيم والأدوات صورًا أكثر تحديدًا كلما اتسعت تجربة الحزب وتغيرت ظروف اليمن.
خمس سنوات بين الفكرة والتنظيم
تفصل خمس سنوات بين افتتاحية «أوراق اعتماد» وتأسيس التجمع اليمني للإصلاح. وخلالها انتقل التيار الذي عبّرت «الصحوة» عن جانب من أفكاره إلى العمل الحزبي المنظم في ظل الوحدة والتعددية السياسية.
ولا تكمن أهمية الافتتاحية في أنها تنبأت بتأسيس الحزب، وإنما في كشفها عن مجموعة من القيم التي سبقت ظهوره، ثم وجدت طريقها إلى وثائقه وخطابه السياسي.
فالإنسان بقي أساسًا للإصلاح، واتسع مفهوم الحرية ليشمل الحقوق السياسية والمدنية، وارتبطت الشورى بالديمقراطية والانتخابات، وأصبح العدل جزءًا من تصور لدولة القانون، وتحولت الوحدة إلى مسؤولية سياسية، وانتقل قبول المختلف من مخاطبة صحفية إلى اختبار يومي داخل الحياة الحزبية.
وتعود الخاتمة إلى السؤال الذي طرحته «أوراق اعتماد»: ماذا نريد؟ وكانت الإجابة: «الإصلاح ما استطعنا».
وبعد أربعة عقود على صدور الافتتاحية، أصبحت القضية مرتبطة بالكيفية التي اتسعت بها معاني الإصلاح وانتقلت من الخطاب إلى الممارسة في بلد تغيرت أوضاعه وأسئلته.
كان الهدف المعلن واضحًا منذ البداية، أما الطريق إليه فتغير بتغير اليمن وتحولاته، وظلت الممارسة هي المعيار الذي يحدد مقدار اقتراب التجربة من غاياتها الأولى.