اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية( أغسطس)
تقارير وتحليلات
منذ 21 ساعة
مشاركة

مقدمه 

يرصد هذا التقرير أبرز التطورات المتعلقة باليمن خلال النصف الأول من أغسطس 2026، كما تناولتها التغطيات والتقديرات والقراءات الصادرة عن مصادر دولية، في ظل تزامن التطورات الداخلية مع تداعيات المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة. ويتناول التقرير التحركات الحوثية، والتطورات العسكرية على الجبهات اليمنية، واتساع نطاق التعبئة في مناطق سيطرة الجماعة، إلى جانب تصاعد الضغوط على السعودية والملاحة في البحر الأحمر.

كما يتناول التقرير ما أوردته المصادر الدولية بشأن الدور الإيراني في التطورات اليمنية، ومستوى التنسيق بين الحوثيين وحلفاء طهران في المنطقة، والتطورات المرتبطة بأمن باب المندب، فضلاً عن التحركات السعودية لتعزيز خياراتها الدفاعية والأمنية. ويتطرق كذلك إلى انعكاسات التصعيد الإقليمي على مستقبل الهدنة ومسار الصراع في اليمن.

ويقدم التقرير، في ضوء ذلك، خلاصة لأبرز التطورات والاتجاهات التي حظيت باهتمام المصادر الدولية خلال الفترة محل الرصد، مع التركيز على القضايا ذات الصلة بالمسار العسكري والسياسي والأمني في اليمن، وتأثير التطورات الإقليمية في اتجاهات الصراع خلال المرحلة المقبلة.

قراءة في اتجاهات التصعيد الحوثي وحساباته

  • تشير طبيعة التصعيد الحوثي إلى محاولة توسيع نطاق الضغط من الساحة السعودية والمجال البحري إلى إعادة ترتيب الوضع العسكري داخل اليمن، تحسباً لأي مواجهة إقليمية أوسع. ويمكن قراءة التحركات الأخيرة في إطارأربعة مسارات متتابعة: إبطاء تحركات الخصوم، وتشتيت قدراتهم، وجمع المعلومات، ثم استغلال نقاط الضعف. فالهجمات التي شهدتها مأرب وحضرموت خلال الفترة من 6 إلى 9 أغسطس، ثم العمليات في المخا على الساحل الغربي، تبدو مختلفة في أهدافها باختلاف الجبهات؛ إذ تمثل مأرب اختباراً للقدرات العسكرية الأساسية للقوات الحكومية، بينما تتيح حضرموت اختبار مدى قدرتها على حماية العمق الاستراتيجي، في حين يرتبط الضغط على المخا والساحل الغربي بالممرات المؤدية إلى باب المندب. وفي المقابل، يفرض استهداف البنية التحتية السعودية والملاحة البحرية ضغوطاً على الرياض من خارج الجبهة البرية. 
  • لا يبدو أن الغرض من هذه العمليات يقتصر على إيقاع الخسائر، بل يتصل أيضاً بإبقاء القوات الحكومية في وضع دفاعي، ومراقبة طبيعة انتشارها، وتحديد الجبهات الأكثر عرضة للاختراق. ومن شأن تراكم هذه المعطيات أن يوفر للحوثيين هامشاً أوسع لاستغلال أي ثغرات مستقبلية، خصوصاً إذا طرأت تطورات على المفاوضات أو التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة. ومن هذه الزاوية، تمثل المرحلة الحالية بالنسبة للجماعة فرصة لفرض وقائع ميدانية قبل اتضاح مآلات التفاهمات الإقليمية. 
  • ويضيف حجم استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة بعداً مهماً إلى تقدير القدرات الحوثية الحالية. ووفقاً لما أورده Horizon Brief، استخدمت الجماعة أكثر من 160 صاروخاً وطائرة مسيرة هجومية منذ توسع الحملة في نحو 13 يوليو. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن استمرار وتيرة الإطلاق يتطلب توافر مخزونات سابقة، إلى جانب قدرات محلية على الإنتاج أو التجميع، واستمرار قنوات الإمداد الخارجي. وقد يعكس ذلك ثقة الحوثيين بقدرتهم على تعويض جزء من الأسلحة المستهلكة، أو استعدادهم لاستخدام نسبة من مخزونهم الحالي لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية في المرحلة الراهنة. ومن ثم، فإن معدل الإطلاق لا يعكس حجم الترسانة فحسب، بل يقدم مؤشراً على مستوى المخاطرة التي تبدو الجماعة مستعدة لتحملها في الوقت الحالي. 
  • كما توحي طبيعة الأهداف التي جرى اختيارها باحتمال حدوث تطور في قدرة الحوثيين على رصد تحركات القوات وتحديد الأهداف وتوقيت الضربات. فتكرار استهداف مراكز القيادة والسيطرة والمعسكرات ومناطق تجمع القوات والمنشآت اللوجستية قد يشير إلى تحسن في متابعة الانتشار العسكري واستغلال فترات إعادة التموضع أو نقل التعزيزات. وفي حال تأكد حصول الجماعة على مكونات مرتبطة بقدرات GEOINT وSIGINT بدعم روسي محتمل، فقد ينعكس ذلك على قدرتها في تحديد مواقع الأهداف وتحسين دقة الاختيار والتوقيت. غير أن تقدير حجم هذا التطور يظل مرتبطاً بتوافر أدلة أكثر تفصيلاً حول طبيعة هذه المكونات ومستوى استخدامها الفعلي. 
  • ويتزامن النشاط العسكري مع توسع برامج التعبئة داخل مناطق سيطرة الحوثيين. فقد امتدت برامج «طوفان الأقصى» إلى الجامعات والوزارات والمؤسسات العامة والقبائل والمراكز الدينية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك محافظتا ريمة وإب. ويشير اتساع نطاق هذه البرامج إلى محاولة توسيع قاعدة التجنيد والتعبئة إلى ما وراء البيئة الاجتماعية والأيديولوجية التقليدية للجماعة، وبناء قاعدة بشرية أوسع يمكن استخدامها في ظروف الحرب الممتدة. وتجمع هذه السياسة بين إنتاج القوة العسكرية وتهيئة المجتمع للتعامل مع احتمال استمرار الصراع لفترة أطول. 
  • وعلى المستوى الإقليمي، برزت مؤشرات على توسع التنسيق الحوثي مع الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران. وتشير المعطيات الواردة في المصادر محل الرصد إلى إنشاء مقر عملياتي في جرف الصخر للتنسيق مع هذه الجماعات، فضلاً عن مقتل عنصر حوثي بارز خلال الضربات التي استهدفت مواقع للميليشيات في العراق. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس انتقال العلاقة من نطاق الدعم السياسي والعسكري إلى مستوى أكثر انتظاماً من التنسيق العملياتي خارج الأراضي اليمنية. 
  • وفي الجانب البحري، يستفيد الحوثيون من الأهمية المتزايدة لباب المندب في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ويمنح تهديد السفن السعودية والمصالح المرتبطة بالطاقة الجماعة أداة إضافية للضغط على المملكة، في وقت تزداد فيه أهمية طرق البحر الأحمر بالنسبة إلى حركة صادرات النفط السعودية. وبذلك يرتبط أمن باب المندب بصورة مباشرة بأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية، ولم يعد التعامل معه منفصلاً عن التوازنات الإقليمية الأوسع. 
  • وتبدو الحسابات الحوثية تجاه السعودية نتاجاً لتداخل عوامل محلية وإقليمية. فالضغط على الموانئ والملاحة والطاقة يمكن أن يرفع كلفة الوضع القائم ويحسن موقع الجماعة قبل حدوث أي تغير في البيئة الإقليمية، خصوصاً في ظل احتمال تغير مسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن ارتباط الحوثيين بإيران لا يعني بالضرورة تطابق حساباتهم مع حسابات طهران؛ فالجماعة لديها أيضاً أهداف ومطالب مباشرة تجاه السعودية تتصل بالموانئ والمطارات والأسرى والموارد والإيرادات. 
  • في المقابل، تتجه السعودية إلى إعادة بناء خيارات الردع وعدم الاكتفاء بسياسة الاحتواء، من خلال تعزيز التعاون الدفاعي مع تركيا وباكستان، وتطوير التحرك البحري الإقليمي، ودعم قدرات القوات الحكومية اليمنية. وفي هذا السياق، يمثل هجوم 9 أغسطس على جازان اختباراً مبكراً لمدى قدرة الترتيبات الدفاعية الجديدة على التحول من التفاهم السياسي إلى تعاون أمني وعملياتي، سواء في مجال تبادل المعلومات أو الدفاع الجوي أو التنسيق البحري. ولا يرتبط هذا الاختبار باحتمال دخول تركيا أو باكستان في مواجهة مباشرة بقدر ارتباطه بمدى تأثير هذه الترتيبات في حسابات الحوثيين وتقديرهم لكلفة استهداف السعودية. 
  • وتواجه الرياض، في الوقت نفسه، معادلة معقدة بين تعزيز الردع وتجنب العودة إلى حرب مفتوحة. فالتصعيد العسكري الواسع قد يعيد إنتاج ظروف الحرب السابقة، بينما يتيح استمرار الوضع الحالي للحوثيين مواصلة الضغط على الحدود والمنشآت المرتبطة بالطاقة والملاحة. ولذلك يتمثل التحدي أمام السعودية في رفع كلفة الاستهداف الحوثي من دون الانجرار إلى مسار عسكري يعيدها إلى نمط المواجهة الذي ساد خلال الفترة 2015–2022. 
  • ويزداد تعقيد القرار السعودي في ضوء طبيعة العلاقة مع واشنطن. فإذا اتجهت الرياض إلى حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين، فقد تتعارض حاجتها إلى تعزيز الردع مع رغبة الإدارة الأمريكية في تجنب فتح جبهة يمنية جديدة في ظل استمرار المواجهة مع إيران. وفي المقابل، قد يتطلب أي تصعيد سعودي واسع دعماً أمريكياً في مجالات الاستخبارات والتسليح والمساندة السياسية. كما أن الخبرة المتراكمة من السنوات السابقة، وما رافقها من تباين في تقدير مستوى الدعم الأمريكي الذي يمكن أن تحصل عليه الرياض، تظل عاملاً مؤثراً في حسابات القرار السعودي الحالي.

هشاشة الهدنة واحتمال تجزؤ الحرب

في مقابلة مع CGTN، حذرت الدكتورة إليزابيث كيندل، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط ورئيسة كلية غيرتون بجامعة كامبريدج، من أن هدنة 2022 أصبحت أكثر هشاشة خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأخيرة، في ظل تزايد تحركات القوات وعودة الاشتباكات إلى عدد من الجبهات. وترى كيندل أن الخطر لا يقتصر على احتمال تجدد المواجهة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل يمتد إلى احتمال اندلاع القتال على عدة جبهات في وقت واحد، ولا سيما في ظل استمرار الانقسامات داخل جنوب اليمن.

وترى كيندل أن هذه الانقسامات قد تجعل أي جولة جديدة من الحرب مختلفة عن مراحل الصراع السابقة؛ إذ قد لا تعود المواجهة إلى شكلها التقليدي بين الحوثيين والقوات الحكومية، وإنما تتجه نحو صراع أكثر تجزؤاً تتداخل فيه المواجهات المحلية والتنافس بين القوى الجنوبية مع القتال ضد الحوثيين. وفي هذه الحالة، قد يتحول ضعف التنسيق داخل المعسكر المناهض للحوثيين إلى عامل مؤثر في مسار العمليات العسكرية، نتيجة ما يفرضه من صعوبات على توحيد القيادة وتوزيع القوات وتركيزها في الجبهات ذات الأولوية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في ضوء التحركات الحوثية الأخيرة في مأرب وحضرموت والساحل الغربي. فإذا واصلت الجماعة الضغط على أكثر من محور في الوقت نفسه، فقد تتمكن من دفع خصومها إلى توزيع قواتهم على جبهات متعددة بدلاً من تركيزها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استمرار التوترات داخل الجنوب. وعليه، فإن الخطر الناجم عن انهيار الهدنة لا يرتبط فقط بارتفاع وتيرة الاشتباكات، وإنما باحتمال تغير طبيعة الصراع نفسه، من مواجهة تتركز في جبهة رئيسية إلى صراع متعدد الجبهات يصعب على الحكومة التعامل معه ضمن إطار عسكري موحد.

دلالات التحركات الحوثية الأخيرة

وفقاً لتقدير Horizon Brief، تتجاوز التحركات الحوثية الأخيرة إيقاع الخسائر المباشرة إلى محاولة تشتيت القوات الحكومية وتأخير جاهزيتها من خلال الضغط على عدة جبهات في وقت واحد. ففي مأرب تختبر الهجمات البنية العسكرية الرئيسية للحكومة، بينما تختبر التحركات في حضرموت قدرتها على حماية مناطق انتشارها وتأمين خطوط الإمداد وإعادة توزيع قواتها، في حين تضغط عمليات المخا على الجبهة الساحلية والممرات المؤدية إلى باب المندب. ولا يتطلب تحقيق هذا الهدف تدمير القوة المقابلة؛ إذ قد يكون إجبارها على توزيع قواتها بين محاور متعددة، ومنعها من الحشد والتركيز، كافياً لتأخير جاهزيتها وتهيئة ظروف أفضل أمام هجوم أوسع.

ويشير نمط الاستهداف إلى تحسن محتمل في دورة الاستخبارات والاستهداف. فتكرار استهداف مراكز القيادة والسيطرة، والمعسكرات، والموانئ، ومناطق تجمع القوات، قد يعكس قدرة أكبر على متابعة تحركات الخصم وتحديد نقاط الضعف، وليس الاكتفاء بضرب مواقع ثابتة. وإذا تأكد وصول مكونات GEOINT وSIGINT بدعم روسي محتمل، فقد يمنح ذلك الحوثيين قدرة أفضل على تحديد مواقع القوات ومتابعة تحركاتها واختيار الأهداف وتوقيت الضربات. ومن هذه الزاوية، قد تكتسب عمليات استهداف المخا أهمية خاصة إذا تزامنت مع ارتفاع النشاط اللوجستي، لأنها قد تعكس قدرة أفضل على ربط المعلومات المتوافرة عن تحركات القوات بقرار الاستهداف في التوقيت المناسب.

ويمثل هجوم 9 أغسطس على جازان اختباراً مبكراً لمنظومة الردع السعودية الجديدة. فقد وقع بعد نحو 48 ساعة من توقيع اتفاق الدفاع السعودي–التركي–الباكستاني في 7 أغسطس، ما يطرح تساؤلاً حول مدى قدرة الاتفاق على ترجمة التفاهم السياسي إلى تعاون أمني وعملياتي فعلي، بما في ذلك تبادل المعلومات وتعزيز الدفاع الجوي والتنسيق البحري. ولا يتمثل الاختبار الأساسي في دخول تركيا أو باكستان المواجهة بصورة مباشرة، وإنما في مدى تأثير الاتفاق في حسابات الحوثيين بشأن كلفة استهداف السعودية، سواء من خلال رفع مستوى المخاطر أو تعزيز قدرة الرياض على الاستجابة.

ويصف Horizon Brief الحملة البحرية بأنها أداة ضغط تدريجي أكثر من كونها محاولة للسيطرة على المجال البحري. فتغيير مسارات السفن، وإخفاء بيانات AIS، وتجنب بعض الموانئ، وارتفاع أقساط التأمين، كلها عوامل تفرض كلفة إضافية على حركة الملاحة من دون الحاجة إلى امتلاك سيطرة بحرية كاملة. كما أن استهداف السفن السعودية أو المتجهة إلى السعودية يهدف إلى التأثير في قرارات شركات الشحن ورفع كلفة الضغط على الرياض. غير أن توسيع الهجمات لتشمل سفن دول ثالثة أو مناطق أبعد شمالاً في البحر الأحمر قد ينقل المخاطر من نطاق الضغط على السعودية إلى تهديد أوسع لحركة الملاحة الدولية.

ويضيف معدل إطلاق أكثر من 160 صاروخاً وطائرة مسيرة بعداً زمنياً إلى الحملة. فإذا صحت هذه الأرقام، فإن الحفاظ على هذه الوتيرة يتطلب توافر مخزونات سابقة كبيرة، وقدرة على الإنتاج أو التجميع محلياً، أو استمرار قنوات الإمداد الخارجي، أو مزيجاً من هذه العوامل. وقد يعني ذلك أن الحوثيين يثقون بقدرتهم على تعويض ما يستهلكونه، أو أنهم يتعمدون استنزاف جزء من مخزونهم لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية قبل تضييق النافذة العملياتية المتاحة أمامهم. ومن ثم، فإن معدل الاستخدام لا يعكس حجم القوة المتاحة فحسب، بل يقدم أيضاً مؤشراً على مستوى المخاطرة التي تبدو الجماعة مستعدة لتحملها في المرحلة الراهنة.

ويخلص هذا التقدير إلى أن الحوثيين يتحركون ضمن نافذة زمنية آخذة في التضاؤل، يسعون خلالها إلى تأخير حشد القوات الحكومية، وتشتيت القوة المتاحة، واختبار تماسك منظومة القيادة والسيطرة قبل اكتمال جاهزية خصومهم. وإذا كشفت هذه العمليات عن جبهة ضعيفة التنسيق أو منظومة قيادة هشة، فقد يحاول الحوثيون تحويل هذه الثغرات إلى مكاسب ميدانية محدودة، من خلال تنفيذ هجمات موضعية والسيطرة على مواقع وفرض كلفة مرتفعة على خصومهم قبل أن تتمكن الحكومة وشركاؤها من توحيد جهودهم. وفي هذا السياق، قد تصبح إعادة توزيع التعزيزات على محاور مثل البيضاء ومأرب والحديدة وتعز جزءاً من محاولة احتواء نقاط الضعف التي تكشفها المرحلة الحالية.

منظومة التعبئة الحوثية

وفقاً لتقرير Ideology Machine، عمل الحوثيون خلال الأشهر الأخيرة على توسيع منظومة التعبئة بما يتجاوز التجنيد العسكري التقليدي. فقد تحولت برامج التدريب التي أطلقت تحت شعار «طوفان الأقصى» من مبادرات محلية إلى حملة واسعة شملت الجامعات والوزارات والمؤسسات العامة والقبائل والمنظمات الرياضية والمراكز الدينية والمجتمعات المحلية في عدد من المحافظات، من بينها الحديدة وصعدة وتعز وإب وريمة والبيضاء.

وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة لامتدادها إلى مناطق تقع خارج البيئة الزيدية التقليدية للحوثيين، ولا سيما ريمة وإب، ذات الغالبية السنية والشافعية. ويشير التقرير إلى تنظيم مئات الفعاليات التعبوية في ريمة، بالتوازي مع مشاركة مؤسسات حكومية في أنشطة دينية وأيديولوجية تروج لخطاب الجماعة. ولا تقتصر هذه العملية على التدريب العسكري، وإنما تمتد إلى التعبئة الجماهيرية وإعادة تشكيل المؤسسات وبناء بنية أيديولوجية مستدامة من خلال المدارس الدينية والمراكز القرآنية.

ويرصد التقرير تشكل بنية قوة من مستويين؛ أولهما نواة من المقاتلين الأكثر التزاماً المرتبطين بالقيادة والمهام العسكرية المتخصصة، وثانيهما قاعدة أوسع من المجندين المحليين توفر القوة البشرية. ولا يرتبط انخراط هذه القاعدة بالضرورة بالقناعة الأيديولوجية، إذ قد تدفع الضغوط المؤسسية والظروف الاقتصادية وغياب البدائل بعض السكان إلى المشاركة. ويتيح هذا النمط للجماعة توسيع قدرتها على التعبئة إلى ما يتجاوز قاعدتها الأيديولوجية التقليدية.

ولا تستهدف التعبئة الحوثية إنتاج مقاتلين فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تهيئة المجتمع لحرب طويلة الأمد. فالمؤسسات العامة والمناسبات الدينية والأنشطة الاجتماعية تتحول إلى أدوات للتعبئة وقياس مستوى الولاء، فيما يوفر التجنيد قاعدة بشرية يمكن الاستفادة منها في حال انتقال الصراع إلى مواجهة برية واسعة.

كما تؤدي التعبئة وظيفة تتجاوز التجنيد المباشر، من خلال توظيف المناسبات الدينية وفعاليات إحياء الشهداء والمظاهرات والأنشطة الرياضية والاحتفالات المؤسسية في قياس مستوى الولاء والامتثال. وبهذا المعنى، تصبح التعبئة أداة لمراقبة المجتمع وتحديد الأفراد والمؤسسات الأكثر التزاماً بالجماعة، في حين قد يُنظر إلى عدم المشاركة بوصفه مؤشراً يستدعي المتابعة والشك.

ويربط التقرير هذا التوسع بالضغوط التي تواجه القدرات العسكرية الأكثر تطوراً لدى الحوثيين، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة. ومع تعرض بعض القيادات والقدرات العسكرية لضربات، واستمرار الضغوط على خطوط الإمداد الإيرانية، تصبح القوة البشرية مورداً يمكن إنتاجه محلياً، ويصعب تعطيله بالطريقة ذاتها التي يمكن بها استهداف الأسلحة أو مكوناتها. ومن هذا المنظور، تمثل التعبئة الجماهيرية وسيلة للتحوط من تراجع القدرات العسكرية المتقدمة وبناء قوة برية قادرة على خوض مواجهة طويلة.

ويطرح التقرير كذلك تفسيراً لعدم انخراط الحوثيين بكامل قوتهم في الحرب الإقليمية، رغم تهديداتهم بالرد في حال تعرضت إيران لهجوم. فقيادة الجماعة لا تزال عرضة للاستهداف، كما تعرضت قدراتها الصاروخية والمسيّرة لضغوط، في حين تبدو القوة التي جرى بناؤها خلال الأشهر الماضية مهيأة بدرجة أكبر للحرب البرية والساحلية والدفاع عن مناطق السيطرة، وليس فقط لتنفيذ هجمات محدودة على الملاحة.

ويصف التقرير هذه القوة بأنها نوع من قوة الامتصاص القادرة على تحمل الخسائر والدفاع عن مناطق السيطرة، وربما خوض معارك للسيطرة على أراض يمنية إذا تغير ميزان القوى بفعل الحرب الإقليمية. وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة في الحديدة والساحل الغربي، حيث قد تجعل الكثافة البشرية للقوة التي جرى بناؤها أي محاولة برية لانتزاع الساحل أكثر كلفة.

الحضور الحوثي في العراق وتوسّع مسارات التنسيق

وفقاً لتقديرات مشروع التهديدات الحرجة – معهد دراسة الحرب (CTP–ISW)، شهدت العلاقة بين الحوثيين والميليشيات العراقية خلال الأسابيع الأخيرة تطوراً باتجاه تنسيق عملياتي أكثر تنظيماً، مع مؤشرات على تعاون يجمع الحوثيين والفصائل العراقية المدعومة من إيران تحت إشراف الحرس الثوري. وأفادت مصادر إقليمية بأن السعودية وشركاءها يقدّرون أن الهجوم الذي استهدف المملكة في 27 يوليو نُفذ من الأراضي العراقية، بالتنسيق مع الميليشيات العراقية وتحت إشراف الحرس الثوري.

وتشير المعطيات إلى وجود بنية عملياتية حوثية داخل العراق؛ إذ أفادت تقارير بإنشاء الجماعة مقراً جديداً في جرف الصخر بمحافظة بابل، جنوب بغداد، وهي منطقة تقع ضمن نفوذ كتائب حزب الله، بهدف تنسيق العمليات مع الميليشيات العراقية. كما تحدثت تقارير عن وجود مسؤول حوثي سابق في بغداد، بما يشير إلى أن الحضور الحوثي في العراق يتجاوز الاتصالات العابرة إلى وجود منظم يرتبط بعمليات التنسيق.

وتزداد أهمية هذا الحضور مع مقتل عضو حوثي بارز في الضربات الأمريكية–السعودية التي استهدفت مواقع للميليشيات في العراق في 29 يوليو. ويمثل ذلك مؤشراً على وجود كوادر حوثية داخل الساحة العراقية، وعلى ارتباطها بالترتيبات العملياتية الجارية بين الجماعة والفصائل المدعومة من إيران.

ولا تشير المعطيات إلى أن الدور الحوثي في العراق يقتصر على تلقي الدعم أو تبادل الخبرات؛ فقد أشار CTP–ISW إلى احتمال مشاركة الحوثيين في الرد الذي كانت الميليشيات العراقية تعده ضد المصالح الأمريكية والسعودية، فيما تحدثت تقارير عن مشاورات بين الطرفين بشأن تنسيق رد إقليمي أوسع.

وفي هذا السياق، يبدو أن الحرس الثوري الإيراني يؤدي دوراً رابطاً بين الحوثيين والميليشيات العراقية، من خلال الإشراف على ترتيبات التنسيق بين الأطراف. ومع تعرض مواقع للميليشيات وعناصر من الحرس الثوري لضربات أمريكية–سعودية في العراق، أصبحت الساحة العراقية نقطة إضافية يمكن للحوثيين من خلالها توسيع نطاق الضغط على السعودية خارج الأراضي اليمنية.

وتتمثل الدلالة الأبرز في أن الحوثيين باتوا يمتلكون، وفق هذه المعطيات، وجوداً عملياتياً خارج اليمن يمكن توظيفه ضمن شبكة أوسع من التنسيق الإقليمي. ولا يعني ذلك بالضرورة فقدان الجماعة استقلالية قرارها، لكنه يعكس تزايد التقاطع بين حساباتها المباشرة تجاه السعودية وبين شبكة المصالح الإيرانية والفصائل الحليفة لها، مع تحول العراق إلى مساحة إضافية يمكن استخدامها لتوسيع نطاق الضغط على الرياض.

حسابات الرياض: الردع وإعادة ضبط المعادلة

بحسب تقارير Washington Post، يعكس التصعيد الحوثي الأخير تجاه السعودية انتقالاً من التهديدات العامة إلى حملة ضغط محسوبة ومتدرجة تهدف إلى رفع كلفة الوضع القائم واختبار حدود الاستجابة السعودية. ويأتي ذلك بعد أشهر حافظ فيها الحوثيون على مسافة نسبية من الحرب الإقليمية، قبل أن تتجدد المواجهة مع الرياض بالتزامن مع اتساع الصراع بين إيران وخصومها. ولا تبدو تحركات الجماعة مرتبطة بالأجندة الإيرانية وحدها، إذ ترتبط أيضاً بحسابات ومطالب مباشرة تجاه السعودية.

وتشمل هذه المطالب حرية الحركة عبر الموانئ والمطارات اليمنية، وتبادل الأسرى، واستخدام عائدات النفط اليمني لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية وتمويل الخدمات العامة. ويربط التقرير التصعيد كذلك بالتوتر الذي أعقب وصول طائرة من إيران إلى مطار صنعاء، وهي خطوة اعتبرتها الرياض مسألة أمن قومي، قبل أن يتهم الحوثيون السعودية بقصف المطار. ويشير ذلك إلى أن التصعيد الحالي نتج عن تداخل الخلافات السعودية–الحوثية القائمة مع المتغير الإيراني، وليس عن الحرب الإقليمية وحدها.

وفي الوقت نفسه، يتحرك الحوثيون على مسارين متوازيين؛ داخلياً، من خلال الاستفادة من عودة التصعيد إلى الجبهات اليمنية لتحسين مواقعهم العسكرية قبل أي تغير محتمل في البيئة السياسية أو الإقليمية، وخارجياً، عبر رفع كلفة المواجهة على السعودية وتعزيز أوراق الضغط التي يمكن استخدامها في أي ترتيبات أو مفاوضات لاحقة. ومن هذه الزاوية، قد يمثل التصعيد محاولة لتحسين موقع الجماعة قبل تغير المعادلات الإقليمية، سواء عبر تسوية محتملة بين إيران والولايات المتحدة أو إعادة ترتيب العلاقة بين الرياض وطهران.

ولا يقتصر الضغط الحوثي على الأهداف السعودية المباشرة. فكما أشار Horizon Brief إلى أن الحملة البحرية تعمل كأداة ضغط تدريجي أكثر من كونها محاولة للسيطرة الكاملة على البحر، يوضح تقرير Washington Post أن إعلان الحوثيين توجيه الحصار إلى السفن القادمة من السعودية يمنحهم إمكانية رفع الكلفة الاقتصادية للتصعيد وتوسيع نطاق الضغط دون الحاجة إلى استهداف جميع السفن أو فرض سيطرة بحرية كاملة، مع الاحتفاظ بخيارات تصعيدية أكبر إذا لم تحقق مطالبهم نتائج.

وتشير تقديرات نقلتها الصحيفة إلى أن الحوثيين يتبعون تصعيداً مرحلياً ينتقل من استهدافات محددة إلى اختبار الخطوط الحمراء السعودية، مع تجنب حملة واسعة ومستمرة ضد الأراضي السعودية كتلك التي شهدتها سنوات الحرب السابقة. ويعكس هذا النهج محاولة لإظهار القدرة والإصرار مع الحفاظ على هامش للمناورة وتجنب استنزاف القدرات في مواجهة شاملة. كما تدرك الجماعة أن إضعاف إيران قد ينعكس على قدراتها ه أيضاً، ما يجعل الضغط على السعودية يخدم حساباتها الخاصة والمصالح الإيرانية في الوقت نفسه، من دون أن يعني ذلك أن كل خطوة حوثية تأتي بتوجيه إيراني مباشر.

وبالنسبة إلى الرياض، لا تقتصر المسألة على حماية أراضيها من الهجمات الحوثية، بل تمتد إلى تقييم كلفة استمرار سياسة الاحتواء مقارنة بخيار تغيير ميزان القوى على الأرض. فاستمرار الوضع الحالي يبقي الحوثيين قادرين على الضغط على المصالح السعودية والطاقة والملاحة، بينما قد يؤدي التحرك العسكري الأوسع إلى إعادة المملكة إلى حرب مفتوحة سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تجنبها. ولذلك، تتمثل المعضلة في تعزيز الردع والضغط على الحوثيين من دون الانزلاق مجدداً إلى حرب واسعة.

الرد السعودي وحدود التوافق مع واشنطن

وفقاً لتقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، قد تجد السعودية نفسها، في حال اضطرت إلى الرد على الهجمات الحوثية المتكررة التي تستهدف سفنها في البحر الأحمر ومنشآتها للطاقة، أمام خيار تصعيد عسكري واسع قد يتعارض مع الحسابات الأمريكية. وحتى الآن، استمرت الهدنة الأمريكية–الحوثية المعلنة في مايو 2025 رغم الحرب مع إيران، في وقت لا تبدو فيه إدارة ترامب راغبة في فتح جبهة يمنية جديدة، خصوصاً إذا أدى ذلك إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي، بينما لا يزال الصراع الإقليمي الرئيسي مستمراً. وفي المقابل، فإن أي حملة عسكرية سعودية واسعة ضد الحوثيين ستحتاج إلى دعم أمريكي مهم، الأمر الذي يضع الرياض أمام معادلة دقيقة بين ضرورة الرد على الهجمات والتحفظ الأمريكي على توسيع نطاق الحرب.

وتزداد حساسية هذه المعادلة في ضوء التجارب السابقة في العلاقة السعودية–الأمريكية. ففي عامي 2015 و2016، مارست إدارة أوباما ضغوطاً على الرياض للحد من غاراتها الجوية على الحوثيين، معتبرة أن العمليات أدت إلى خسائر مدنية كبيرة من دون تحقيق تأثير كافٍ على الجماعة. وفي عام 2019، تعرضت منشآت الطاقة السعودية في بقيق وحقل خريص لهجمات بطائرات مسيرة نُسبت إلى إيران أو وكلائها في العراق. ورغم تصريحات ترامب الأولية بشأن الاستعداد للرد، اختارت واشنطن عدم تنفيذ عمل عسكري. وفي عام 2025، أنهت إدارة ترامب الحملة الجوية الأمريكية ضد الحوثيين، التي كانت قد بدأت في عهد بايدن، وبحسب ما أورده التقرير، جرى ذلك دون إبلاغ السعودية مسبقاً.

كما يشير التقرير إلى أن السعودية لم تكن متحمسة منذ البداية للانخراط في الحرب مع إيران، رغم رغبتها في الحد من التهديد الإيراني. فقد خشيت الرياض من أن تؤدي الحرب إلى زيادة عدم الاستقرار الإقليمي، وأن تمتد الردود الإيرانية إلى أراضي المملكة ودول الخليج، في وقت لم تكن واثقة فيه من أن واشنطن ستأخذ هشاشة بنيتها التحتية الحيوية في الاعتبار عند وضع خططها العسكرية. ومع دخول الحوثيين بصورة مباشرة على خط المواجهة واستهدافهم المصالح السعودية، ازدادت هذه المخاوف تعقيداً.

وبحسب التقرير، سيتوقف مستوى التصعيد السعودي ضد الحوثيين على حجم الهجمات التي تنفذها الجماعة، ومدى استعداد الرياض لتحمل مخاطر حملة عسكرية جديدة رغم التحفظات الأمريكية. غير أن العودة إلى حرب واسعة داخل اليمن ستفرض على السعودية كلفة استراتيجية كبيرة، في وقت تسعى فيه إلى تجنب تكرار تجربة التدخل العسكري بين عامي 2015 و2022. ومن ثم، لا يقتصر التحدي أمام الرياض على كيفية الرد على الحوثيين، بل يتمثل أيضاً في الحفاظ على قدرتها على الردع من دون الدخول في مسار عسكري قد يتعارض مع حسابات حليفها الأمريكي.


ظهرت المقالة اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية( أغسطس) أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية