الفنون تهزم تداعيات الحرب وتنتصر لاقتصاد المرأة في عدن
مجتمع إنساني
منذ 15 ساعة
مشاركة

هل تعيد الحرب تشكيل حياة مدينة كاملة، وتدفع نساءها إلى أدوار لم تكن يومًا جزءًا من خرائطهن اليومية؟ في عدن كان هذا التّحول واقعًا فرض نفسه على تفاصيل الحياة منذ بداياته، ولم تواكبه النساء كضحايا، بل كفاعلات أعاد الفن والثقافة التقاط حضورهن منذ اللحظة الأولى، لا بوصفه توثيقًا لاحقًا، بل كقراءة موازية للتجربة وهي تتشكل. فمع امتداد الحرب منذ عام 2015، بدأت ملامح التغير تظهر بوضوح في الواقع الاجتماعي والاقتصادي لمدينة عدن، إذ انعكست الأزمة بشكل مباشر على النساء، اللواتي وجدن أنفسهن أمام أعباء متزايدة وضغوط معيشية خانقة.

وفي ظل تراجع فرص العمل وتقلّص قدرة القطاع الخاص على الاستيعاب، دفعت هذه الظروف كثيرات إلى إعادة تنظيم أدوارهن داخل الأسرة وخارجها، والاتجاه نحو سوق العمل رغم محدودية الفرص، وتدني الأجور، وضعف الحماية القانونية.

لكن هذا التحول اتخذ مسارات متعددة؛ فبينما التحقت بعض النساء بوظائف محدودة داخل مؤسسات قائمة، اتجهت أخريات إلى العمل الحر أو مشاريع صغيرة داخل المنازل والأحياء، هذا التغير التدريجي منح المرأة حضورًا اقتصاديًا أوضح، وإن ظل محاطًا بتحديات كبيرة.

ولفهم هذا التحول بصورة أعمق، تكشف التفاصيل اليومية في أحياء عدن عن واقع أقرب إلى التجربة المعيشة، حيث تتجسد التغيرات في قصص فردية تعكس حجم التحول في الحياة اليومية. فـ”أم محمد”، على سبيل المثال، وجدت نفسها بعد فقدان زوجها لعمله مضطرة إلى تحويل مطبخها إلى مصدر دخل، لتؤسس مشروعًا منزليًا صغيرًا في مواجهة الفقر. ومع مرور الوقت، تحول هذا المشروع إلى ركيزة أساسية لاستقرار الأسرة، في نموذج يعكس قدرة النساء على التكيّف وإعادة بناء الحياة في ظروف استثنائية.

وتتسق هذه التجارب الفردية مع ما تشير إليه بيانات منظمة العمل الدولية (2016)، التي توضح تراجع مشاركة النساء في سوق العمل في صنعاء بنسبة 43% نتيجة تضرر القطاع الخاص، مقابل ارتفاعها في عدن بنحو 11%.

وإذا كانت الأرقام تقدم إطارًا عامًا لفهم التحولات، فإنّ القصص الحياتية تمنحها بعدها الإنساني، فـ”سعاد”، التي انقطعت عن الدراسة قسرًا، انتقلت إلى العمل في الخياطة لتوفير مصدر دخل بديل، مع استمرار حلم العودة إلى التعليم. أما “نور”، فقد وجدت نفسها خلف مقود حافلة صغيرة، تواجه يوميًا تحديات اجتماعية قاسية، قبل أن تتحول تجربتها إلى نموذج للاستقلال في الفضاء العام.

وعند النظر إلى هذه النماذج يتضح خيط مشترك يربط بينها: انتقال المرأة من الهامش إلى موقع الفعل، ومن الاعتماد إلى الإنتاج، ومن التلقي إلى المبادرة. غير أنّ هذا الانتقال لم يكن خيارًا حرًا بالكامل، بل جاء في كثير من الأحيان استجابة مباشرة لضغوط الحرب وإعادة ترتيب الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

ومع تعمق هذا التحول، برزت تحديات موازية لا تقل ثقلًا، من بينها تزايد الأعباء داخل الأسرة، وغياب الدعم المؤسسي، واستمرار التوتر بين الأدوار الجديدة والتصورات التقليدية حول مكانة المرأة وحدود حضورها في المجال العام.

في هذا السياق، يتداخل التحول الاجتماعي مع بعده الثقافي منذ بداياته، إذ لم يقتصر الفن والثقافة على توثيق النتائج، بل شاركا مبكرًا في التقاط التجربة وهي تتشكل، وإعادة قراءتها خارج الخطاب السائد، فالفن هنا لا يأتي لاحقًا على الواقع، بل يوازيه، ويعيد تقديم المرأة كفاعل مركزي في الحياة اليومية، لا كظلّ للتجربة أو ضحية لها.

وتبرز الفنون بوصفها عادة بناء الوعي، إذ تتجاوز تسجيل الواقع إلى تفكيكه وإعادة قراءته، مقدّمة صورة مركبة للمرأة اليمنية بوصفها كائنًا إنسانيًا يجمع بين العمل والمقاومة والحلم والمواجهة. وبهذا، يتجاوز الفن بعملية توثيق التجربة، ليعيد تفسيرها داخل الوعي الجمعي. إذ تسهم هذه الأعمال في تحويل النظرة من التعاطف إلى الفهم الواعي، ومن الصورة المبسطة إلى إدراك أكثر تعقيدًا لتجربة المرأة، كما تكشف عن قضايا كانت غائبة عن النقاش العام، لتصبح جزءًا من الخطاب المجتمعي حول العمل والتمكين والعنف والدور الاجتماعي.

وقد تجسد هذا التحول من خلال نماذج الحواضن الثقافية، حيث تحولت المقاهي والمراكز إلى مساحات عمل مشتركة، مثل “مبادرات التعافي بالفن في عدن”؛ التي دمجت بين الدعم النفسي والتمكين الاقتصادي، فصقلت مهارات النساء في الإدارة والتسويق، وحولت الإنتاج الفني إلى سلع اقتصادية تنافس في المعارض المحلية والدولية. إضافة إلى منصة “قمرة” التي نقلت عشرات الهواة إلى احتراف الإخراج والتصوير، ليعملن اليوم مع منظمات دولية وشركات إنتاج بوعي مهني وحقوقي عالٍ.

مبادرة “التعافي بالرسم” في عدن، هي الأخرى تعتبر من أبرز النماذج التي ربطت الفن بسوق العمل بشكل مباشر، حيث بدأت كمساحة لتفريغ الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب، لكنها تحولت سريعاً إلى مشروع إنتاجي، من خلال تدريب النساء على تحويل لوحاتهن إلى تصاميم تُطبع على الحقائب، الملابس، والأكواب، لينقل هذا العمل الفنانة العدنية من “العزلة” إلى “ريادة الأعمال”، حيث أقيمت معارض بيعت فيها هذه المنتجات، مما وفر دخلاً مستقلاً للمشاركات.

كما لعبت المؤسسات والمشاريع الثقافية، أيضاً دوراً حيوياً في إحياء الهوية الثقافية لعدن ودمج المرأة فيها، من خلال تنظيم مهرجانات ومعارض فنية ركزت على التراث العدني، وبرزت مصورات محترفات ومصممات جرافيك أدرن الحملات الإعلانية للمشاريع، مما كسر احتكار الرجال لمجال التصوير الفوتوغرافي وتوثيق التراث في عدن، وأصبحن الآن ينتجن ويبعن أعمال لجهات دولية.

وفي الإطار نفسه تكاملت جهود مؤسسية مع حراك فردي لرواد الأعمال في عدن لإعادة إحياء الحرف العدنية الأصيلة، كالبخور والمخمليات، برؤية عصرية ومبتكرة. فبينما اشتهرت نساء عدن تاريخياً بصناعة البخور، نجح الفن والثقافة الحديثة في الارتقاء بهذه الحرفة إلى مستوى عالمي عبر دمج “فن التغليف” و”التسويق البصري” بالمنتجات التقليدية.

وقد تجسد هذا الانتصار الاقتصادي من خلال فنانات عدنيات نجحن في ابتكار هويات بصرية وعلامات تجارية (Branding) متكاملة لمنتجات العطور والبخور التي تصنعها الأسر المنتجة والنازحات. هذا التحول المهني مكّن المنتجات المحلية من اقتحام الأسواق الخليجية والدولية عبر منصات التجارة الرقمية، محولاً “الحرفة المنزلية” إلى “صناعة احترافية” عابرة للحدود.

في الختام، تكشف تجربة النساء في عدن خلال سنوات الحرب عن تحول قسري وعميق في موقع المرأة داخل المجتمع والاقتصاد. وفي هذا المشهد، يقوم الفن بتأريخ التحول، ومواكبته وإعادة تفسيره، كاشفًا أنّ ما يبدو حضورًا متزايدًا هو في جوهره صمود مُكلّف، وأنّ عدن لا تُقرأ اليوم إلاّ من خلال نسائها، ومن خلال الذاكرة التي يصنعها الفن لهذا التحول المستمر.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

 

The post الفنون تهزم تداعيات الحرب وتنتصر لاقتصاد المرأة في عدن appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية