يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
تصاعدت حدة المواجهات العسكرية في اليمن خلال يومي الخميس والجمعة، مع اندلاع معارك برية هي الأعنف منذ سنوات بين جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وسط مؤشرات على محاولة الحوثيين تحقيق اختراق جديد في غرب محافظة تعز يتيح لهم الاقتراب من الساحل المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ولا تبدو المعارك، رغم تمركزها في نطاق جغرافي محدود، منفصلة عن الصراع الأوسع الدائر حول البحر الأحمر وممراته البحرية. فالتقدم في المناطق الغربية لتعز قد يمنح الحوثيين قدرة أكبر على تهديد مدينة المخا وممر باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة، في وقت تشهد فيه المنطقة بالفعل اضطرابات واسعة انعكست على حركة الملاحة وأسواق النفط.
وقال العقيد عبد الباسط البحر، وهو ضابط في الجيش اليمني التابع للحكومة في تعز لـ”يمن مونيتور” إن أعنف المواجهات خلال الأيام الأخيرة تركزت في المناطق الغربية من المحافظة، حيث حاول الحوثيون التقدم والسيطرة على مواقع جديدة ذات أهمية عسكرية.
وبحسب البحر، فإن التحركات الحوثية في هذه المنطقة لا يمكن فصلها عن موقع مدينة المخا الساحلية، التي تبعد أقل من 50 ميلاً عن مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مرجحاً أن يكون الوصول إلى المدينة أو الاقتراب منها أحد الأهداف الاستراتيجية للتحركات العسكرية الأخيرة.
ويشكّل باب المندب حلقة الوصل البحرية بين خليج عدن والبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط، وهو ما يجعل أي تحول في موازين السيطرة العسكرية على المناطق اليمنية القريبة منه يتجاوز في تأثيراته حدود الحرب الداخلية، خصوصاً في ظل التوترات التي تشهدها خطوط التجارة والطاقة في المنطقة.

معارك ثقيلة وخسائر مرتفعة
وتشير حصيلة أعدتها وكالة فرانس برس إلى مقتل نحو 129 شخصاً خلال المواجهات الأخيرة، بينهم 66 جندياً من القوات الحكومية و62 مقاتلاً حوثياً، إضافة إلى مدني واحد.
وفي الوقت ذاته، قالت مصادر لـ”يمن مونيتور” إن عشرات المدنيين سقطوا بين قتيل وجريح إثر قصف بصاروخ باليستي حوثي استهدف مطعماً في مدينة المخا، ما يعكس اتساع التداعيات الإنسانية للمواجهات بالتزامن مع انتقال التصعيد من خطوط التماس البرية إلى مناطق مأهولة بالسكان.
وامتدت الاشتباكات إلى التلال والمواقع المحيطة بمدينة تعز، حيث أطلقت القوات الحكومية هجمات مضادة في محاولة لاستعادة مواقع خسرتها خلال التقدم الحوثي، ولا سيما في مديرية جبل حبشي غربي المدينة.
وشنت القوات الحكومية عمليات أخرى في مديريات المعافر ومقبنة والمسراخ في مسعى لمنع الحوثيين من تثبيت مواقعهم الجديدة وقطع الطرق التي يمكن استخدامها لمواصلة التقدم باتجاه الساحل.
ومع اتساع نطاق المواجهات، دفعت الحكومة اليمنية بتعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة، شملت وحدات من قوات “درع الوطن” وقوات “ألوية العمالقة”، في مؤشر على أهمية المعركة بالنسبة للقوات الحكومية والخشية من تحول الاختراقات المحدودة إلى تغير واسع في خارطة السيطرة الميدانية.
وقالت مصادر عسكرية رسمية إن قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري وصل إلى المخا مساء الجمعة، وهو قائد الفرقة الثالثة عمالقة التي قاتلت ضد الحوثيين في 2017 و2018 في الساحل الغربي.
وتتمتع ألوية العمالقة بخبرة قتالية واسعة في جبهات الساحل الغربي، فيما تمثل مشاركة قوات درع الوطن مؤشراً إضافياً على حجم الاستنفار الحكومي لاحتواء الهجوم.
وقال قيادي في المقاومة التهامية لـ”يمن مونيتور” إن عودة “حمدي شكري” إلى جبهة الساحل الغربي يرفع “معنويات المقاتلين المنتمين لمحافظة الحديدة الذي يتوقون للتقدم وتحرير بقية المحافظة من الحوثيين”. وشن الحوثيون هجوماً بصاروخين باليستيين مساء الجمعة على مدينة الخوخة فيما استمرت الاشتباكات حول جبل ديباس الاستراتيجي في مديرية حيس جنوبي المحافظة الاستجراتية.
فيما قالت مصادر لـ”يمن مونيتور” يوم الخميس إن يوسف المداني رئيس هيئة أركان الحوثيين انتقل مع قادة حوثيين إلى محافظة الحديدة لقيادة المعارك ضد القوات الحكومية.

الحوثيون يقللون من أهمية المعارك
وفي مقابل المؤشرات الميدانية على اتساع المواجهات، سعى مسؤولون حوثيون إلى التقليل من أهميتها رغم الخسائر الكبيرة في صفوف الحركة المسلحة.
ووصف محمد البخيتي، المسؤول السياسي في الجماعة، القتال بأنه لا يتجاوز حدود “المناوشات والاشتباكات”، مشدداً على أن أولوية الحوثيين في المرحلة الراهنة تتركز على المواجهة مع السعودية وليس على توسيع الحرب مع القوى اليمنية المتحالفة معها.
وقال البخيتي: «ما زلنا ملتزمين بخفض التصعيد على خطوط المواجهة الداخلية وتفادي توسيع رقعة الصراع».
غير أن حجم القوات المشاركة في القتال واتساع الاشتباكات في غرب تعز، إلى جانب التعزيزات التي دفعت بها الحكومة، يشيران إلى أن القوات الحكومية تتعامل مع التحركات الحالية باعتبارها تهديداً يتجاوز مجرد الاشتباكات الموضعية.
المخا وباب المندب في قلب المعركة
ويعتقد محللون أن القيمة الرئيسية لأي تقدم حوثي في غرب تعز تكمن في إمكانية الاقتراب بصورة أكبر من الساحل ومناطق النفوذ التابعة للقوات الحكومية في المخا والخوخة.
وقال محمد الباشا، مؤسس مركز “تقرير الباشا” للاستشارات والمخاطر ومقره الولايات المتحدة، لوكالة فرانس برس، إن الحوثيين يسعون إلى تعزيز قدرتهم على التأثير في مضيق باب المندب.
وأضاف: «يرى الحوثيون أنهم في حال سيطرتهم على باب المندب أو ميناء المخا، سيكونون في موقف تفاوضي أقوى مع الحكومة والسعوديين».
ويمنح الموقع الجغرافي للمخا أهمية تتجاوز حجم المدينة نفسها؛ فهي تقع على الساحل الغربي لليمن وقريبة من باب المندب، كما تمثل مركزاً رئيسياً للقوات الحكومية في المنطقة الممتدة بين تعز والساحل الغربي.
ويحذر مراقبون من أن نجاح الحوثيين في إحداث اختراق مستدام داخل هذه المنطقة قد يؤدي إلى الضغط على شبكة الإمداد التي تربط جبهات تعز بالساحل، ويفتح أمام الجماعة خيارات عسكرية جديدة باتجاه جنوب البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، قال إبراهيم جلال، كبير الباحثين في برنامج “أدلة وسياسات واتجاهات النزاعات العابرة للحدود”، إن أي تقدم حوثي متواصل في المنطقة يمكن أن تكون له تداعيات أكبر بكثير من السيطرة على عدد من المواقع البرية.
وأوضح في تغريدة على منصة أكس أن استمرار التقدم قد يؤدي إلى “تمزيق شبكة الدفاع” التابعة للقوات الحكومية في محور تعز-الساحل، ويهدد بعزل مدينتي المخا والخوخة عن خطوط التعزيز والإمداد، فضلاً عن توفير مسار بري يمكن للحوثيين من خلاله زيادة الضغط العسكري على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب.
وقد يمتد تأثير ذلك، بحسب جلال، إلى حركة الملاحة في البحر الأحمر نفسها، إذا أصبح الحوثيون قادرين على الجمع بين مواقعهم الساحلية الحالية والضغط البري باتجاه مناطق جديدة قريبة من الممر البحري.
ويرى جلال أن الأولوية العسكرية العاجلة أمام القوات الحكومية تتمثل في إعادة خطوط التماس إلى مواقعها السابقة، وتأمين الممر الرابط بين تعز والساحل، ومنع الحوثيين من الاحتفاظ بموطئ قدم دائم يسمح لهم بمواصلة الضغط باتجاه المخا وجنوب البحر الأحمر.
من الصواريخ والمسيّرات إلى المعركة البرية
ويحمل التصعيد الأخير دلالة إضافية تتمثل في عودة العمليات البرية واسعة النطاق إلى الواجهة، بعدما ظلت المواجهة خلال الأسابيع السابقة تتركز بدرجة أساسية على الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات المرتبطة بالملاحة البحرية.
ومنذ أوائل يوليو/تموز، شهدت جبهات الصراع في اليمن توتراً متزايداً عقب غارات استهدفت مطار صنعاء لمنع طائرة قادمة من إيران، كانت تقل وفداً حوثياً وأشخاصاً يُشتبه في ارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني، من الهبوط في الأراضي الواقعة تحت سيطرة الجماعة.
ورد الحوثيون بإعلان حصار بحري على السعودية وتصعيد الهجمات المرتبطة بحركة الشحن والملاحة في البحر الأحمر، لتنقل التطورات الجديدة مستوى المواجهة مجدداً إلى الجبهات الداخلية.
وظلت خطوط القتال بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، حتى هذا الأسبوع، في حالة من التوتر المحدود نسبياً مقارنة بسنوات الحرب الأولى، رغم استمرار المناوشات والهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة.
لكن المعارك الأخيرة في تعز تشير إلى احتمال تغير هذه المعادلة، ولا سيما إذا تحولت محاولة التقدم الحوثية إلى حملة عسكرية طويلة تستهدف إعادة رسم خطوط السيطرة بين المرتفعات الغربية لتعز والساحل.
معركة يمنية في سياق إقليمي أوسع
ويربط محللون يمنيون توقيت الهجوم بالمشهد الإقليمي المتوتر، وخصوصاً المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وقال المحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري إن التطورات في غرب تعز ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً منفصلاً عن الصراع الإقليمي.
وأضاف: «لا يمكن قراءة هذه المعركة بمعزل عما يجري في الإقليم؛ فالحوثيون يسعون لانتزاع مزيد من الرقع الجغرافية المشرفة على البحر الأحمر».
ويرى الشميري أن الهجمات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لطهران وحلفائها تهدف إلى استعراض القدرة على ممارسة الضغط عبر أكثر من جبهة، ومنح إيران ورقة استراتيجية إضافية إلى جانب مضيق هرمز.
وبهذا المعنى، يكتسب باب المندب أهمية مضاعفة. فالممر البحري لم يعد بالنسبة إلى أطراف الصراع مجرد طريق دولي للتجارة، وإنما تحول إلى إحدى ساحات التنافس على النفوذ والقدرة على التأثير في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
النفط السعودي بين هرمز وباب المندب
وتزايدت أهمية البحر الأحمر لأسواق الطاقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في فبراير/شباط، وما رافقها من اضطرابات شديدة في الملاحة عبر مضيق هرمز.
وعادة ما يشكل هرمز الممر الرئيسي لصادرات الطاقة القادمة من دول الخليج نحو الأسواق العالمية، بما في ذلك جزء كبير من صادرات النفط السعودية، إلا أن التوتر العسكري والإجراءات الإيرانية في المضيق دفعت الرياض إلى الاعتماد بصورة متزايدة على منافذها المطلة على البحر الأحمر.
ويعني ذلك أن أي تهديد إضافي للملاحة عبر باب المندب قد يضع صادرات الطاقة السعودية بين نقطتي اختناق استراتيجيتين في آن واحد: مضيق هرمز شرقاً، والبحر الأحمر وباب المندب غرباً.
وكانت التوترات المتجددة بين الحوثيين والسعودية خلال الشهرين الماضيين قد زادت بالفعل المخاطر التي تواجه هذا المسار، خاصة بعدما أعلنت الجماعة حصاراً بحرياً على المملكة ووسعت تهديداتها ضد حركة الشحن.
وفي حال اقترن التهديد البحري بقدرة عسكرية برية أكبر بالقرب من المخا وباب المندب، فإن الحوثيين قد يحصلون على مجال أوسع لممارسة الضغط على خصومهم، سواء في أي مفاوضات يمنية مستقبلية أو في إطار الصراع الإقليمي المرتبط بإيران.
اختبار لمعادلة الساحل الغربي
وتضع التطورات الجديدة القوات الحكومية أمام اختبار عسكري بالغ الحساسية؛ فالمعركة لا تتعلق فقط بمنع سقوط عدد من المواقع في غرب تعز، وإنما بالحفاظ على شبكة الدفاع والإمداد الممتدة من المدينة إلى الساحل الغربي.
وأي انهيار كبير في هذه الشبكة قد يفتح المجال أمام الحوثيين للضغط على المخا والخوخة، ويعيد رسم جانب من الخارطة العسكرية التي تشكلت على الساحل منذ توقف المعارك الواسعة خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، فإن نجاح القوات الحكومية في استعادة المواقع التي خسرتها وإعادة تثبيت خطوط التماس السابقة قد يحول دون تحول الهجوم الحوثي إلى مكسب استراتيجي مستدام.
ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت المواجهات الحالية تمثل بداية حملة حوثية واسعة باتجاه الساحل، أم محاولة لتحقيق مكاسب ميدانية محدودة وتحسين شروط الجماعة في أي مواجهة أو مفاوضات مقبلة.
لكن المؤكد أن جغرافيا المعركة تمنحها وزناً يتجاوز مساحة المناطق المتنازع عليها. ففي غرب تعز تتداخل خطوط الصراع اليمني الداخلي مع أمن البحر الأحمر، وتجارة الطاقة، والمواجهة السعودية-الحوثية، والتنافس الإقليمي الأوسع مع إيران.
وبينما تسعى القوات الحكومية إلى منع حدوث اختراق جديد، فإن تطور المعركة خلال الأيام المقبلة سيحدد ما إذا كانت جبهة تعز ستبقى إحدى جبهات الحرب اليمنية التقليدية، أم تتحول إلى بوابة لصراع أكبر على الساحل وباب المندب، بما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية استراتيجياً.
The post معارك غرب تعز تفتح جبهة جديدة على باب المندب.. هل تغيّر معادلة السيطرة على جنوب البحر الأحمر؟ appeared first on يمن مونيتور.