غيبة القارئ: كيف تموت الذاكرة؟
مجتمع إنساني
منذ 10 ساعات
مشاركة

يقف الرجل على ناصية أحد شوارع كريتر وعينُه ترمق موضعًا عند مدخل الزقاق. في ذلك المكان أثناء طفولته، كانت تأتي عربة صغيرة محمّلة بالكتب تجوب الشوارع لبيع ما تحمله أو استبداله، يأتي مع والده يأخذ له ما يريد منها، ويعود إلى البيت ليخلو بكتابه. وفي الأسبوع القادم، يفعل الشيء نفسه. بعد سنوات، توقّفت العربة عن التجوال، تلاشت الكتب شئيًا فشيئًا من أيدي الناس، لقد عاصر الحقبتين معًا، مع الكتاب وبدونه. “مجرد ذكريات، ولا أحبّ القدوم إلى هنا بسبب تفجّرها في ذاكرتي”، سنذهب إلى أقرب مقهى لنشرب كوب شاي، ونعرف تلك الذكريات وأشياء أخرى.

بدأ حديثه بـ”الكتب التي قرأتها في صباي تركت في نفسي أثرًا عميقًا لم يفارقني طوال حياتي، تولستوي قال شيئًا كهذا قبل عقود، وقد صدق. ليست مجرد كلمات مكتوبة، هي نوافذ تطلّ على عوالم أخرى أوسع من الشارع، من الحي، من النزاع نفسه. وطفل اليوم لا يعرف سوى ما تراه عينه إما في الواقع، وإما في المواقع. وعلى اتساع المواقع ورحابة عالمها، تظلّ سيئة، وضررها على الطفل أكثر من نفعها بكثير، وليست مثل صفحات قصة (أليس في بلاد العجائب) بالتأكيد، على أية حال هذا ما وصلنا إليه”.

  • طيّب، ماذا كان قبل هذا الحال يا صديقي؟

أخذ رشفة من كوبه وبدأ يحكي: “لفهم كيف كانت القراءة حاضرة في عدن، يمكننا الحديث عن واحدة من أقدم مكتباتها. هناك خلف بريد كريتر، لا تزال موجودة مكتبة للطفل، وأعني بـ”لا تزال” أنها متماسكة منذ 1919م، فقد تأسست في ذاك الوقت، والهدف منها تثقيف الجنود البريطانيين وسميت بـ laka library. وفي 1963م، تحوّلت إلى مكتبة عامة لكل الشعب، وخاصّة الطفل.

في العام نفسه، توفي صحفي ومثقف من أبناء الشيخ عثمان، يدعى محمد سعيد مسواط، أحد رواد القصة القصيرة، وسُميت فيما بعد باسمه. وفي العقد الماضي، تعرضت لإغلاقات عدّة، ولكنها عادت للحياة بصعوبة، ولا تزال تحاول الصمود أمام زحف التغيرات الهائلة، وتُعرف اليوم بمكتبة مسواط للطفل”.

  • حسنًا، ولكن ما علاقة المكتبة بما نريد الحديث عنه؟

“عفوًا، أخذتني الذكريات…”، وضع كوبه على الطاولة، وأخذ نفسًا: “في أحياء عدن اليوم تختلط رائحة البحر برائحة الحافة وازدحام الطرقات، ويكبر الأطفال بين صخب الحياة اليومية وأصداء صرخات الماضي. ومع ذلك، هناك عالم آخر لا يعرفه كثير منهم، عالم الكتب، صفحاتها البيضاء الحاملة لأحلام الغد، وذكريات الماضي، وفهم أوسع للحاضر. ومع ذلك، لا تجد مَن يشجع الطفل على قراءة كتاب. الطفل لا يتحمل مسؤولية إقباله على القراءة. من يتحملها المجتمع والأسرة والمدرسة، كل هذه المنظومات عليها أن تتظافر لتُقرّب الكتاب من الطفل أكثر، ولا أريد الخوض في ثنائية الكتاب والهاتف مرة أخرى، فما تراه أمامك يكفي. ألديك أطفال؟”.

  • ليس بعد، ولكن أقاربي لديهم، وأفهم ما تقصده.

“الحمد لله، لدي ثلاثة، وكما يقول أحمد خالد توفيق: إنهم شياطين صغيرة. لدي مكتبة كبيرة ورثتها من والدي، وأضفت عليها طوال 20 عامًا ما استطعت من الكتب، لأي شخص سَويّ -أزعم ذلك- هي جنة، ولكن لا يقترب منها أحد. حاولت مع أكبرهم، وهو في الحادية عشرة، أن يقرأ شيئًا لكنه يرفض. تعطيه أمه الهاتف ماذا تنتظر!؟”

  • كأنك تعطيه جزرة بدل الحلوى!.

“بالضبط يا صديقي، بين ثنايا أي كتاب هناك تجارب ومشاعر وصراعات، أحلام وآمال تحملها كل صحفة، وتعبّر عن شخص ومجتمع كتبوا عن أنفسهم، وثقّوا حياتهم، أخبروا الناس عنهم، فخلّد الكتاب ذكرهم، وظلّت ذاكرتهم موجودة بيننا، ولولا الكتاب، لماتت الذاكرة ورحلوا من غير رجعة. الكتاب هو ذاكرة الإنسان التي لا تموت. ولكن ماذا لو لم نجد تلك الكتب أصلًا؟ كيف سنعرف الآخرين؟ وماذا سيبقى منهم؟.

أن تصغر مساحة القراءة يا صديقي في أي مجتمع يعني تقلّص ذاكرته الجمعية، ويذهب ذاك المجتمع إلى ما يشبه الموت السريري. يتحرّك داخله الناس، لكنه من غير حياة، لا يتقدّم ولا يتطوّر؛ لأنه محصور داخل نفسه، ولم يتعرّف على عوالم أخرى جديدة تُعيد إليه الحياة. القراءة هي قبلة الحياة لأي مجتمع وفرد شارف على الانطفاء، فماذا لو حُرم الطفل من اكتشاف تلك التجارب والعوالم؟”.

  • جيد، هذا كلام جيد، دعني أسألك إذن كيف يمكن للقراءة أن تُعيد الروح لمدينة على مشارف الموت؟ وهل يصنع تداول الكتاب شيئًا في حيوات المجتمع؟

“قبل الإجابة على سؤالك، تذكرت شيئًا عند قولك: ما علاقة المكتبة…؟ وحان وقت قوله. ما قلته هي محاولة لتأريخ القراءة في هذه المدينة. المكتبة هي نُقطة يمكن الوقوف عندها والمضي معها في تأريخ القراءة لأي مكان. فإذا كانت المكتبة عامرة بالكتب والزوّار فهذه مدينة تقرأ، وغير ذلك يعني أن القراءة تلفظ أنفاسها بين شوارع تلك المدينة. صحيح أنّ القراءة تطوّرت في السنوات الأخيرة، ليعتمد الناس على القراءة الإلكترونية، ولكن تظلّ المكتبة وفعاليات الكتب رمزية عن نبض المدينة الثقافي. وكما يقول ألبرتو مانغويل: (المكتبات هي أوعية للذاكرة الإنسانية)، وإذا لم تكن للمدينة ذاكرة كيف ستعيش؟.

ومكتبة مسواط التي ذكرتها تعاني كثيرًا، لم أزرها مؤخّرا، ولكنها في حاجة ماسة إلى دعم حقيقي ومستدام، يضمن عودتها منارة للمعرفة كما كانت. المكتبة رئة المدينة والحي، فإذا ما أصابها شيء تأثّر كل ما حولها، وهذا ليس كلاما إنشائيا منمّقا، أنت ترى الحال الذي صرنا إليه، الحالة المعرفية أقصد، فهي التي تؤثر على بقية المجالات شئنا أم أبينا”.

  • لم تجب عن سؤالي، هل يمكن لفعل القراءة أن يحيي مدينة؟

“ما ذكرته فيه طرف من إجابة، ولكن سأفصّل أكثر، في البداية علينا الإيمان بأهمية الفعل، وهذا في كل شيء، المؤمن لا يصل. وعند الحديث عن فعل القراءة، فإنّ التجربة البشرية، والشواهد التاريخية، والتكليف الشرعي، الكل توارد على أن القراءة قنطرة العبور من حال إلى حال، مع تفاعلات أخرى بالتأكيد، لكن القراءة هي رأس الرمح وعتبة الدخول، وقد أدرك البعض في عدن ذلك، فماذا لو كان الكتاب بيد طفل؟! وقراءة الطفل بالأخص ليست رفاهية، ولا ترفاً فكرياً تقوم به طبقة مخملية لديها وقت فراغ طويل، بل هو واجب إنساني وحقّ أساسي للأطفال وأداة فعالة للتعافي النفسي والاجتماعي.

أعود فأقول، عندما أدرك البعض ذلك جيدًا بدأ بالتحرك، فظهرت عدد من المبادرات تقوم على نشر ثقافة القراءة بين الأطفال، ضعيفة، ومتواضعة تلك المبادرات، لكنها المتاح وما يستطيعه القوم، ويكفي أنها قامت عكس التيار السائد غير المهتم.

ومن تلك المبادرات حملة “أطفال عدن يقرؤون“. أطلقتها مجموعة شبابية ضمن مشروع “يلا نسوي شيء“، تضمّنت مسابقات حكواتي، وعروضاً مسرحية صغيرة، وجوائز تشجيعية للأطفال في المدارس الابتدائية، هكذا الإنجازات العظيمة تبدأ بخطوات بسيطة لا تُرى كحركة جناحي فراشة.

كذلك تقوم منظمة “اليمن تقرأ Yemen Reads” بتعزيز الثقافة والمطالعة وإعادة فتح الحوار المجتمعي حول القراءة كحقّ أساسي بإنشاء أكشاك قراءة وجلسات للأطفال والشباب والنساء، ونشرت الكتب في المجتمع، مستهدفة جميع الفئات العمرية، منها الطفل. هذه المحاولات تساعد على خلق فضاء للتنشئة الثقافية، وغرس الفكرة فيما لو جادت السحُب بالمطر، كانت الغرسة هناك ننتظر. هدف الرمية الواحدة تحريك المياه الراكدة، وهذا ما تقوم به الحملات والمبادرات من هذا النوع. تجعل الطفل يكتشف نفسه والعالم حوله بالكلمات والقصص”.

  • ولكن على هذا المنوال، نحتاج إلى وقت طويل جدًا.

“ربما، ولكن خطوة في الطريق خيرٌ من لا شيء، التغيير يكون باستدامة الفعل فقط، وهو ما فعلته عدد من المجتمعات بعد نكابتها”.

  • تفعل ماذا؟ تقرأ؟

نادى صاحب المقهى لكوب شاي إضافي. رشف رشفة طويلة “نعم تقرأ، قبل النظر في المجتمعات، تذكرت كلمة لبورخيس الأديب الأرجنتيني حين قال: (لو سُلئت عن أهم حدث في حياتي لقلت: مكتبة أبي)، وبالنظر في سير كل عظيم في الشرق والغرب، نجد هذا المعنى حاضرًا، أعني وجود المكتبة في طفولته، واستمرار القراءة في حياته، هذا الفعل المستدام صاغ شخصيات عظيمة أثرت في واقعها وأمدّ تأثيرها بعد وفاتها، ما زالت المكتبات تعرض ما كتبه دوستويفسكي، وتقرأ كثيرا ما قاله كامو في الغريب، ويضحك البعض حزنًا من مقولات أحمد خالد توفيق، وخلفنا بشارعين يقع شارع باسم محمد علي لقمان، أسمعت عنه؟”.

  • ليس كثيرًا، سمعت عنه القليل.

“كغيره من عظماء هذا البلد. على أية حال، كما أخبرتك أن القراءة قنطرة العبور من حال إلى حال، سواء أكانت فعلاً فردياً أم جماعياً. في ألمانيا، أمريكا، اليابان، سنغافورة وروندا بعد الإبادة 1994، كلها تجارب نهضت بعد نكبات وحروب وشرّ مستطير فتك بها لسنوات، وعلى مدار سنوات أخرى قامت بكثير من أفعال التعافي، على رأسها القراءة كعملية إعادة تأهيل نفسي واجتماعي تساعد الجميع، والطفل خاصةً، على فهم نفسه والآخرين، وتمكن المجتمع من الانتقال من فراغ الصراع إلى بناء التماسك والوعي الثقافي وتشييد المستقبل”.

وضعنا أكوابنا الفارعة على الطاولة، وقال: “خلاصة القول، تُعدّ القراءة في مجتمع اليوم إحدى الركائز الأساسية في تشكيل الوعي الإنساني وإعادة إنتاج المعرفة داخل فئات المجتمع، وذلك سيتم بجعلها من ضمن أسلوب الحياة اليومي في البيت والأسرة والمدرسة، أعني القراءة الحرّة والتشجيع عليها، وليست قراءة الامتحانات، وكذا استدامة المبادرات البسيطة وفعاليات الكتاب لتحريك ثقافة القراءة أكثر، وعلى رأس تلك الفعاليات إحياء المكتبات ودورها في بعث مدينة تعاني النزاع منذ سنوات، هذا البلد لا يموت لا تقلق، وكل ما ذكرته إذا اتجه للأطفال، فنحن نصنع مستقبلنا من اليوم”.

  • بالتأكيد، ولولا القراءة، لما كانت هذه الجلسة الماتعة. شكرًا لك، وداعًا.

The post غيبة القارئ: كيف تموت الذاكرة؟ appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية