إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية.. كيف تحاول الحكومة تثبيت اليمن داخل منظومة الردع الخليجي؟
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:

لوقت طويل، تعاملت دول الخليج مع اليمن باعتباره مشكلة أمنية تقع على حدودها الجنوبية: دولة ضعيفة، حرب مفتوحة، جماعات مسلحة، وتهديد متكرر للحدود السعودية. لكن التطورات الأخيرة بدأت تدفع باتجاه مقاربة مختلفة. فمع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، وعودة الحوثيين إلى تهديد السفن والموانئ في البحر الأحمر، لم يعد اليمن مجرد خاصرة رخوة للخليج؛ بل أصبح جزءًا من البنية التي سيتحدد عبرها أمن الخليج نفسه.

بهذا المعنى، تحاول الحكومة إعادة تعريف موقع اليمن في الحسابات الخليجية. فبدل الصورة التقليدية لبلد منكوب يعتمد على السعودية ودول مجلس التعاون في التمويل والدفاع، تريد عدن أن تصبح الجبهة الجنوبية لمنظومة أمن الخليج: دولة تتحكم بساحل طويل على البحر الأحمر وخليج عدن، وتطل على باب المندب، وتستطيع قواتها البحرية وخفر سواحلها ومؤسساتها الأمنية المساهمة في حماية التجارة والطاقة. الفكرة التي تحاول عدن تثبيتها بسيطة: لا يمكن لدول الخليج بناء منظومة دفاع بحري مستقرة إذا بقي الساحل اليمني خارج سيطرة دولة قادرة على فرض القانون ومراقبة الموانئ ومنع تهريب السلاح.

اكتسب هذا الخطاب فرصة أكبر عندما جمع مجلس الوزراء السعودي في 25 أغسطس بين هرمز وباب المندب في صياغة أمنية واحدة، مشددًا على ضرورة إبقاء المضيقين وجميع الممرات الحيوية «مفتوحة وآمنة وخالية من التهديدات». للمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد أمن اليمن بالنسبة إلى الرياض مرتبطًا فقط بأمن حدود جازان ونجران؛ بل أصبح أكثر ارتباطًا أيضًا بقدرة المملكة على الاحتفاظ بمسار آمن للطاقة والتجارة إذا تعطل هرمز.

من هنا يمكن قراءة الجولة الخليجية الأخيرة لوزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة. بدأت الجولة من البحرين، ثم شملت قطر والكويت، وحملت معها رسالة تتكرر بصيغ مختلفة: اليمن ليس مجرد دولة تطلب المساعدة من الخليج، بل يشكل امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا له. والأهم أن الحكومة بدأت تربط هذه الفكرة مباشرة بأمن السواحل والممرات البحرية.

رسالة بسيطة في جوهرها

لذلك كان أمن البحر الأحمر وباب المندب وحرية الملاحة ضمن الملفات المعلنة منذ بداية الجولة والرسائل التي وزعتها الزوبة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي. وفي البحرين، قدمت المنامة باعتبارها مركزًا مهمًا في منظومة الأمن البحري الإقليمي، بينما قالت في قطر إن «الأمن البحري المستدام يبدأ بتمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها»، وربطت أمن هرمز وباب المندب ضمن معادلة واحدة.

إن التحول في الخطاب ليس مجرد محاولة للحصول على مزيد من الدعم السياسي. هناك حساب أكثر واقعية خلفه. خلال الأسابيع الماضية أثبت الحوثيون أنهم لا يحتاجون إلى إغلاق باب المندب حتى يفرضوا تكلفة على السعودية أو شركات الشحن. يكفي أن تصبح بعض الناقلات أهدافًا محتملة، وأن ترتفع كلفة التأمين، وأن تتعطل موانئ مثل المخا، حتى يبدأ أثر التهديد بالظهور في قرارات الشركات ومسارات النفط.

لذلك فالرسالة التي تحملها الجولة بسيطة في جوهرها: إذا كان الحوثيون قادرين على تحويل الساحل اليمني إلى منصة لإكراه السعودية وتهديد الملاحة، فإن دعم الحكومة لاستعادة وظائف الدولة لم يعد استثمارًا في استقرار اليمن وحده؛ بل استثمار في الدفاع الخليجي المشترك. وعندما تقول الخارجية اليمنية إن اليمن يشكل امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا واقتصاديًا لدول الخليج، فهي تحاول عمليًا تغيير السؤال الخليجي من «كم سيكلف دعم اليمن؟» إلى «كم سيكلف ترك اليمن خارج المنظومة الأمنية؟».

 

التحول ليس دبلوماسياً

ولم يكن التحول دبلوماسيًا فقط. فالحكومة بدأت بالتوازي محاولة بناء المؤسسات التي تسمح لها بادعاء هذا الدور. ففي يوليو/تموز، وضعت بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية خريطة طريق لإنشاء مركز وطني لتبادل المعلومات البحرية في عدن، يربط خفر السواحل والقوات البحرية والموانئ والجمارك والأجهزة الأمنية ضمن منظومة واحدة، ويربط اليمن أيضًا بشبكة تبادل المعلومات الإقليمية المنبثقة عن مدونة جيبوتي وتعديل جدة. وفي أغسطس انتقلت إلى العمل على إنشاء لجنة وطنية للأمن البحري تكون مسؤولة عن استراتيجية موحدة لحماية السواحل والموانئ والسفن.

تبدو مثل هذه الخطوات إدارية، لكنها في الواقع تمس واحدة من نقاط الضعف المزمنة لدى الحكومة. فاليمن يملك أكثر من ألفي كيلومتر من السواحل، لكنه يفتقر منذ سنوات إلى منظومة متماسكة تدير أمنها. توجد قوات بحرية، وخفر سواحل، وموانئ وأجهزة أمنية، لكن التنسيق بينها ظل أضعف من حجم التحدي. وإذا استطاعت الحكومة بناء نظام يربط المعلومات البحرية بالرقابة الجمركية والاستخبارات والعمليات الميدانية، فإنها ستصبح أكثر قدرة على تقديم نفسها كشريك حقيقي للأمن الخليجي.

وتسير الإجراءات الأخيرة ضد التهريب في الاتجاه نفسه. تشديد الرقابة على المنافذ والموانئ والمواد مزدوجة الاستخدام والذهب والعملات، إلى جانب فحص السفن المرتبطة بشبكات العقوبات، يعكس محاولة لربط الأمن البحري بالأمن المالي واللوجستي. فالمشكلة، في تصور الحكومة، لا تبدأ لحظة إطلاق صاروخ من الساحل؛ بل عند دخول مكوّن إلكتروني أو محرك مسيّرة أو شحنة سلاح عبر شبكة تهريب. ولذلك يصبح تأمين المنفذ جزءًا من الدفاع عن باب المندب.

 

توحيد المنظومة اليمنية أولاً

طموح الحكومة اليمنية يرتبط بمشكلتها المستمرة إذ تحاول الاندماج في منظومة أمن الخليج قبل أن تنجز بعد توحيد منظومتها الأمنية داخل اليمن. تعدد القوات، وتباين الولاءات، والانقسام بين مراكز القرار، وتفاوت السيطرة على الموانئ والمنافذ، كلها تحد من قدرتها على تقديم نفسها كدولة أمنية متماسكة. لا يكفي أن تقول إن باب المندب يحتاج إلى دولة يمنية قوية؛ عليها أن تثبت أن هذه الدولة تستطيع بالفعل أن تفرض سلطتها على الساحل الذي تريد من الخليج الاستثمار في استقراره.

إن لحظة اليوم تمنح الحكومة فرصة لم تتوافر لها منذ سنوات. فقد أصبح أمن اليمن مرتبطًا فعليًا بأمن الممرات التي تعتمد عليها دول الخليج. ومع اضطراب هرمز وعودة التهديد إلى البحر الأحمر، لم يعد من السهل الفصل بين مستقبل الدولة اليمنية وبين مستقبل أمن الطاقة في المنطقة.

السؤال الآن ليس ما إذا كان الخليج يحتاج إلى يمن مستقر، هذه مسألة محسومة منذ زمن. السؤال هو ما إذا كانت الحكومة قادرة على إقناع دول الخليج بأن بناء الدولة اليمنية نفسها يجب أن يصبح جزءا من هندستها الدفاعية. وإذا نجحت في ذلك، فستتغيرر العلاقة من مساعدات تُدفع لمنع الانهيار إلى شراكة أمنية طويلة المدى.

أما إذا بقيت المؤسسات أضعف من الخطاب، فسيظل اليمن في الموقع نفسه الذي عرفه لعقود: بلدا يملك واحدة من أهم الجغرافيات في المنطقة، لكنه لا يملك بعد الدولة القادرة على تحويل تلك الجغرافيا إلى قوة.

 

The post إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية.. كيف تحاول الحكومة تثبيت اليمن داخل منظومة الردع الخليجي؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية