اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية( أغسطس)
تقارير وتحليلات
منذ 16 ساعة
مشاركة

مقدمة

يرصد هذا التقرير أبرز التطورات المتعلقة باليمن خلال النصف الثاني من أغسطس/آب 2026، كما تناولتها تقارير وتحليلات صادرة عن مصادر دولية، في ظل تداخل التطورات الداخلية مع التحولات الإقليمية المرتبطة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وعلاقات إيران بحلفائها في المنطقة. ويتناول التقرير التحركات العسكرية والسياسية لجماعة الحوثي، واتساع نشاطها خارج اليمن، خصوصًا في الصومال وجيبوتي والسودان، وما يرتبط بذلك من شبكات تهريب وتجنيد وتدريب ونقل الخبرات العسكرية والتقنية، كما يستعرض التقرير التطورات على الجبهات الداخلية، والتحركات الحوثية تجاه الساحل الغربي وباب المندب، واتساع التعبئة والاستعداد العسكري في مناطق سيطرة الجماعة، إلى جانب الدعم والتنسيق الإيراني مع الحوثيين وانعكاسات ذلك على أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وحسابات السعودية والقوى الإقليمية والدولية.

ويخلص التقرير إلى أبرز الاتجاهات التي حظيت باهتمام المصادر الدولية خلال الفترة محل الرصد، ودلالاتها على مسار الصراع ومستقبل التهدئة والتوازنات الإقليمية.

 

أبرز ما جاء في التقارير

  1. تحول الحوثيون من حركة محلية إلى فاعل إقليمي ذي شبكات ممتدة، مع وجود بنية قيادة مخصصة في صنعاء لإدارة التجنيد والتهريب والعمليات الخارجية في أفريقيا، بالتوازي مع تجدد المواجهة مع السعودية وتصاعد الهجمات على المخا.
  2. يُستخدم التصعيد أداةً لتحسين شروط التفاوض أكثر من كونه مسعًى للسيطرة على أراضٍ جديدة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الحوثيين لا يملكون حاليًا القدرة على شن هجوم شامل، بينما تستهدف الضربات والهجمات بالطائرات المسيّرة والضغط على المخا رفع كلفة الوضع القائم وتحويل النفوذ العسكري إلى نفوذ فعلي على المطارات والموانئ والرواتب والإيرادات.
  3. برزت جزيرة ميون بوصفها هدفًا حوثيًا محتملًا في حد ذاتها، وليس مجرد موقع تستخدمه القوات الحكومية لمراقبة باب المندب. وبحكم موقعها عند أحد أضيق أجزاء المضيق، فإن السيطرة عليها قد تجعل تعطيل الملاحة أو تقييدها أكثر سهولة.
  4. يتوسع الحضور الحوثي في أفريقيا عبر التدريب وبناء الشبكات، ولا سيما في العلاقة مع حركة الشباب في الصومال وجهات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية. وتشير المعطيات إلى تدريب ما لا يقل عن 120 عنصرًا من حركة الشباب، وربما ما يصل إلى 400 عنصر، إضافة إلى مساعٍ لإقامة حضور ميداني ونشر معدات مراقبة واتصالات قرب جيليب في الصومال.
  5. قد يكون السودان في طور التحول إلى محطة لوجستية تعمل في الاتجاهين؛ إذ تشير إحدى الوقائع إلى شحنة خرجت من اليمن في مايو/أيار 2026 ربما كانت موجهة إلى جهات سودانية وإلى حماس، بما يفتح الباب أمام احتمال تحول مناطق سيطرة الحوثيين من مجرد مستقبِل للأسلحة إلى نقطة لإعادة توزيعها إقليميًا.
  6. أصبحت المخا نقطة ضغط متعددة الأبعاد؛ فهي تضم وحدات تشارك في اعتراض شحنات السلاح المتجهة إلى الحوثيين، وتمثل قاعدة رئيسية لقوات طارق صالح التي ازداد ارتباطها بالسعودية، كما تشكل اختبارًا عمليًا للترتيبات السعودية الجديدة لأمن البحر الأحمر وباب المندب.
  7. تزداد شبكات الإمداد الحوثية تعقيدًا وصعوبةً في الرصد، مع الانتقال من استيراد أنظمة عسكرية مكتملة إلى استخدام مكونات ومواد ذات استخدام مزدوج تمر عبر التجارة المدنية. ويبرز في ذلك استيراد ما بين 7,500 و8,500 طن من نترات الأمونيوم ومواد كيميائية أخرى عبر جيبوتي بين عامي 2023 و2025، إلى جانب أساليب تمويه شملت إخفاء ذخائر داخل بطاريات شاحنات مزيفة.
  8. الخطر الأبرز هو التصعيد التراكمي؛ فلا تشير المؤشرات الحالية إلى أن أي طرف يسعى مباشرة إلى حرب شاملة، لكن تراكم الضربات المحدودة وعمليات اعتراض الشحنات والتحركات العسكرية، بما في ذلك النشاط غير المؤكد قرب زقر وحنيش، يقلص تدريجيًا مساحة التهدئة ويرفع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
  9. ارتفعت القيمة الاستراتيجية لباب المندب مع زيادة الضغوط على مضيق هرمز، ما جعل صادرات السعودية عبر البحر الأحمر، ولا سيما عبر ينبع، أكثر أهمية وحساسية. كما أضاف تقرير CNN بعدًا سياسيًا أمريكيًا، إذ أشار إلى أن أي اضطراب واسع في تدفقات النفط قد يرفع الأسعار ويخلق ضغوطًا داخلية على الإدارة الأمريكية قبيل انتخابات التجديد النصفي.

 

الحوثيون في أفريقيا: من شبكات عابرة إلى حضور منظم

يشير تقرير صادر عن Century International في أغسطس/آب 2026 إلى تحول نوعي في طبيعة نشاط الحوثيين في القرن الأفريقي، من علاقات تهريب واتصالات متفرقة إلى بنية أكثر تنظيمًا تجمع بين العمليات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية والتجنيد ونقل الخبرات الفنية. ويستند التقرير إلى نحو مئة مقابلة مع مسؤولين ومصادر سرية، إلى جانب صور أقمار صناعية، وبيانات تتبع السفن، وسجلات اتصالات وموانئ، وبيانات مرتبطة بعمليات اعتراض ومصادرة شحنات. ويخلص إلى أن النشاط الحوثي في أفريقيا لم يعد مجرد امتداد لشبكات تهريب مستقلة، بل بات أقرب إلى ملف خارجي منظم تديره الجماعة من صنعاء ضمن هيكل قيادة وتوزيع للمهام.

مركزية إدارة الملف الأفريقي من صنعاء: يذكر التقرير وجود منظومة تنسيق مركزية في صنعاء يُعتقد أنها تعمل تحت إشراف عبد الواحد ناجي أبو رأس، نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين والقائد السابق في القوات الخاصة. وتتوزع مهامها بين العمليات الخارجية، والتواصل مع المجتمعات الأفريقية، والتجنيد، وإدارة شبكات التهريب عبر البحر الأحمر وخليج عدن ومسارات حضرموت والمهرة، إضافة إلى خطوط مرتبطة بإيران وخليج عُمان. وتشير هذه المعطيات إلى قدر أكبر من المؤسسية في إدارة النشاط الخارجي، مع وجود تسلسل قيادي وتقسيم وظيفي للمهام.

العلاقة مع حركة الشباب – من الصفقات إلى التعاون العملياتي: يوضح التقرير أن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية تطورت منذ مطلع عام 2024، بدوافع عسكرية وعملياتية أكثر من كونها أيديولوجية. فقد سعت الحركة إلى تعزيز قدرتها على مواجهة الضربات الجوية والطائرات المسيّرة والحصول على أنظمة مضادة للطائرات وتقنيات أكثر تقدمًا في مجال المسيّرات، بينما سعى الحوثيون إلى تجنيد مقاتلين محليين، وإنشاء حضور ميداني قرب مدينة جيليب، ونشر معدات للاتصالات والمراقبة. ويشير التقرير إلى اجتماع رفيع المستوى عُقد في صنعاء في مارس/آذار 2024، أعقبته زيارات لممثلين حوثيين وشخص إيراني إلى الصومال لمناقشة قدرات الطائرات المسيّرة الانفجارية. ويشير هذا التطور إلى أن العلاقة تتجاوز تبادل الأسلحة نحو بناء حضور ميداني وبنية اتصالات ومراقبة قد توسع المجال العملياتي للحوثيين على الضفة الأفريقية من خليج عدن.

اقتصاد السلاح مقابل المال والتدريب بين الحوثيين وحركة الشباب: بحسب Century International، تشير سجلات تحقيقات إلى أن عناصر مرتبطة بالحوثيين دخلت مناطق خاضعة لسيطرة حركة الشباب في يونيو/حزيران 2024، وقدمت تدريبات في تصنيع العبوات الناسفة، وتعديل الطائرات المسيّرة، وصيانة الأسلحة. كما يقدّر التقرير أن ما لا يقل عن 120 عنصرًا من الحركة تلقّى تدريبات في مناطق سيطرة الحوثيين داخل اليمن، بينما أشار أحد الوسطاء الموقوفين إلى أن العدد قد يصل إلى 400 شخص، من دون تحقق مستقل من هذا الرقم.

وتضيف تقارير Wall Street Journal أن العلاقة تشمل أيضًا تبادل السلاح مقابل المال، إذ تشتري حركة الشباب من الحوثيين صواريخ مضادة للطائرات، وطائرات مسيّرة هجومية، وأسلحة مضادة للدروع، وصواريخ كاتيوشا، ومعدات للرؤية الليلية. ووفقًا للصحيفة، تُموّه بعض الشحنات في صورة بضائع مدنية قبل نقلها بقوارب سريعة عبر خليج عدن إلى السواحل الصومالية. كما تشير إلى انتقال مدربين حوثيين إلى الصومال، وسعي الحوثيين إلى الاستعانة بالحركة في نشر رادارات تغطي أجزاء من خليج عدن، بما قد يوسع نطاق المراقبة البحرية الحوثية. وتشير معطيات المصدرين إلى أن العلاقة باتت تشمل التسليح والتدريب ونقل الخبرات والتعاون العملياتي بين اليمن والصومال.

تحول شبكات الإمداد إلى قنوات تجارية أكثر تعقيدًا: يرصد التقرير تحولًا في نمط الإمداد الحوثي، من الاعتماد على استيراد أنظمة تسليح مكتملة إلى التركيز بصورة متزايدة على المواد مزدوجة الاستخدام، والمكونات الإلكترونية، والمواد الكيميائية والمواد الأولية التي يمكن تمريرها عبر شبكات التجارة المدنية. ويمنح هذا النمط شبكات الإمداد مرونة أكبر، ويجعل عمليات التعقب والاعتراض أكثر تعقيدًا، نظرًا إلى إمكانية إدخال كثير من هذه المواد ضمن معاملات تجارية تبدو مشروعة قبل إعادة توجيهها إلى الاستخدام العسكري. وفي هذا السياق، تبرز جيبوتي باعتبارها إحدى أهم العقد اللوجستية. ويذكر التقرير أن شركتين مقرهما جيبوتي، وارتبط اسماهما بسجلات اعتراض ومصادرة، استوردتا ما يقدر بنحو 7,500 إلى 8,500 طن من نترات الأمونيوم ومواد كيميائية أخرى بين عامي 2023 و2025، إضافة إلى كميات كبيرة من المفجرات أو الصواعق الإلكترونية، انتقلت أجزاء منها لاحقًا باتجاه مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن. كما يسلط التقرير الضوء على ضبط سفينة الشروا (Al-Sherwa) عام 2025، التي كانت تحمل، بحسب التقرير، نحو 750 طنًا من المعدات العسكرية. وتزداد أهمية هذه الحادثة مع إفادة ربان السفينة بأنها نفذت قرابة 12 رحلة سابقة من جيبوتي إلى ميناء الصليف منذ مطلع عام 2024، وهو ما يرجح أن عملية الضبط كشفت جزءًا من خط إمداد متكرر، وليس عملية نقل منفردة.

السودان بوصفه محطة نقل وإعادة توزيع: يفيد التقرير بأن الحوثيين دخلوا على خط السودان منذ منتصف عام 2024 تقريبًا، في البداية ضمن دور أقل وزنًا مقارنة بإيران، ونقلوا ما لا يقل عن ثلاث شحنات من الأسلحة الخفيفة إلى جهات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية. وتبرز بورتسودان في هذا السياق بوصفها مركزًا للنقل والتمويل والخدمات اللوجستية، يمكن أن يمر عبرها الأفراد والمعدات بين اليمن والساحل الأفريقي للبحر الأحمر.

ويلفت التقرير إلى واقعتين بارزتين. الأولى تتعلق بشحنة في مايو/أيار 2026 يُعتقد أنها خرجت من اليمن، وربما كانت موجهة إلى جهات سودانية متحالفة مع الحوثيين، إضافة إلى حماس في غزة. وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تفتح الباب أمام احتمال أن تكون مناطق سيطرة الحوثيين قد بدأت تؤدي دورًا يتجاوز استقبال السلاح إلى إعادة توجيه الإمدادات إلى أطراف أخرى داخل شبكة إقليمية أوسع مرتبطة بإيران وحلفائها. 

أما الواقعة الثانية فتتعلق بسفينة أوقفت نظام التعريف الآلي AIS بالقرب من بورتسودان، قبل أن تصل لاحقًا إلى مرسى غير رسمي شرقي رأس عيسى. ووفقًا للتقرير، أظهرت صور الأقمار الصناعية زيادة في الإجراءات الأمنية ونشاط مناولة الشحنات قبل وصولها، بينما لم تظهر حمولتها المقدرة بنحو 3,500 طن ضمن سجلات الاستيراد الرسمية.

وتشير هذه الوقائع، إذا ما قُرئت مجتمعة، إلى احتمال تطور دور مناطق سيطرة الحوثيين من وجهة نهائية للإمدادات إلى نقطة عبور وإعادة توزيع ضمن شبكات تمتد عبر البحر الأحمر.

مسيّرة «Safaroog» وإمكانية انتقال التكنولوجيا العسكرية: يلفت التقرير إلى التشابه بين الطائرة السودانية المسيّرة Safaroog وعائلة المسيّرات الإيرانية Ababil-T والنسخة التي يستخدمها الحوثيون Qasef-2K، من حيث الأبعاد، وتصميم المحرك، وبعض خصائص البناء والتجميع. وبالنظر إلى الخبرة التي راكمها الحوثيون في تجميع هذا النوع من الطائرات باستخدام مكونات يحصلون عليها من شبكات توريد دولية، يطرح معدو التقرير احتمال أن يكون الحوثيون قادرين على تقديم دعم فني أو تدريبي لجهات سودانية في هذا المجال، مع التأكيد أن وجود دور حوثي مباشر في تطوير أو إنتاج Safaroog لم يثبت حتى الآن.

ويشير التقرير إلى أن تتبع مصادر المكونات قد يوفر مؤشرًا أكثر دقة مستقبلًا؛ فإذا تبين أن المكونات المستخدمة في الإنتاج السوداني مصدرها شبكات التوريد الصينية أو شبكات الدول الثالثة نفسها التي يعتمد عليها الحوثيون، فقد يشكل ذلك دليلًا أقوى على انتقال التكنولوجيا والخبرة وسلاسل التوريد عبر الحوثيين، وليس مجرد إعادة تزويد إيرانية مباشرة.

توظيف المجتمعات الأفريقية في التجنيد وجمع المعلومات: إلى جانب الأبعاد العسكرية واللوجستية، يصف التقرير نشاطًا حوثيًا يستهدف بعض الجاليات والمجتمعات الأفريقية في صنعاء وعبر شبكات مرتبطة بها. ويشير إلى اعتماد الحوثيين على وسطاء لتحديد أفراد يمكن استخدامهم في أدوار متعددة، تشمل القتال والتهريب وجمع المعلومات والاستطلاع والتجنيد.

وبحسب التقرير، يخضع بعض هؤلاء الأفراد للتدريب قبل إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بهدف جمع المعلومات أو استقطاب أفراد آخرين. وتشمل المجتمعات التي ذكرها التقرير الورسنجلي، والعفر، والأوغادين، والأورومو، والتيغراي، والرشايدة، وبني عامر.

ولا يبدو أن اختيار هذه المجتمعات يستند أساسًا إلى التقارب المذهبي أو الأيديولوجي، بقدر ما يرتبط بموقعها الجغرافي وظروفها الاجتماعية والسياسية؛ إذ تنتشر غالبية هذه المجموعات في مناطق حدودية وهامشية، وتحافظ على روابط تاريخية مع شبه الجزيرة العربية، كما توجد في مناطق تتقاطع فيها طرق التهريب مع النزاعات المحلية وضعف سيطرة الحكومات المركزية.

ويكشف ذلك عن مقاربة براغماتية في بناء الشبكات البشرية، تقوم على استغلال الهشاشة المحلية والروابط العابرة للحدود وسهولة الحركة داخل المناطق الطرفية، أكثر من اعتمادها على التعبئة العقائدية المباشرة.

 

اليمن أمام جولة جديدة من الصراع 

يشير تحليل مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) إلى أن التصعيد الراهن في اليمن لا يمثل مجرد عودة إلى نمط الحرب الذي ساد بين عامي 2014 و2022، بل يعكس مرحلة مختلفة في أدوات الصراع وحساباته السياسية والعسكرية. ففي حين لا تزال المواجهات البرية الواسعة محدودة نسبيًا، أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة والهجمات البحرية أكثر حضورًا في معادلة التصعيد. وفي المقابل، أظهرت القوات التابعة للحكومة قدرات أكبر على تنفيذ عمليات منسقة بالطائرات المسيّرة عبر عدد من الجبهات، بما يشير إلى أن أطراف الصراع تدخل هذه المرحلة بقدرات هجومية بعيدة المدى أكثر تطورًا مقارنة بما كانت تمتلكه عند تجمد معظم خطوط المواجهة في عام 2022.

ضربة 6 أغسطس – استهداف خطوط الإمداد لا المواقع العسكرية فقط: يبرز التحليل الهجوم الحوثي في 6 أغسطس/آب باعتباره مؤشرًا على طبيعة الأهداف التي تسعى الجماعة إلى تحقيقها في المرحلة الحالية. المواقع التابعة لقوات الطوارئ التي تعرضت للهجوم في حضرموت ومأرب لم تكن مجرد مواقع عسكرية متقدمة، وإنما كانت تؤدي دورًا في مراقبة طرق تهريب تستخدم في نقل الأسلحة والمعدات إلى مناطق سيطرة الحوثيين، فضلًا عن أهميتها بوصفها نقاط إمداد قريبة من الحدود السعودية. ومن ثم، قد يكون الهدف من الضربة تجاوز إيقاع خسائر عسكرية مباشرة إلى حماية طرق الإمداد التي تعتمد عليها الجماعة، وإضعاف قدرة القوات الحكومية على مراقبتها أو قطعها، ومنع تحول هذه المواقع إلى قواعد يمكن استخدامها في هجوم أوسع مستقبلًا. ويعكس ذلك اهتمامًا حوثيًا متزايدًا بتأمين البنية اللوجستية التي تتيح للجماعة الحفاظ على قدراتها العسكرية واستمرار تدفق المعدات إلى مناطق سيطرتها.

التصعيد أداةً لإعادة صياغة السلطة السياسية: استهدفت الضربة الحوثية في 6 أغسطس/آب مواقع تابعة لقوات الطوارئ في حضرموت ومأرب، وهي مواقع كانت، بحسب التحليل، تشارك في مراقبة طرق التهريب المؤدية إلى مناطق سيطرة الحوثيين، كما تؤدي دورًا مهمًا في الإمداد بالقرب من الحدود السعودية.

وترى مجموعة الأزمات أن ذلك يرجح أن الضربة لم تكن موجهة إلى تحقيق مكسب ميداني مباشر فقط، بل استهدفت أيضًا حماية خطوط الإمداد الحوثية، وتقليص قدرة القوات الحكومية على مراقبتها أو تعطيلها، ومنع تحول هذه المواقع إلى قواعد يمكن استخدامها في هجوم أوسع مستقبلًا. وبذلك يجمع الهجوم بين هدف عسكري مباشر واعتبارات دفاعية مرتبطة بحماية البنية اللوجستية للجماعة.

لماذا لم تعد العودة إلى هدنة 2022 كافية؟

يرى تحليل مجموعة الأزمات أن البيئة التفاوضية تغيرت بصورة جوهرية منذ هدنة 2022. فقد توسعت مطالب الحوثيين، بحسب التحليل، لتشمل انسحابًا سعوديًا كاملًا، ووقف دعم الحكومة اليمنية، والحصول على تعويضات عن التدخل العسكري، في حين أصبح بعض المسؤولين الحكوميين أكثر اقتناعًا بأن استمرار الضغط العسكري قد يعزز موقعهم التفاوضي.

كما لم يعد من الممكن التعامل مع الملفات الاقتصادية والإنسانية والسياسية كلٍّ على حدة. فمطار صنعاء، وميناء الحديدة، والرواتب، والإيرادات، والبنكان المركزيان، والعملتان المتداولتان، وترتيبات تقاسم السلطة المؤقتة، أصبحت جميعها مرتبطة بصورة مباشرة بالسؤال الأوسع حول السيادة، ومن يمتلك سلطة إدارة موارد الدولة ومؤسساتها.

وعليه، فإن مجرد إحياء ترتيبات هدنة 2022 لن يعالج بالضرورة جذور الخلاف، لأن القضايا التي كانت تُطرح سابقًا باعتبارها ترتيبات فنية أو اقتصادية أصبحت اليوم جزءًا من الصراع على شكل السلطة نفسها.

الخطر الأبرز: تصعيد تراكمي يقود إلى حرب أوسع

يتمثل التحذير الأهم الذي يطرحه تحليل مجموعة الأزمات في أن الخطر الرئيسي لا يكمن بالضرورة في اتخاذ أحد الأطراف قرارًا متعمدًا بالعودة إلى الحرب الشاملة، وإنما في تراكم خطوات تصعيدية محدودة قد تدفع تدريجيًا نحو مواجهة أوسع.

فكل طرف قد ينظر إلى خطوته التالية باعتبارها محدودة أو دفاعية: ضربة صاروخية إضافية، أو ردٍّ بطائرة مسيّرة، أو زيادة في مستوى الدعم السعودي، أو فتح جبهة جديدة. غير أن تراكم هذه الخطوات يمكن أن يضيّق تدريجيًا مساحة ضبط النفس، ويزيد كلفة التراجع لدى جميع الأطراف.

وبذلك، قد ينزلق اليمن إلى جولة حرب أوسع من دون أن يكون أي من الأطراف الرئيسية قد قرر منذ البداية خوضها، وإنما نتيجة سلسلة متتابعة من الإجراءات والردود التي تصبح مع مرور الوقت أكثر صعوبة في الاحتواء.

 

المخا بين الجبهة الغربية وأمن باب المندب 

يضع تحليل معهد دول الخليج العربية في واشنطن (AGSIW) الحملة الحوثية على المخا في سياق يتجاوز عدد الضربات أو شدتها، ويربطها بتزايد أهمية المدينة عند تقاطع الجبهة الغربية في اليمن، وأمن باب المندب، والتحول في الاستراتيجية السعودية داخل اليمن. 

حلقة وصل بين الجبهة البرية والأمن البحري: تمثل المخا قاعدة مهمة لدعم القوات التابعة للحكومة والعاملة على جبهات جنوب الحديدة وتعز، في حين تكتسب جزيرتا زقر وميون القريبتان أهمية في مراقبة الحركة البحرية حول باب المندب، ورصد الهجمات الحوثية على السفن والأهداف الساحلية أو التعامل معها. ومن هذا المنظور، يخدم استهداف المخا هدفين متوازيين بالنسبة إلى الحوثيين: إضعاف الإمداد والقدرات اللوجستية للقوات المناهضة لهم على البر، وتقليص فاعلية منظومة المراقبة والأمن المرتبطة بالمضيق.

إرباك جهود اعتراض إمدادات السلاح: تسيطر قوات المقاومة الوطنية المتمركزة في المخا ومحيطها على وحدات لخفر السواحل والقوات البحرية، وقد كثفت منذ منتصف عام 2025 عمليات اعتراض شحنات الأسلحة المتجهة إلى الحوثيين، مستفيدة من زيادة التمويل والتدريب والتجهيز المقدم من السعودية وشركاء دوليين.

ولا تنبع أهمية المخا هنا من القوة المسيطرة عليها فقط، بل من تحولها إلى مركز عملياتي قادر على التأثير في خطوط الإمداد الحوثية عبر البحر الأحمر وباب المندب. وهذا يربط مباشرة بين استهداف المدينة وبين الجهود الرامية إلى تعطيل شبكات تهريب السلاح التي يعتمد عليها الحوثيون.

تقارب طارق صالح مع الرياض يرفع قيمة المخا: يشير التحليل إلى أن طارق صالح، الذي ارتبط لسنوات بصورة وثيقة بالإمارات، اتجه منذ مطلع عام 2026 نحو علاقة أوثق مع السعودية. وبحسب AGSIW، باتت الرياض تمول رواتب قوات المقاومة الوطنية وعددًا من التشكيلات التي كانت تتلقى دعمًا من أبوظبي.

ويعني هذا التحول أن المخا لم تعد مجرد مركز نفوذ مرتبط بالإمارات، بل أصبحت منصة عسكرية وسياسية تحظى بدعم سعودي متزايد على الساحل الغربي. وبذلك، يمكن النظر إلى استهداف المدينة بوصفه وسيلة غير مباشرة للضغط على الرياض من خلال ضرب حليف محلي بات أكثر ارتباطًا بها.

بديل اقتصادي محتمل لعدن يواجه ضغوطًا متزايدة: بعد إعادة تأهيل ميناء المخا، استقبل الميناء في عام 2025 أول سفينة تجارية منذ أربعة عشر عامًا، كما درست الحكومة اليمنية تحويل جزء من النشاط التجاري من عدن، التي تعاني من عدم الاستقرار، إلى المخا. وفي الوقت نفسه، مولت السعودية مشاريع لتطوير الطرق والأرصفة البحرية وغيرها من مرافق البنية التحتية في المدينة والجزر القريبة منها. ومن ثم، لم تعد المخا مجرد موقع عسكري، بل أصبحت جزءًا من محاولة لبناء مسار اقتصادي ولوجستي أكثر فاعلية على الساحل الغربي وتقليل الاعتماد على عدن. وقد أظهر التوقف المؤقت للأنشطة التجارية والبحرية في الميناء عقب تعرضه لأضرار واسعة أن الضغط الحوثي لا يستهدف الأصول العسكرية فقط، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية واللوجستية التي يجري العمل على تطويرها في المدينة.

اختبار للترتيبات الجديدة لأمن البحر الأحمر: تكتسب الهجمات أهمية إضافية من توقيتها؛ إذ تصاعدت بعد أيام فقط من إعلان الرياض في 30 يوليو/تموز عن تحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري يغطي البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ويضم دولًا عربية وأفريقية إلى جانب باكستان وتركيا. ويبدو هذا التحالف أوسع نطاقًا من الترتيبات السابقة الخاصة بأمن البحر الأحمر، التي ظل تأثيرها العملي محدودًا. ولهذا، يمثل التصعيد حول المخا اختبارًا مبكرًا لقدرة الترتيبات الجديدة على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الردع الفعلي والتعاون العملياتي في حماية الملاحة.

ثلاثة مسارات للصراع تلتقي في مدينة واحدة

تتمثل الخلاصة في أن المخا أصبحت نقطة التقاء لثلاثة مسارات متداخلة: الصراع العسكري الداخلي بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة، ومساعي السعودية لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين مع تراجع الدور الإماراتي، والتنافس الإقليمي المرتبط بأمن باب المندب والبحر الأحمر. ومع استمرار الحوثيين في استهداف المخا، يصبح من الصعب على الرياض التعامل مع ما يجري في الساحل الغربي باعتباره شأنًا يمنيًا منفصلًا عن مصالحها المباشرة. فالمخا باتت ترتبط في الوقت نفسه بأمن الملاحة، واعتراض شحنات السلاح، ودعم الحلفاء المحليين، والاستثمارات السعودية في البنية التحتية، وترتيبات الأمن البحري في باب المندب.

 

معطيات ميدانية من ميون والمخا في تغطية CNN

في تقرير ميداني أعدّه محرر الشؤون الدبلوماسية في CNN International، نيك روبرتسون، من جزيرة ميون والمخا في أواخر أغسطس/آب، برزت مجموعة من المعطيات التي تؤكد بعض ما ورد في التقارير السابقة، إلى جانب تفاصيل جديدة تستحق المتابعة. وأبرز التقرير جزيرة ميون بوصفها هدفًا حوثيًا محتملًا في حد ذاتها، وليس مجرد موقع تستخدمه القوات التابعة للحكومة لمراقبة باب المندب؛ إذ يرى روبرتسون أن موقع الجزيرة عند أحد أضيق أجزاء المضيق، وعلى مسافة تقارب 15 كيلومترًا من الساحل الأفريقي، قد يجعل السيطرة عليها عاملًا مهمًا في تسهيل تعطيل الملاحة أو فرض قيود أكبر عليها. كما أشار إلى مخاوف من نشاط حوثي محتمل شمال ميون باتجاه زقر وجزر حنيش، مع التأكيد أن CNN لم تكن تملك معلومات كافية لتحديد طبيعة هذه التحركات، ما يجعلها مؤشرًا يحتاج إلى المتابعة وليس تطورًا مثبتًا.

وفي المخا، عاين فريق CNN بصورة مباشرة آثار الضربات الحوثية، بما في ذلك أضرار لحقت بالسفن وغرق إحدى السفن داخل الميناء، وهو ما يدعم ما أورده تقرير AGSIW بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالميناء. كما عرضت القوات اليمنية على الفريق أسلحة ومعدات قالت إنها ضُبطت أثناء تهريبها من إيران إلى الحوثيين، وشملت صواريخ أرض–جو، وصواريخ مضادة للسفن، ومكونات لطائرات مسيّرة وذخائر متنوعة. 

وفي ما يتعلق بالقدرات العسكرية الحوثية، قال روبرتسون إن الجماعة تمتلك ترسانة متطورة تشمل صواريخ فرط صوتية وأنظمة متقدمة مضادة للسفن قادرة على استهداف السفن من مسافات بعيدة، وهو توصيف أورده التقرير وينبغي نسبته إلى مصدره لكونه يحتاج إلى تحقق مستقل. كذلك أفادت قوات المقاومة الوطنية لـCNN بأنها أصبحت أكثر استعدادًا مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب، مع استمرار سعيها إلى الحصول على دعم دولي أكبر.

وتضيف التغطية بعدًا أوسع من خلال ربط التطورات في باب المندب بالتصعيد حول مضيق هرمز؛ إذ يرى روبرتسون أن زيادة الضغوط على الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع التوتر في هرمز، قد تنعكس على تدفقات النفط وأسعاره، بما يوسع تداعيات التصعيد في اليمن من الإطار المحلي والإقليمي إلى أسواق الطاقة والحسابات السياسية في الولايات المتحدة.

استمرار الحرب في اليمن والمصالح الأمريكية والإسرائيلية 

يطرح مقال Middle East Eye قراءة ترى أن استمرار الحرب اليمنية في حالة «لا حسم» قد يخدم، بصورة غير مباشرة، مصالح أمريكية وإسرائيلية. ويستعين المقال بطرح إدوارد لوتواك حول الحروب التي قد يصبح عدم حسمها النتيجة الأقل كلفة، ليقدم تفسيرًا مفاده أن استمرار الجمود في اليمن لا يعود فقط إلى عجز الأطراف عن تحقيق النصر، بل قد يعكس أيضًا توازنًا في المصالح يجعل كل سيناريو حاسم مكلفًا لطرف إقليمي أو دولي نافذ. فسيطرة الحوثيين الكاملة ستعزز موقع إيران وتهدد أمن السعودية وباب المندب، في حين أن القضاء عليهم بالكامل قد يفتح فراغًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، بينما يظل التقسيم أو استعادة دولة مركزية موحدة خيارين يصطدمان بتوازنات القوى القائمة.

ويمنح هذا الإطار تفسيرًا أكثر اتساقًا لما قد يبدو تناقضًا في السياسة الأمريكية تجاه اليمن. فالتنقل بين دعم السعودية عسكريًا وخفض مستوى الانخراط، وصولًا إلى وقف الضربات الأمريكية على الحوثيين بعد اتفاق بوساطة عُمانية عندما توقف استهداف السفن الأمريكية، يمكن قراءته باعتباره إدارة للتوازن ومنع أحد الأطراف من تحقيق حسم كامل، لا انحيازًا واضحًا إلى طرف منتصر.

كما يوسع المقال هذه القراءة إلى الإقليم، ويربط حالة اليمن بنمط أوسع من الصراعات الممتدة في السودان وليبيا والعراق ولبنان، إذ يسهم تعدد الفاعلين الخارجيين وتضارب مصالحهم في إطالة أمد الصراع والحفاظ على حالة من الانقسام وعدم الحسم بدلًا من الوصول إلى تسوية نهائية.

ويضيف المقال مسارًا آخر يتعلق بتقارب تركيا والسعودية وباكستان، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس محاولات خليجية للتحوط من تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، من دون أن يعني ذلك قطيعة مع واشنطن. ويشير إلى أن تركيا وباكستان تسعيان إلى توسيع حضورهما الدفاعي عبر تقديم تسليح أقل كلفة وأقل قيودًا، في وقت تبحث فيه السعودية عن أدوات إضافية لموازنة التهديدات الإقليمية المرتبطة بإيران وتنويع خياراتها الأمنية.

 

المصادر:

  1. Century International  From Spoke to Hub: The Houthis in Africa
    https://tcf.org/content/report/from-spoke-to-hub-the-houthis-in-africa/
  2. International Crisis Group,Yemen’s War, Returning
    https://www.crisisgroup.org/cmt/middle-east-north-africa/yemen-saudi-arabia/yemens-war-returning
  3. Arab Gulf States Institute in Washington (AGSIW),  Yemen’s Mokha Under Fire: The Houthis Target Saudi Interests
    https://agsi.org/analysis/yemens-mokha-under-fire-the-houthis-target-saudi-interests/
  4. CNN International,CNN granted exclusive access to Bab al-Mandab strait https://edition.cnn.com/2026/08/31/world/video/bab-al-mandab-strait-robertson-live-ctw-083109aseg1-cnni-world-fast 
  5. MEE, Is Yemen’s endless war serving a US-Israeli agenda? https://www.middleeasteye.net/opinion/yemens-endless-war-serving-us-israeli-agenda 
  6. WSJ , Washington’s Deadly New Headache: an al Qaeda-Houthi Terrorist Alliance https://www.wsj.com/world/middle-east/iran-oil-houthis-shipping-terrorism-bfa4fd9b 

 


ظهرت المقالة اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية( أغسطس) أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية