من خنادق صعدة إلى عقارات صنعاء.. كيف فككت غنائم السلطة النواة القتالية الأولى للحوثيين؟
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

يمن مونيتور/ تعز/ خاص:
تكشف التحولات الهيكلية داخل جماعة الحوثي منذ اجتياح العاصمة صنعاء أواخر عام 2014 عن تآكل عميق في بنيتها التنظيمية والقتالية الأولى؛ إذ أدى الانتقال من بيئة صعدة المغلقة إلى إدارة مؤسسات الدولة ومواردها المالية والعقارية إلى إعادة تشكيل قادتها من مقاتلين عقائديين إلى طبقة نفوذ مصلحية، مما وسّع الفجوة بين المركز التاريخي للجماعة ومركز السلطة المستحدث.

وأظهرت دراسة تحليلية صادرة عن «مركز تعز للدراسات اليمنية الخليجية» للباحث هشام المسوري، أن انتقال مركز ثقل جماعة الحوثي من صعدة إلى صنعاء لم يكن مجرد تمدد جغرافي، بل محطة فارقة غيّرت طبيعة العلاقة التي ربطت القيادة بقواعدها ومقاتليها الأوائل. فبعد أن كانت الرابطة التنظيمية قائمة على قيم “العهد والوفاء والتضحية” والتقشف، حلت لغة المصالح والمناصب وتوزيع الموارد بديلاً عن الروابط القديمة.

وشهدت البنية العسكرية الأولى للجماعة، التي قادت حروب صعدة الست وتمددت نحو عمران وصنعاء، تحولاً جذرياً في نمط الحياة؛ إذ انخرطت شخصيات بارزة—مثل أبو علي الحاكم، وأحمد حامد، ومحمد علي الحوثي—في قلب شبكات المال والتجارة والعقارات في العاصمة، مقلصة ارتباطها الميداني والاجتماعي بمركز نشأتها في صعدة. ومع هذا التمكين، تراجعت لغة “المظلومية” لحساب البحث عن الرتب الوظيفية، والشهادات الأكاديمية، والشرعية الإدارية داخل أجهزة الدولة.

واصطدم القادة الميدانيون القادمون من صعدة بواقع إدارة الدولة، مما دفع الجماعة إلى الاعتماد على كفاءات إدارية من الأسر الهاشمية في صنعاء، واستيعاب قيادات سابقة في النظام السابق (مثل حمود عباد). هذا التوجه ولّد استياءً صامتاً لدى مقاتلي “الرعيل الأول” الذين رأوا في منح المناصب لمن كانوا يُوصفون بـ”الخصوم والمنافقين” تهميشاً لاستحقاق التضحية والقتال التاريخي.

وانعكس الانتقال إلى صنعاء على العائلات الحوثية؛ فالقائد الذي واجه ضغوط الجبهات وجد نفسه أمام متطلبات أسرية تؤثر التعليم والاستقرار المعيشي على ثقافة التضحية المستمرة. وبتحول الأبناء من مشاريع “تعبئة وقتال” إلى مشاريع مستقبل مهني وتعليمي، فقدت الجماعة جزءاً محورياً من قدرتها على التحشيد العقائدي غير المشروط.

 

نص الدراسة التحليلية لـ”هشام المسوري”

صعدة التي تركها الحوثي وراءه.. كيف غيّرت سلطة الحوثي في صنعاء بنيته القتالية الأولى؟

منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في أواخر العام 2014، بدأ يتغير شيء أساسي في بنية الجماعة نفسها. فقد أخذ مركز قوتها يتوزع بين أكثر من مجال، وصارت صنعاء، بما تمثله من مؤسسات الدولة ومواردها وشبكات المال والتجارة والإدارة، مركزاً جديداً للجماعة إلى جانب مركزها القديم في صعدة. هذا التحول لم يضف مركزاً جديداً إلى الجماعة من دون ثمن، فقد جرى تمدد مركز الجماعة في صنعاء على حساب المكانة التي كان يحتفظ بها مركزها في صعدة، ومع مرور الوقت بدأت المسافة بين المركزين تكشف تغيراً أعمق في الجماعة وفي الأشخاص الذين حملوا مشروعها منذ بداياته.

فالسنوات التي مرت منذ انتقال مركز قوتها من صعدة إلى صنعاء لم تترك الجماعة على الصورة التي كانت عليها وهي تخوض حروبها الست. الذين خرجوا من البيئة المغلقة في صعدة إلى صنعاء وجدوا أنفسهم أمام عالم آخر تماماً، فيه المال والدولة والمؤسسات والتجارة والعقارات والوظائف والعلاقات الاجتماعية الواسعة، وفيه أيضاً طبقات من النفوذ لم تكن موجودة في البيئة التي تشكلوا فيها. ومع الوقت أخذ هذا العالم يعيد تشكيلهم بقدر ما حاولوا هم إخضاعه.

القادة العسكريون الذين اعتمدت عليهم الجماعة أولاً في السيطرة على مديريات صعدة خلال حروبها الست، والذين اعتمدت عليهم كذلك في دفع قواتها من صعدة نحو عمران وصنعاء، كانوا يمثلون في بدايات الجماعة كتلة شديدة الخصوصية. غلب على كثير منهم التكوين العقائدي والعسكري والمغلق، وكانت صلاتهم الاجتماعية محكومة ببيئة محدودة الاحتكاك ببقية اليمن. لم تكن لديهم معرفة واسعة بأشكال الحياة خارج تلك البيئة، ولم تكن المصالح المادية قد صارت بعد لغة أساسية في علاقتهم بالجماعة.

وكانت الجماعة تعرف كيف تستثمر في ذلك. الأسرة الحوثية نفسها لم تكن تحمل قيم الرفقة التي كان أبناء القبائل يحملونها، لكنها عرفت كيف تستثمر إيمان هؤلاء بقيم العهد والوفاء والرفقة، وتحوّلها إلى رابطة تنظيمية تخدم بقاء الأسرة. حسين الحوثي، مثلاً، استفاد من علاقته بالرزامي ومن رابطة الصحبة التي نشأت بينهما، ثم تحولت هذه الرابطة عند الطرف الآخر إلى التزام بالوفاء للرجل ولأسرته. هكذا استُخدمت قيم كانت راسخة في البيئة القبلية في صعدة لبناء تنظيم تدور نواته النهائية حول أسرة الحوثي.

كان ذلك أكثر فاعلية في مرحلة كانت الأسرة فيها محاصرة ومطاردة وفقيرة في الموارد والمصالح الظاهرة. بالنسبة إلى أولئك الذين التحقوا بها، لم تكن هناك سلطة كبيرة أو ثروة تنتظرهم، وكانت الكلفة التي يدفعونها من حياتهم ومالهم وأمنهم أكبر بكثير من أي منفعة مباشرة يمكن أن يحصلوا عليها. لذلك أمكن تثبيت العلاقة على الولاء والوفاء والتضحية.

لكن الأسرة التي خرجت من المطاردة إلى السيطرة تغيّرت شروط علاقتها بهؤلاء. صارت أسرة حاكمة تملك الموارد والمناصب والعقارات والنفوذ، وصار الذين كانوا معها ينتظرون منها نصيباً من هذه الموارد. هنا تغيرت طبيعة العلاقة نفسها. أخذت المصالح تدخل إلى المكان الذي كانت تشغله رابطة العهد، وأصبح السؤال الذي يطرح نفسه داخل القاعدة القديمة للجماعة هو أين موقعنا في سلطة صنعتها سنوات القتال التي دفعنا ثمنها؟

ومع انتقال أحد أهم مراكز ثقل الجماعة إلى صنعاء، ازداد هذا التحول وضوحاً. مركز الجماعة في صعدة نشأ داخل بيئة محلية مغلقة نسبياً، بينما مركزها في صنعاء وجد نفسه داخل مدينة كانت عاصمة للدولة ومركزاً للقرار والإدارة والمال والتجارة. هناك البنوك والوزارات والمؤسسات والأسواق والعقارات وشبكات رجال الأعمال والموظفون والجامعات والإعلام والقبائل والبيوت الاجتماعية المتعددة. لذلك أصبحت صنعاء بالنسبة إلى قادة الجماعة القادمين من صعدة فضاءً يتيح لهم أن يتحولوا من رجال حرب إلى أصحاب سلطة ومصالح.

وهذا التحول بدأ ينعكس على نظرتهم إلى صعدة نفسها. ففي صعدة كان القائد الحوثي واحداً من رجال الجماعة في بيئة تشكلت فيها الجماعة أصلاً، أما في صنعاء فقد اكتسب انتماؤه إلى صعدة قيمة جديدة لأن السيطرة على العاصمة جعلت أبناء صعدة، في نظر كثير من أصحاب المصالح، مرتبطين بمركز القوة الذي استولى على الدولة. صار التاجر أو صاحب المصلحة في صنعاء يرى في علاقته بشخص من صعدة ضمانة إضافية، لأن هذا الشخص قد يكون متصلاً بشبكة القوة الجديدة.

هذه قيمة اجتماعية لم تكن موجودة بالطريقة نفسها داخل مركز الجماعة في صعدة. هناك لم يكن أبناء صعدة بحاجة إلى إثبات قربهم من مركز الجماعة لأنهم يعيشون أصلاً في بيئتها. أما في صنعاء فقد تحول هذا الانتماء إلى مصدر نفوذ يمكن استثماره في العلاقات والمصالح.

 

مظاهر التحول ونمط الحياة لدى القادة

أخذت الصورة تتضح أكثر مع استقرار الشخصيات التي كانت قريبة من الأسرة الحوثية في صنعاء. أبو علي الحاكم وأحمد حامد ومحمد علي الحوثي، وغيرهم من الشخصيات التي أصبحت في قلب مركز الجماعة في العاصمة، شاهدهم بقية القادة والأفراد وهم ينتقلون إلى حياة مختلفة. نقلوا عائلاتهم، بنوا علاقات جديدة، حصلوا على العقارات، راكموا الموارد، صنعوا لأنفسهم نفوذاً، وأصبحت زيارات بعضهم إلى صعدة محدودة ونادرة.

لم يكن الأمر مجرد انتقال جغرافي. لقد نشأ إحساس لدى القادمين من صعدة بأنهم دخلوا مرحلة التمكين. صنعاء أصبحت في وعيهم صورة السلطة التي وصلوا إليها بعد سنوات الحرب. ومع هذا التحول تبدلت الأولويات. الرجل الذي كان يفكر في الجبهة والمواجهة والمظلومية والإنفاق على الجماعة بدأ يفكر في الموارد التي يفترض أن يحصل عليها من السلطة التي ساهم في بنائها.

وهذا يفسر جانباً من التحول الذي طرأ على عدد من القادة. فقد كان كثير منهم يعرف الحرب ولا يعرف الإدارة. وبعد السيطرة على صنعاء أصبحوا بحاجة إلى معرفة الدولة التي صاروا يسيطرون على أجهزتها. أخذ بعضهم يبحث عن شهادات جامعية ودورات وتأهيل إداري، وبدأ آخرون يسعون إلى الرتب العسكرية والمؤهلات التي تمنحهم شكلاً من أشكال الشرعية الوظيفية داخل أجهزة الدولة التي استولوا عليها.

هنا ظهر تناقض جوهري. فالجماعة التي نشأت على فكرة القتال وإدارة الجبهة وجدت نفسها أمام جهاز دولة يحتاج إلى مهارات لا توفرها سنوات الحرب وحدها. ولذلك بدأت عملية تحول داخلية لدى بعض قادتها من عقلية الجبهة إلى عقلية صاحب المنصب، ومن معرفة إدارة المقاتلين إلى محاولة تعلم إدارة المؤسسات.

 

الأسر الهاشمية في صنعاء ومشكلة الكفاءة

زاد هذا التحول تعقيداً مع التحاق عدد من الأسر الهاشمية التي كانت موجودة في صنعاء أثناء حروب صعدة بالجماعة بعد سيطرتها على العاصمة. فقد وجد القادة القادمون من صعدة أمامهم أشخاصاً ينتمون إلى البيئة الهاشمية نفسها، لكنهم يمتلكون خبرات تعليمية وإدارية ومالية واسعة.

كان أبناء هذه الأسر قد درسوا في الجامعات، وعملوا في مؤسسات الدولة، واكتسبوا خبرة في الإدارة والحسابات والمال والوظيفة العامة. وحين استولت الجماعة على مؤسسات الدولة احتاجت إلى هذه الخبرات، مهما كان تصور القادة العسكريين عن أصحابها الذين لم يشاركوا في حروب صعدة ولم يدفعوا كلفة القتال التي دفعها رجال الجماعة هناك.

وهنا ظهر مأزق صعب داخل الجماعة. القائد القادم من صعدة يرى أن منطق التضحية يمنحه أولوية في المكافأة، لكنه يكتشف في الوقت نفسه أن السيطرة على جهاز دولة تحتاج إلى شخص يعرف كيف يديره. يستطيع إزاحة هذا الشخص بالقوة، لكنه لا يستطيع أن ينتج خبرته في اليوم التالي. لذلك اتجهت الجماعة إلى إبقاء عدد من هؤلاء في مواقعهم، وفي الوقت نفسه بدأت كتلتها المكونة في صعدة تبحث عن التعليم والتأهيل والخبرة التي كانت تفتقدها.

وهذا خلق شعوراً مزدوجاً لدى القادة القادمين من صعدة. فهم أصحاب الحرب التي أوصلت الجماعة إلى صنعاء، لكنهم وجدوا أنفسهم محتاجين إلى أشخاص لم يخوضوا تلك الحرب كي يتمكنوا من إدارة ما استولت عليه الجماعة.

 

ضغط العائلة وتغير معنى التضحية

لم تكن التحولات مقتصرة على القادة. فقد بدأت عائلاتهم نفسها ترى صنعاء من زاوية مختلفة. عندما انتقلت أسر بعض القادة إلى العاصمة، وشاهدت العائلات الأخرى أبناء أقرانها يدرسون في مدارس أفضل، ويدخلون الجامعات والمعاهد، ويحصلون على فرص عمل ومواقع جيدة، بدأت تضغط على رجالها للانتقال أيضاً.

القائد الذي كان قادراً على تحمل ضغط الجبهة لم يكن قادراً بالسهولة نفسها على مقاومة ضغط زوجته وأبنائه وإخوته الذين يريدون مستقبلاً أفضل لأطفالهم. وهكذا صار الانتقال إلى صنعاء مرتبطاً بمستقبل الأبناء، وبالتعليم، وبالوظائف، وبالمعيشة، وبالرغبة في إخراج العائلة من حياة الحرب الطويلة.

كان هذا التحول يمس جوهر الثقافة التي بنت الجماعة جزءاً من قوتها عليها. في مركز الجماعة في صعدة كان الابن يمكن أن يكون جزءاً من مشروع التضحية. ومع الوقت صار الابن مشروعاً للمستقبل. أصبح القائد يفكر في تعليم ابنه، وعمله، وسكنه، وحياته، وحماية أسرته، وتوفير المال لها.

ومع انتقال مركز التفكير من التضحية إلى الحياة، بدأت الجماعة تخسر شيئاً من قدرتها على تعبئة هؤلاء بالطريقة القديمة. الشخص الذي صار لديه عقار وتجارة وأبناء في المدارس وموارد يريد حمايتها يتعامل مع الجبهة والحرب والمخاطرة بطريقة مختلفة عن شخص لم يكن يملك شيئاً يخسره.

 

انكشاف الأسرة الحوثية وسقوط صورة الطهورية

حدث تحول آخر نتيجة انكشاف الأسرة الحوثية أمام أتباعها. فقد عاش كثير من القادة والقواعد في مرحلة التأسيس على صورة قيادة تتقشف، وتتحمل المطاردة، ولا تبحث عن المال والجاه. ومع وصول الجماعة إلى موارد الدولة، ظهرت أمامهم قيادة تنشغل بالمناصب والأموال والعقارات والنفوذ.

وهنا لم يعد الأمر متعلقاً بما يحصل عليه الفرد وحده. فقد بدأ يرى خريطة توزيع الموارد داخل الجماعة، ومن يحصل على المناصب ومن يُستبعد، ومن يقترب من الأسرة ومن يبقى خارج دوائرها. وظهرت المنافسة داخل بنية الجماعة نفسها.

هذا الانكشاف جعل السؤال يتحول من الوفاء المجرد إلى سؤال الموقع. أين أنا من هذه السلطة؟ ماذا حصلت عليه من سنوات القتال؟ لماذا يذهب الموقع إلى شخص آخر؟ ولماذا يملك هذا الشخص نفوذاً وأنا الذي قاتلت منذ البداية؟

من هنا صار البقاء في مركز الجماعة في صعدة يعني بالنسبة إلى بعض هؤلاء البقاء خارج دائرة المصالح التي تشكلت في صنعاء.

 

تهميش مركز الجماعة في صعدة واستمرار العزلة

أخذ قادة وقواعد من أبناء صعدة يرون في استمرار عزلة مركز الجماعة هناك شيئاً يتجاوز الإهمال الإداري. فقد بدأ يتشكل لديهم اعتقاد بأن إبقاء صعدة ضعيفة الخدمات ومعزولة عن مظاهر الحياة الحديثة يساعد الجماعة على الاحتفاظ بالبيئة التي نشأت فيها.

فالطريق الجيد، والكهرباء، والتعليم، والصحة، والإنترنت، وحركة الناس، كلها تفتح أمام المجتمع أبواباً جديدة. وكل باب جديد يفتح معرفة بحياة مختلفة، ويجعل الإنسان يقارن، ويكتشف أن العالم أوسع من الجبهة والجماعة والملازم.

ولهذا بدأ السؤال يتردد بين أبناء صعدة أنفسهم، بمن فيهم المؤيدون للجماعة. الأسرة التي قاتلنا معها أصبحت تسيطر على موارد اليمن، فلماذا لا تقدم هذه الموارد لمركز الجماعة الذي خرجت منه؟ لماذا لا توجد طرق جيدة؟ لماذا يبقى الإنترنت ضعيفاً؟ وإذا كان الخوف من الاختراق الأمني هو السبب، فلماذا استطاعت الجماعة أن تدير الجيل الرابع في صنعاء؟

وتتجه الإجابات التي يتداولها هؤلاء إلى أن استمرار العزلة يخدم بقاء السيطرة. فالمجتمع الذي يرى حياة أخرى يبدأ في المطالبة بها، بينما المجتمع الذي يبقى محروماً منها يمكن إبقاؤه داخل منظومة التعبئة القديمة.

ومع هذا الإدراك بدأ بعض أبناء الجماعة يفصلون بين مصالحهم ومصالح الأسرة الحوثية. لم يعد ما يخدم الأسرة يخدمهم بالضرورة، ولم يعد البقاء في مركز الجماعة في صعدة يبدو الطريق الوحيد للحصول على المستقبل. وهنا بدأ انتقالهم إلى صنعاء.

 

الاستياء من استيعاب الخصوم

زاد هذا الشعور عندما شاهد القادة القادمون من صعدة الجماعة وهي تمنح مواقع ومصالح لأشخاص كانوا في خطابها السابق جزءاً من النظام الذي حاربته. ظهر أمامهم أشخاص مثل حمود عباد وغيرهم ممن كانوا مرتبطين بمؤسسات الدولة التي كانت الجماعة تصفها بالعداء والمنافقين والعملاء.

كان هذا صادماً لرجال تربوا على فكرة أن هؤلاء أعداء وأن التضحية التي قدموها في الحروب تمنحهم أولوية عليهم. لم يكن من السهل على المقاتل القادم من الجبهة أن يفهم لماذا يحصل شخص وصفه الحوثيون طويلاً بالمنافق أو العميل على منصب، بينما يبقى هو خارج دائرة القرار.

الجماعة احتاجت بالفعل إلى خبرات هؤلاء وإلى قدرتهم على إدارة مؤسسات الدولة، لكن القادة القادمين من صعدة لم ينظروا إلى المسألة من زاوية الحاجة الإدارية. كانوا يرونها من زاوية التضحية والاستحقاق. وهنا ظهر واحد من أعمق التناقضات التي ولّدها انتقال الجماعة من تنظيم مسلح نشأ في صعدة إلى قوة تسيطر بالقوة على دولة ومؤسساتها.

 

الموقف من السعودية وتحول الحسابات

ظهر التحول أيضاً في نظرة شريحة من القادة الحوثيين القادمين من صعدة إلى السعودية. فهؤلاء خرجوا من بيئة كانت السعودية بالنسبة إليها امتداداً لجبهة القتال. ومع انتقالهم إلى صنعاء ودخولهم عالم المال والتجارة والسلطة، بدأت علاقتهم بالمملكة تدخل في حساب مختلف.

صعدة تقع على تماس جغرافي واجتماعي مع السعودية، وكثير من أبنائها لديهم صلات قديمة بالمملكة. ومع تجربة المال والسلطة والتجارة، بدأ بعض هؤلاء يرى أن استمرار العداء المفتوح مع السعودية قد يهدد المصالح التي أصبح يمتلكها.

بدأت تظهر داخل هذه الشريحة مقارنات من نوع مختلف. لماذا لا تستفيد الجماعة من الطريقة التي تتعامل بها الحكومة العراقية مع السعودية؟ العراق لديه علاقات وثيقة بإيران، ومع ذلك حافظت حكومته على علاقات مع السعودية وتبادلت معها الزيارات وحرصت على عدم تحويل الخلافات إلى مواجهة دائمة.

كان هذا النوع من التفكير يصطدم مباشرة بالمركز العائلي الذي يمسك بقرار الجماعة. فإيران بالنسبة إلى القيادة الحوثية ليست مجرد دولة خارجية، وإنما جزء من منظومة القوة التي ساعدتها على بناء قدراتها العسكرية والسياسية. لذلك بقيت قدرة الجماعة على إنتاج علاقة مختلفة مع السعودية محدودة.

بل إن بعض الحجاج داخل الجماعة أخذوا يستخدمون إيران نفسها في مواجهة القيادة. فإذا كانت إيران تستطيع إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية، فلماذا تصبح العلاقة معها محرمة على الجماعة؟ وإذا كان الإيرانيون يستطيعون تبادل اللقاءات والزيارات مع السعودية رغم التنافس، فلماذا يُطلب من الحوثيين استمرار العداء المفتوح؟

كان هذا نوعاً من المحاكمة الداخلية لمنطق القيادة، لأنه يستخدم المبرر نفسه الذي تستند إليه الجماعة في ارتباطها بإيران كي يسأل عن سبب عدم تطبيقه على العلاقة مع السعودية.

 

المخدرات والهروب من مركز الجماعة في صعدة

في مركز الجماعة في صعدة برز عامل آخر أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للعائلات. فقد تحولت صعدة خلال سنوات طويلة إلى محطة ومخزن وسوق لشبكات المخدرات والتهريب، وتحملت عائلات كثيرة من أبناء صعدة، ومعظمها لا علاقة لها بالجماعة، آثار هذا التحول بصورة مباشرة.

وتعود جذور هذه الشبكات إلى ما قبل ظهور الجماعة بصورتها الحالية. فعدداً من القادة الذين صاروا لاحقاً جزءاً من بنيتها كانوا ناشطين في تهريب المخدرات والسلاح منذ تسعينيات القرن الماضي، واستمرت هذه الشبكات خلال حروب التمرد الست التي خاضتها الجماعة ضد الدولة والمجتمع بين 2003 و2010. ومع تحول الجماعة إلى قوة مسيطرة على مؤسسات الدولة، لم تختف هذه الشبكات، وإنما أصبحت في نظر كثير من أبناء صعدة مرتبطة بصورة أوثق ببنية القوة الجديدة.

وتعتقد شرائح واسعة من أبناء صعدة أن قيادة الجماعة والأسرة الحوثية تحمي شبكات التهريب وتستفيد من عائداتها، وأن تجارة المخدرات أصبحت جزءاً من الموارد التي تعتمد عليها الجماعة إلى جانب استخدامها شبكات التهريب في نقل السلاح.

هذا الاعتقاد لم يتشكل من فراغ في نظر الأهالي. فهم يرون شخصيات نافذة تدير عمليات التهريب في المديريات الحدودية، وبعضها محسوب على الجماعة أو قريب منها، ويرون في الوقت نفسه غياب إجراءات حقيقية توقف نشاطها. لذلك أصبحت مسؤولية انتشار المخدرات في نظر كثير من العائلات مسؤولية الجماعة التي تسيطر بالقوة على المنطقة وتدير أجهزة الأمن والموارد فيها.

المفارقة الأشد إيلاماً أن عدداً من المسؤولين عن إدارة هذه الشبكات داخل بنية الجماعة صاروا هم أنفسهم يواجهون آثارها داخل عائلاتهم. فالقائد الذي بقي أبناؤه في صعدة قد يجد ابنه المراهق في البيئة نفسها التي ساعدت شبكاته على توسيعها. بعض أبناء هؤلاء القادة تعاطوا المخدرات وأدمنها، وأصبحت العائلة التي تدير جزءاً من اقتصاد المخدرات مضطرة إلى البحث عن وسيلة لحماية أبنائها منه.

هنا نشأ تناقض لا يمكن حله داخل منطق الجماعة. القائد يريد إبعاد ابنه عن المخدرات، لكنه يريد في الوقت نفسه استمرار الشبكات التي توفر له ولجماعته مورداً من الموارد. يريد نقل الأسرة إلى مكان أكثر أمناً، بينما تستمر البنية التي تسببت في المشكلة في العمل تحت الحماية نفسها.

لهذا نقل بعض القادة عائلاتهم إلى صنعاء، وانتقل آخرون إلى مراكز أخرى مثل الحديدة. وفي حالة بعضهم لم يكن الانتقال بحثاً عن رفاهية أو منصب فقط، وإنما محاولة لإخراج الأبناء من بيئة أصبحوا يرون أنهم عاجزون عن ضبطها.

وهذا يكشف وجهاً آخر من أزمة مركز الجماعة في صعدة. فالمشكلة لم تعد مجرد نقص خدمات أو غياب طرق وإنترنت، وإنما أصبحت البيئة التي بنت الجماعة جزءاً من قوتها تهدد عائلات بعض رجالها أنفسهم.

 

الأزمة الاقتصادية والزراعة والمغتربون

تواجه الجماعة في صعدة أيضاً مشكلة اقتصادية ترتبط بالمزارعين الذين اعتمدوا تاريخياً على السوق السعودية. فقد كان جزء كبير من الإنتاج الزراعي يجد طريقه إلى السعودية، ومع تراجع هذا المسار وجد المزارعون أنفسهم أمام كلفة إنتاج مرتفعة وسوق محلية لا توفر لهم العائد نفسه.

اضطر بعضهم إلى تعطيل مزارعه، بينما واصل آخرون العمل رغم أن تكلفة الإنتاج أصبحت في حالات كثيرة أعلى من قيمة ما يحصلون عليه من البيع. وفوق ذلك فرضت الجماعة جباياتها ونظامها المالي على النشاط الزراعي.

وهذا جعل شريحة من المزارعين تحمل الجماعة مسؤولية مباشرة عن تراجع مصدر رزقها. فالرجل الذي كان يستطيع تصدير محصوله إلى السعودية صار يرى أن السياسات التي اتخذتها الجماعة تجاه المملكة انعكست على أرضه ومزرعته ودخله.

الأمر نفسه ينطبق على المغتربين. فآلاف من أبناء صعدة يقيمون في السعودية ويديرون أعمالاً تجارية هناك، وبعض الأسر بدأت هجرتها إلى المملكة منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. تراكمت خلال عقود طويلة علاقات اجتماعية وتجارية جعلت لهم حضوراً خاصاً في المملكة.

لكن الحرب التي أدخلت الجماعة في مواجهة مفتوحة مع السعودية وضعت هؤلاء تحت ضغط مزدوج. الجماعة تشك في بعضهم بسبب صلاتهم بالمملكة، والمملكة تراقب بدورها تحركاتهم وصلاتهم بمركز الجماعة في صعدة. ونتيجة لذلك صار بعضهم يخشى العودة إلى صعدة حتى لا يُعامل من قبل الجماعة باعتباره عميلاً، وفي الوقت نفسه يخشى أن تثير عودته المتكررة بين السعودية وصعدة الشبهات لدى السلطات السعودية.

وهكذا أصبحت الحرب التي خاضتها الجماعة من أجل توسيع قوتها سبباً في تضييق المجال أمام جزء من أبناء صعدة الذين كانوا يعتمدون اقتصادياً على العلاقة مع السعودية.

وفي المقابل بدأ عدد من القادة الذين تحولوا إلى تجار يبحثون عن علاقات مع رجال المال والأعمال من أبناء صعدة داخل اليمن وخارجه. لم تعد العلاقة تقوم على التنظيم وحده، وإنما بدأت تتشكل حول المال والخبرة والمصالح والتجارة.

 

من قاعدة مقاتلة إلى طبقة حاكمة

تراكمت هذه التحولات حتى ظهر أمام قيادة عبد الملك الحوثي وضع جديد. آلاف من القادة والأفراد القادمين من مركز الجماعة في صعدة أصبحوا في صنعاء جزءاً من السلطة، وبعضهم صار تاجراً أو مالكاً أو صاحب عقارات ومصالح.

هؤلاء ما زالوا جزءاً من الجماعة، لكن مصالحهم الجديدة تجعلهم مختلفين عن القاعدة التي كانت تعرفها القيادة في صعدة. فصاحب المال يحتاج إلى علاقات، وصاحب العقار يحتاج إلى حماية، وصاحب التجارة يحتاج إلى السوق، وصاحب النفوذ يحتاج إلى شبكة أوسع من شبكة التنظيم.

وهذا بالضبط ما يقلق القيادة المركزية. فقد كان القائد القديم يعرف أن مصدر قوته الوحيد هو الجماعة، بينما أصبح القائد الجديد يملك مصادر أخرى للقوة. يستطيع أن يتصل بتاجر، أو شيخ، أو مسؤول، أو شخصية اجتماعية، أو جهة خارجية، ويستطيع أن يحول هذه العلاقة إلى مورد لنفسه.

ومع اتساع هذه الشبكات تصبح الجماعة أمام احتمال أن تتسرب إلى قياداتها مصالح واتصالات لا تتحكم فيها الأسرة الحوثية.

 

مشكلة القاعدة التأسيسية في صعدة

مع اتساع السيطرة، تواجه قيادة الجماعة مشكلة أخرى مع قاعدتها القديمة في المحافظة. هذه القاعدة تريد أن يبقى وزنها حاضراً في القرار العام، لأنها ترى أنها دفعت الكلفة الأكبر في بناء الجماعة. لكن القيادة التي تحاول إدارة مناطق واسعة من اليمن تعرف أن إعطاء القاعدة القتالية الاولى في صعدة احتكاراً للقرار والمصالح سيخلق مشكلة مع قواعد الجماعة في المناطق الأخرى.

الجماعة توسعت جغرافياً بالقوة، وصارت تحتاج إلى توزيع المناصب والموارد على مناطق متعددة، لكن القاعدة القديمة تظل قادرة على تذكير القيادة بأنها صاحبة البدايات.

لهذا تظهر ازدواجية واضحة. في إدارة الحياة اليومية للسيطرة، تحاول القيادة تقديم نفسها كقوة تتجاوز حدود مركز الجماعة في صعدة. وفي اللحظات التي تعتبرها حاسمة، تعود إلى تلك القاعدة وتستدعيها.

ظهر ذلك بوضوح في التعامل مع السعودية. عندما دخلت الجماعة مرحلة تفاوض جادة، ظهر ممثلوها من أبناء صعدة، بمن فيهم شخصيات من مديريات مختلفة داخل المحافظة، في اللقاءات التي جرت مع السفير السعودي في صنعاء والرياض ومسقط.

هذه الطريقة في اختيار الممثلين تحمل أكثر من معنى. فهي تشير إلى استمرار اعتماد الأسرة على الشبكة القديمة التي صنعت قوتها، كما تكشف في الوقت نفسه أن الجماعة تنظر إلى مركز قوتها في صعدة بوصفه احتياطها الأكثر أمناً في حال تغيرت الظروف.

وقد يكون وراء ذلك تصور أكثر تشاؤماً لدى القيادة نفسها يتعلق بإمكان فقدان السيطرة على صنعاء وبقية المناطق، وبقاء صعدة ساحة التراجع الأخيرة. ولهذا يبدو توزيع التمثيل على مديريات متعددة داخل مركز الجماعة في صعدة محاولة لإبقاء هذه المراكز مرتبطة بالأسرة والاستعداد لاستخدامها إذا اضطرت الجماعة إلى خوض معركة الاحتفاظ بآخر مجال لقوتها.

 

التنافس داخل الأسرة ومشكلة القادة الأوائل

داخل الأسرة الحوثية نفسها نشأ شعور بأن بعض القادة القادمين من صعدة أصبحوا يستخدمون تاريخهم في تأسيس الجماعة للضغط على الأسرة. المنطق الذي يسمعه الجيل الجديد داخل الأسرة يقوم على أن هؤلاء القادة هم الذين قاتلوا مع حسين الحوثي منذ البداية، وأن الجماعة لم تكن تملك شيئاً قبلهم.

هذا الكلام يزعج الأسرة لأن أصحاب هذا الخطاب ليسوا مجرد رجال سابقين يمكن الاستغناء عنهم. كثير منهم شاركوا في القتال منذ البدايات، ولهم علاقات قبلية واجتماعية وقوة عسكرية وشبكات خاصة.

ومن هنا ينشأ خوف من أن يتحول التوتر بين الأسرة وهؤلاء القادة إلى صراع داخلي على غرار الصراعات التي تنشأ داخل التنظيمات المغلقة حين يتحول المؤسسون إلى منافسين للعائلة التي احتكرت القيادة.

وتظهر في بعض الدوائر داخل صعدة، أحياناً على سبيل الفكاهة ذات الدلالة، مقارنة بين محمد علي الحوثي وعلي محسن، وبين عبد الملك الحوثي وعلي عبد الله صالح في نظام ما قبل 2011. المغزى من المقارنة أن محمد علي وعبد الملك يبدوان اليوم جزءاً من مركز واحد، لكن وجود مركزين للنفوذ داخل بنية مغلقة قد يتحول مع الوقت إلى تنافس على القيادة.

وكما كان صالح وعلي محسن يمثلان ركيزتين داخل النظام نفسه قبل أن يظهر تنافسهما بصورة علنية، يمكن أن تنشأ داخل الجماعة مراكز تتعامل مع بعضها باعتبارها جزءاً من السلطة نفسها ثم تتحول إلى مراكز متنافسة عندما تتغير الظروف.

 

انكسار العزلة عبر وسائل التواصل

هناك عامل آخر يضعف البيئة القديمة التي بنت الجماعة جزءاً من قوتها عليها. عشرات الآلاف من الشباب في صعدة أصبحوا موجودين في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن بينهم منتسبون للجماعة نفسها.

كان الشاب في البيئة القديمة يحصل على ثقافته وتفسيره للعالم من الجماعة وملازمها وخطابها. أما اليوم فيستطيع الوصول إلى آلاف الأشخاص، ويتابع قنوات ووسائل إعلام وكتباً ومصادر متعددة، ويقارن بين الروايات، ويقرأ أشخاصاً لا ينتمون إلى الجماعة.

وهذا التغير لا يظهر بالضرورة في صورة تمرد مباشر. أثره أبطأ من ذلك وأعمق. إنه يغير المرجع الذي تتشكل منه الأفكار. لم تعد ملازم عبد الملك الحوثي المصدر الوحيد للمعرفة، ولم تعد الجماعة المجال الوحيد للاحتكاك بالعالم.

ومع تراكم هذا الانفتاح يتغير نوع الإنسان الذي تعتمد عليه الجماعة. فالعزلة التي كانت تساعدها على إنتاج الولاء الكامل تتراجع، والاحتكاك بالعالم الخارجي ينتج مقارنات وأسئلة ومصالح جديدة.

 

عزلة عبد الملك وتوسع المراكز الموازية

كان كثير من القادة القادمين من مركز الجماعة في صعدة معتادين خلال الحروب الست وما بعدها وحتى 2023 على الوصول إلى عبد الملك الحوثي بسرعة. تغير ذلك بعد 2023 عندما بدأت دائرة الحماية الإيرانية الخاصة بتأمين القيادة الرئيسية تعمل على تحصين عبد الملك ودائرته من الاختراقات الأمنية والاستخباراتية.

أدى ذلك عملياً إلى عزل عبد الملك عن جزء كبير من القيادة نفسها. لم يعد الوصول إليه متاحاً بالطريقة السابقة، وصارت دائرة القرار أكثر ضيقاً.

هذا الإجراء يكشف مستوى الشك داخل القيادة. فالحاجة إلى حماية عبد الملك من كبار القادة الذين اعتمدت عليهم الجماعة طوال تاريخها تعني أن القيادة ترى في بعضهم احتمالاً لمصدر خطر، أو ترى على الأقل أنهم يمكن أن يغيروا ولاءهم إذا ظهرت أمامهم مصالح كبيرة.

والخوف لا يتعلق فقط بالخيانة. فالقائد الذي أصبح لديه نفوذ مالي وعلاقات يمكن أن يرى نفسه بديلاً محتملاً في لحظة ضعف الأسرة الحوثية، خصوصاً أن الأسرة نفسها لا تملك بالضرورة الوزن الاجتماعي الذي تملكه بعض المراكز القبلية أو الهاشمية المنافسة لها داخل صعدة.

ولهذا كان الاستقبال الذي حظي به يحيى عبدالله الرزامي من القبائل في صعدة عند عودته من السعودية خلال السنوات الماضية موضع انتباه داخل الأسرة الحوثية. فالاحتفاء به من أبناء صعدة يمكن أن يُقرأ باعتباره تذكيراً بدور مراكز قبلية واجتماعية قديمة ترى أن لها حقاً في الظهور والتأثير.

أما غياب عبد الملك عن الحركة اليومية فقد فتح مجالاً لشخصيات مثل محمد علي الحوثي كي تتحرك بصورة أوسع. وبمجرد أن يتحرك القيادي خارج المجال العسكري والتنظيمي للجماعة، يمكن أن يتحول جزء من الولاء الذي يحصل عليه إلى ولاء شخصي.

هذا ظهر في الزيارات القبلية، وحل النزاعات والثارات، والمشاركة في الأعراس والمناسبات الكبيرة، وزيارات الطلاب، والتبرعات للحالات المرضية، وزيارة ضحايا الحوادث، وغيرها من الأفعال التي تمنح صاحبها صورة اجتماعية مستقلة عن الصورة الرسمية للجماعة.

وعندما يظهر قائد حوثي في الإعلام معترفاً بتقصير في ملف معين، بينما ترفض الرواية الرسمية للجماعة الاعتراف بالتقصير وتحيل الإخفاق إلى “العدوان”، فإن هذا الخطاب يحمل أيضاً معنى شخصياً. إنه يقدم صاحبه للمجتمع بوصفه قائداً يستطيع أن يرى الخطأ ويعترف به ويصلحه.

ثم يستطيع هذا “القائد” العودة إلى داخل الجماعة وهو يحمل رصيداً صنعه خارجها. يصبح القيادي  الحوثي الذي يعرفه المجتمع الغاضب من الجماعة الحوثية، والذي يمكن استخدامه لتخفيف هذا الغضب، فتزداد قيمة موقعه داخل بنية الجماعة بقدر ما يزداد وزنه خارجها.

 

القبيلة ومساحة الاستقلال

تقلق الأسرة الحوثية كذلك من التحركات القبلية لبعض قادتها القادمين من صعدة. فالقائد الذي ينتمي إلى أسرة مشيخية أو قبيلة معروفة يمكن أن يزور شيخاً من قبيلة أخرى خارج صعدة بصفته الاجتماعية والقبلية، بينما تريد الجماعة أن يكون تحركه محكوماً بصفته التنظيمية وبقرارها.

المشكلة هنا أعمق من زيارة أو مناسبة. فالعلاقة بين القبائل يمكن أن تنتج شبكة ولاء مستقلة عن الجماعة، ويمكن أن تعيد للقائد القبلي موقعه الاجتماعي الذي تحاول الأسرة أن تحصره داخل التنظيم.

يزداد هذا القلق عندما تتصل قبائل من صعدة بحاشد أو بكيل أو ببيوت قبلية أخرى خارج المحافظة. فهذه العلاقات يمكن أن تقوي القادة القبليين داخل الجماعة نفسها، وتعيد إنتاج مساحة من الاستقلال الاجتماعي لا تستطيع الأسرة التحكم فيها بالكامل.

وهنا تواجه الجماعة مأزقاً في علاقتها بالقبيلة. تريد الاستفادة من القبيلة، والتأثير في أعرافها وفعالياتها، واستخدامها في تثبيت السيطرة، لكنها تريد في الوقت نفسه أن تخضع العلاقات القبلية لمنطق التنظيم. القبيلة لا تعمل بهذه الطريقة.

ظهر ذلك في قضية فدغم، حيث بدا أن القبائل، بما فيها قبائل محسوبة على الجماعة في صعدة وصنعاء، تتعامل مع القضية باعتبارها شأناً قبلياً داخلياً. وفي مناقشات الشيخ أمين عاطف حول الأعراف القبلية ظهر جانب من هذا الاستقلال الذي لا تستطيع الجماعة إلغاءه بسهولة.

هذا النوع من الاستقلال يمكن أن يتحول إلى مصدر خطر على الأسرة الحوثية، لأنه يخلق مجالاً اجتماعياً يتحرك فيه القائد بعيداً عن مركز القرار العائلي.

ويظهر الأمر كذلك في علاقة بعض القادة القادمين من صعدة بالمؤسسات التي أنشأتها الجماعة في صنعاء. فهؤلاء لا يتعاملون دائماً مع قرارات المشاط أو الحكومة الحوثية التي شكلتها الجماعة باعتبارها أوامر ملزمة لهم. ينطلق بعضهم من شعور بأنهم أصحاب سلطة أصلية، وأن المواقع التي يشغلها الآخرون لا تجعلهم أعلى منهم.

 

ما الذي تغيّر في مركز الجماعة في صعدة؟

التحولات كلها تعيدنا إلى النقطة الأولى. مركز الجماعة في صعدة كان البيئة التي أمكن فيها للأسرة الحوثية أن تبني تنظيمها على العزلة، وعلى قيم قبلية استثمرت فيها، وعلى التعبئة الدينية، وعلى الحرب، وعلى علاقة مباشرة بين المقاتل والقيادة.

بعد صنعاء تغيرت الشروط. ظهر المال، وظهرت الدولة، واتسعت العلاقات، وتبدلت حياة العائلات، ودخلت الخبرات الإدارية، وظهرت المصالح التجارية، وانفتح الشباب على العالم، وخرج القادة من المجال العسكري إلى مجالات النفوذ الاجتماعي والاقتصادي، وتراجعت قدرة الأسرة على احتكار مصادر القوة.

في الوقت نفسه بدأت صعدة نفسها تدفع ثمن انتقال مركز الجماعة إلى صنعاء. بقيت الخدمات محدودة، وتضررت الزراعة، وتراجعت علاقات العمل مع السعودية، وانتشرت شبكات المخدرات والتهريب، وتحملت العائلات آثار ذلك، بينما رأى أبناء صعدة أن الموارد التي صارت في يد الجماعة لم تعد إلى مركزها القديم.

وهكذا لم تعد المسألة مجرد انتقال قادة من محافظة في الأطراف إلى مركز العاصمة. إنها عملية تفكك تدريجي للبنية التي قامت عليها الجماعة الحوثية في بداياتها.

في صعدة كان بإمكان الجماعة أن تنتج مقاتلاً يعرف الجماعة ولا يعرف العالم كثيراً. في صنعاء وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع رجل يريد المال والمنصب والعقار والتعليم والعلاقات. وفي صعدة كان يمكن للأسرة أن تعتمد على الوفاء والرفقة والولاء، بينما صار القائد الذي خرج إلى صنعاء يملك مصالح يمكن أن تدفعه إلى البحث عن شركاء خارج التنظيم.

ولا يأتي الخطر الذي تواجهه الأسرة الحوثية  فقط من المجتمع الذي تحكمه معها علاقة عداء متبادل، وليس فقط من الاعداء خارج الجماعة. جزء من الخطر ينشأ من المصالح والنجاح الذي حققته بالقوة نفسها، فالجماعة التي كانت تحتاج إلى مقاتلين في صعدة كي تصل إلى صنعاء أصبحت تخشى أن يتحول هؤلاء المقاتلين والقادة أنفسهم، بعد وصولهم إلى صنعاء، إلى مراكز قوة لا تستطيع الأسرة الحوثية احتواءها.

وهذه هي المفارقة التي تكشفها السنوات التي تلت السيطرة على صنعاء. انتقال مركز الجماعة من صعدة إلى صنعاء منح الأسرة الحوثية مساحة هائلة من السلطة والموارد، لكنه في الوقت نفسه أخرج جزءاً من قادتها من البيئة التي كانت تجعل ولاءهم لها أسهل، وأدخلهم في عالم المصالح الذي يجعل الولاء نفسه موضع حساب.

وكلما اتسعت المسافة بين مركز الجماعة في صنعاء ومركزها القديم في صعدة، اتسعت معها المسافة بين الجماعة التي نشأت على الحرب والتقشف والتعبئة، والجماعة التي أصبحت تملك دولة ومالاً وسلطة ومصالح. وفي هذه المسافة تحديداً يتشكل الصراع داخل الجماعة، ليس بالضرورة في صورة مواجهة معلنة، وإنما في صورة مراكز نفوذ تتسع، وعلاقات تتعدد، ومصالح تتضارب، وأسرة تحاول الاحتفاظ باحتكار القرار أمام رجال صنعوا معها القوة ثم اكتشفوا، بعد أن خرجوا من صعدة، أن القوة يمكن أن تكون لهم هم أيضاً.

المحصلة أن الجماعة خرجت من سنوات السيطرة على صنعاء ببنية مختلفة عن تلك التي دخلت بها الحرب. تراكم السلطة والثروة والمصالح، وتعدد مراكز النفوذ داخلها، مع اتساع المسافات بين القيادة والقاعدة، غيّرت قدرتها على الحشد والانضباط وتحمل الكلفة. وهذا الضعف سيظهر حين تنتقل الجماعة من إدارة السيطرة إلى مواجهة اختبار حقيقي. في أول مواجهة عسكرية شاملة وجادة ستجد أن جزءاً أساسيا من قوتها السابقة تبدل، وأن القادة والكوادر الذين كانوا يتحركون بمنطق التنظيم المغلق صار لديهم حساب آخر لما يمكن أن يخسروه.

 

The post من خنادق صعدة إلى عقارات صنعاء.. كيف فككت غنائم السلطة النواة القتالية الأولى للحوثيين؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية