مقدمة
شهد الاقتصاد اليمني خلال أغسطس 2026 استمرار الضغوط التي أفرزتها الحرب الناتجة عن انقلاب جماعة الحوثي في سبتمبر 2014، في ظل تدهور القطاعات الإنتاجية وتراجع الإيرادات واستمرار الانقسام المؤسسي والمالي، وتزامن ذلك مع تحركات من جانب الحكومة الشرعية لإعادة تنظيم القطاع المالي وتطوير أنظمة المدفوعات وتشديد الرقابة على سوق الصرف، مقابل استمرار التباين النقدي بين مناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وفي الوقت الذي حافظ فيه سعر الصرف في عدن على استقرار نسبي خلال الشهر، ظلت الفجوة النقدية بين مناطق البلاد قائمة، فيما واصلت الحرب تأثيرها على المنشآت الاقتصادية الحيوية، كما أظهرت تداعيات استهداف ميناء المخا وتعثر إعادة تشغيل مصافي عدن استمرار هشاشة الاقتصاد وقدرته المحدودة على التعافي.
البنك المركزي يطلق تأسيس الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة لتعزيز التحول الرقمي
افتتح البنك المركزي اليمني في عدن أعمال الجمعية التأسيسية للشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة، في خطوة تستهدف إعادة تنظيم وتطوير البنية الوطنية لأنظمة المدفوعات والتسوية المالية، وتعزيز الربط بين المؤسسات المصرفية، بما يدعم التوجه نحو التحول الرقمي وتوسيع نطاق الشمول المالي، وتمثل الشركة إطارًا مؤسسيًا لتطوير خدمات الدفع والتسوية، وتحسين كفاءة التعاملات المالية وتقليل الاعتماد على الإجراءات التقليدية في تنفيذ المدفوعات بين البنوك والمؤسسات المالية، تأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه القطاع المصرفي اليمني تحديات متراكمة فرضتها الحرب والانقسام المؤسسي وتراجع الثقة بالقطاع المالي، ما يجعل تطوير البنية التحتية للمدفوعات أكثر من مجرد انتقال تقني، غير أن أثر هذه الخطوة ستظل مرتبطًة بمدى قدرة البنك المركزي على استكمال البنية التشريعية والتقنية، وتوسيع مشاركة البنوك والمؤسسات المالية، وضمان أمن الأنظمة واستمرارية تشغيلها، بحيث يتحول المشروع من إنشاء إطار مؤسسي إلى بنية فعلية تدعم تحديث القطاع المالي اليمني.
تعثر إعادة تشغيل مصافي عدن يبقي أحد أهم الأصول النفطية خارج الإنتاج
كشف تقرير نشرته الجزيرة نت أن مصافي عدن لم تتمكن من استئناف تكرير النفط الخام، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على توقف عملياتها، ووفق تصريحات المدير التنفيذي للشركة سعيد محمد ثابت، فإن عودة المصفاة إلى العمل تتطلب تأهيل محطة الطاقة بكلفة تُقدَّر بنحو 20–25 مليون دولار، إلى جانب توفير كميات منتظمة من الخام ورأس مال تشغيلي لتمويل عملية الإنتاج. ويقتصر نشاط المصفاة حاليًا على التخزين وإنتاج الإسفلت، ويعني استمرار هذا الوضع بقاء أحد أهم الأصول الصناعية النفطية في اليمن خارج النشاط الإنتاجي، في وقت تعتمد فيه السوق المحلية على استيراد المشتقات لتغطية جانب كبير من احتياجاتها. كما أن تأخر إعادة التشغيل يحرم الاقتصاد من القيمة المضافة التي يمكن أن يوفرها تكرير الخام محليًا، ويحد من قدرة الدولة على الاستفادة من المصفاة كمصدر للإيرادات وكجزء من البنية المحلية لسوق الوقود. وتكشف متطلبات إعادة التشغيل أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتوقف المصفاة وحده، بل بتوفير التمويل والطاقة والخام والسيولة التشغيلية في وقت واحد، وهو ما يفسر استمرار تعثر عودتها إلى الإنتاج.
هجمات حوثية تشل ميناء المخا وتكبده خسائر مباشرة بـ 16 مليون دولار
أدت سلسلة من الهجمات الصاروخية التي شنّتها جماعة الحوثي الانقلابية على ميناء المخا خلال الأيام السابقة إلى توقف النشاط التجاري والملاحي في الميناء بصورة كاملة، بعد تعرضه لأكثر من 25 صاروخًا استهدفت الأرصفة والمنشآت والمعدات والسفن الموجودة في محيطه، وأعلن مدير عام ميناء المخا عبدالملك الشرعبي، أن الهجمات أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة آخرين، فيما قُدّرت الخسائر المادية المباشرة بنحو 16 مليون دولار، وشملت الأضرار ست سفن خشبية وحفّارًا كان يعمل في مشروع توسعة الميناء، إضافة إلى منشآت ومعدات وبنية تشغيلية للمرفق. كما أدى توقف النشاط إلى قطع مصدر دخل نحو 1,300عامل يعتمدون على حركة الميناء التجارية والملاحية، ولا تقتصر الخسارة الاقتصادية على قيمة الأضرار المباشرة، إذ يهدد توقف الميناء بفقدان إيرادات النشاط التجاري والرسوم والخدمات المرتبطة به، فضلًا عن تعطيل مشروع توسعته في وقت كان يشهد فيه نشاطًا ملاحيًا وتجاريًا متناميًا. كما أن استمرار التوقف ينعكس على العمال والمرافق والخدمات المرتبطة بالميناء، ويزيد كلفة نقل السلع ويحد من قدرة أحد المنافذ البحرية على أداء دوره في تنشيط التجارة المحلية، ولا تقتصر تداعيات الهجمات على الأضرار المباشرة، إذ أدى توقف الميناء إلى تعطيل نشاطه التجاري والملاحي ومصادر دخل العاملين فيه، فضلًا عن تأثيره في حركة الإمدادات والتجارة عبر أحد المنافذ البحرية المهمة على الساحل الغربي لليمن.
البنك المركزي يشدد الرقابة على قطاع الصرافة ويوقف تراخيص ثلاث جهات
أوقف البنك المركزي اليمني في عدن تراخيص ثلاث جهات عاملة في قطاع الصرافة، وأمر بإغلاق مقارها، بعد ثبوت مخالفات كشفت عنها أعمال الرقابة والتفتيش الميداني، وجاء ذلك بموجب القرار رقم (14) لعام 2026 الصادر في 19 أغسطس، ضمن إجراءات رقابية تستهدف تعزيز الالتزام بالقوانين والتعليمات المنظمة لنشاط الصرافة والتحويلات، وتشديد المتابعة على المنشآت العاملة في السوق، ويمثل القرار استمرارًا لنهج البنك المركزي في تشديد الرقابة على سوق الصرف، الذي يؤدي دورًا رئيسيًا في حركة السيولة والتحويلات داخل الاقتصاد اليمني، وتكتسب هذه الإجراءات أهمية في ظل حساسية سوق الصرف وتأثير الممارسات غير المنظمة في استقرار المعاملات المالية؛ إذ إن إيقاف التراخيص وإغلاق المقار يرفع كلفة المخالفات على المنشآت ويعزز الانضباط داخل القطاع. غير أن أثر هذه الإجراءات سيظل مرتبطًا باستمرار الرقابة الميدانية وتطبيقها بصورة منتظمة، إلى جانب الحد من نشاط الجهات غير المرخصة التي قد توفر قنوات بديلة خارج نطاق الرقابة الرسمية.
سعر الصرف يحافظ على استقرار نسبي في عدن وسط استمرار هشاشة الاقتصاد
أظهرت بيانات السوق خلال أغسطس استقرار سعر الدولار في عدن ضمن نطاق 1,550–1,570 ريالًا، في حين ظل سعر الصرف في صنعاء عند مستويات مختلفة بصورة كبيرة، بما يعكس استمرار الانقسام النقدي بين مناطق السيطرة المختلفة، ويأتي هذا التباين في وقت لا يزال فيه الاقتصاد اليمني يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير السلع الأساسية، ما يجعله أكثر تأثرًا بتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف النقل والشحن العالمية، ولا يعني الاستقرار النسبي لسعر الصرف في عدن تحسنًا جوهريًا في أداء الاقتصاد، إذ لا تزال العوامل الأساسية المؤثرة في قيمة العملة ضعيفة، وفي مقدمتها محدودية الإنتاج المحلي، وتراجع الإيرادات الحكومية، وضعف النشاط الاقتصادي وفرص العمل، كما أن اعتماد اليمن على الاستيراد يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية أو تكاليف الشحن ينتقل سريعًا إلى السوق المحلية، لذلك، فإن الحفاظ على سعر صرف مستقر نسبيًا قد يخفف ضغوطًا إضافية على الأسعار، لكنه لا يعالج جذور الأزمة ما لم يترافق مع تحسن في الإنتاج والإيرادات والنشاط الاقتصادي.
جماعة الحوثي الانقلابية ترفع الرسوم الجمركية والضريبية على الأسمنت المستورد
أقدمت جماعة الحوثي الانقلابية في مناطق سيطرتها خلال أغسطس على رفع الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المفروضة على الأسمنت المستورد، عبر زيادتين متتاليتين، في إطار إجراءاتها المتعلقة بتنظيم حركة الاستيراد والتحصيل المالي، ويأتي القرار في وقت يعتمد فيه السوق المحلي، ولا سيما قطاع البناء والتشييد، على الأسمنت المستورد لتغطية جانب من احتياجاته، ما يجعل أي زيادة في الرسوم تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة الاستيراد والأسعار النهائية في الأسواق، وتزيد هذه الإجراءات من تكلفة مدخلات قطاع البناء، سواء بالنسبة للمقاولين والمطورين أو للمستهلكين، وقد تدفع إلى ارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف الإنشاء في مناطق سيطرة الجماعة. كما أن زيادة الرسوم على سلعة أساسية مرتبطة بحركة البناء والإعمار قد تؤدي إلى تراجع الطلب على المشاريع الجديدة، في وقت يعاني فيه النشاط الاقتصادي أصلًا من ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل.
خاتمة
تكشف تطورات أغسطس أن الاقتصاد اليمني ما يزال يتحرك ضمن بيئة استثنائية فرضتها الحرب والانقسام، بحيث أصبحت معالجة الاختلالات الاقتصادية مرتبطة بصورة وثيقة بالمسار السياسي والأمني، فاستمرار اختلاف أسعار الصرف والسياسات المالية بين مناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية وسلطة الحكومة الشرعية، إلى جانب تراجع النشاط في عدد من المنشآت الحيوية، يحد من قدرة الاقتصاد على استعادة دورة اقتصادية طبيعية، وفي المقابل، أظهرت إجراءات البنك المركزي في عدن أن هناك محاولات لإعادة ضبط الأدوات المالية وتعزيز الرقابة على السوق، إلا أن أثر هذه الإجراءات يظل محدودًا ما لم تتوافر بيئة اقتصادية ومؤسسية أكثر استقرارًا، كما أن استمرار الأعباء على القطاعات الإنتاجية والتجارية يفرض الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى سياسات تستهدف استعادة الإنتاج وتحريك الاستثمار وتعزيز الإيرادات، وبالنظر إلى مجمل مؤشرات الشهر، فإن التحدي الاقتصادي لم يعد يتمثل في معالجة اختلال منفرد، وإنما في تفكيك منظومة من الاختلالات المتراكمة تشمل العملة، والمؤسسات والإيرادات والإنتاج والتجارة، ومن ثم فإن استعادة الاقتصاد اليمني لعافيته ستظل مرتبطة بقدرته على استعادة مؤسساته ووحدة سوقه، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النشاط الاقتصادي والإنتاجي بصورة مستدامة.
ظهرت المقالة الموجز الاقتصادي –أغسطس 2026 أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.