كيف كانت البيوت تتواصل عبر النوافذ؟
مجتمع إنساني
منذ 9 ساعات
مشاركة

شكّلت النوافذ المشتركة في البيوت التقليدية وسيلة بسيطة وفعّالة لتعزيز التواصل اليومي والتعاون بين الجيران، فقد تحوّلت إلى قناة مفتوحة تمرّ منها الأحاديث اليومية، وأطباق الطعام، ونداءات الاستعانة البسيطة التي تُخفّف عن الجيران أعباء الحياة. كانت البيوت متقاربة ومتلاصقة حتى بدت كأنها يتكئ بعضها على بعض. لم تكن المسافات تفصل الناس كما تفعل اليوم، لكن هذا التقارب العمراني أصبح انعكاسًا لعلاقات اجتماعية متينة اتّسمت بالتعاون والتكافل والمودّة اليومية.

تذكر أمّ محمد (65 عامًا)، من أهالي مديرية حيفان بمحافظة تعز، أنّ منزلهم كان فيه نافذة مشتركة مع منزل جارهم، وأن تلك النافذة كانت مفتوحة معظم ساعات النهار، يمرّ منها طبق من الطعام، أو شيء يحتاجه الجيران، حتى الأطفال كانوا جزءًا من هذه الحياة المشتركة، يقفون عند النافذة لطلب اللبن أو الخبز، وكأنهم في بيت واحد كبير. وتُضيف أنّ النافذة كانت تتحوّل أحيانًا إلى مساحة للحديث اليومي، تتبادل الجارتان الأخبار والمواساة، فتتشكّل شبكة دعم اجتماعي صغيرة تساعد على تجاوز ضغوط الحياة وتعزّز التشافي النفسي.

يا ابني لمّا كان الجار يروح هو وعائلته إلى قرية أخرى للضيافة أو ما شابه، كنّا نشعر بفراغ داخلنا، وكأننا أضعنا كنز!“، بهذه الكلمات تعبّر أمّ محمد عن عُمق الترابط الاجتماعي الذي كانت توفّره النوافذ المشتركة، وكيف أنّ هذه المساحات الصغيرة كانت قلب الحياة اليومية في القرية، ومكانًا للتواصل، والمواساة، والمشاركة، بما يعزّز الشعور بالتعايش والانتماء داخل المجتمع، حتى إنّ غياب الجار كان يُشعرهم أنّ جزءًا من الحياة قد انتُزع.

أدّى تغيّر أنماط البناء وتباعد البيوت في السنوات الأخيرة، خاصة مع اندلاع الحرب في اليمن وما تبعها من ظروف اقتصادية صعبة، إلى تراجع مظاهر التواصل اليومي بين الجيران، بعد أن كانت العلاقات أكثر قربًا وبساطة. يستحضر عبد الحميد، من أهالي مديرية المعافر، ذكريات الماضي، وكيف كانت الحياة اليومية أكثر بساطة وقُربًا بين الجيران. كان الناس يخرجون يوميًا ليجلس بعضهم مع بعض، يجتمعون في مكان يُسمّى “الدكّة” أمام منزل أحدهم، يسمرون ويتحدثون عن تفاصيل يومهم وخططهم لليوم التالي، ويتبادلون الحديث حول مواسم الزراعة، ويتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، فتتشكّل شبكة من الألفة والثقة التي تغذّي حياتهم اليومية. ويُضيف: “الناس اليوم أصبحوا غير الناس حقّ زمان. الآن تجدهم مجتمعين في مكان واحد ومجلس واحد، لكنهم لا يجرون أي حوار حقيقي بينهم، هم مشغولون بجوالاتهم، وغارقون في عالم افتراضي بعيد عن الجيران وحتى عن أطفالهم”.

ويُشير عبد الحميد إلى أنّ هذا التحول يعكس تراجع التواصل المباشر بين الناس، لكنه يذكّر في الوقت نفسه أنّ استعادة روح التعاون ممكنة، ولو بخطوات صغيرة وبسيطة، مثل المبادرة بمناداة الجار “والتصبيح عليه”، وتبادل الأخبار معه، واستشاراته في أشياء بسيطة لكسر الرتابة أولًا. ثم المبادرة بطلب الطحين أو الخبز من الجار، حتى إن لم تكن بحاجة لذلك، فالغرض فتح نافذة قلبية بين الجيران، ذلك يمكن أن يُعيد الثقة والألفة بين القلوب، ويُعيد ولو جزءًا من دفء الحياة اليومية الذي كان يميز القرية في الماضي.

يعكس حديث عبد الحميد الحنين إلى دفء التواصل المباشر بين الجيران، وكيف أنّ اللقاءات اليومية البسيطة كانت تشكّل شبكة من الألفة والثقة، تحفظ روابط المجتمع وتقوّي الشعور بالسلام والتعايش والتعاون والانتماء، حتى أصبح غياب الحوار المباشر اليوم يترك فراغًا يُشعِر الجميع أن جزءًا من الحياة قد تلاشى.

تغيرت كثيرٌ من ملامح الحياة الاجتماعية في سنوات الحرب؛ إذ شهدت تعز ومناطق يمنية أخرى موجات نزوح وانتقال للسكان، وانتقلت أُسر جديدة لسكن الأحياء نفسها. انعكست هذه التحولات سلبًا على الممارسات اليومية التي كانت جزءًا من التعايش، وتراجعت الثقة بين الناس نتيجة الضغوط النفسية وما تبعها من ضغوط اقتصادية واجتماعية. في هذا السياق، تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة عدن، ورئيس منصة “المرأة المستقلة” الدكتورة رانيا خالد: “حديثنا عن التعايش في المجتمع اليمني لا يقتصر على شكل البيوت أو هندسة العمران، لكنه يشمل منظومة القيم الاجتماعية. كانت المنازل متلاصقة بالجدران، لكنّها أكثر التصاقًا بالقلوب”، وتضيف: “ما يُعرف بـ(الطاقة) أو النافذة الصغيرة بين منزلين كانت تمثّل بوابة ثقة تُمرّر منها أشياء بسيطة، لكنها تحمل المودة والاهتمام والشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد”، موضّحة أن التعايش لا يرتبط بالبناء المادّي وحده، لكنه يرتبط بالبناء الاجتماعي أيضًا، فحتى إن غابت النوافذ المشتركة، يمكن أن تظلّ قيم الجيرة حاضرة في السلام على الجار، والسؤال عنه، وفي المبادرات المجتمعية التي تعيد بناء الثقة.

الدكتورة رانيا نوّهت إلى أن استحضار هذه الصور من الماضي ينبغي أن يُفهم بأنه تذكير بأنّ المجتمع اليمني يمتلك في ذاكرته الجماعية نماذج قوية للتكافل والتعايش. وإذا نجحنا في استعادة هذه القيم في حياتنا اليومية، فسنكون قد فتحنا “طاقة” جديدة بين الناس، ليس في الجدران فقط، لكن في القلوب والعلاقات الاجتماعية أيضًا.

المهندس عبد الله حيدرة، من أهالي عزلة الأعبوس في حيفان، يؤكّد أنّ النوافذ ما زالت موجودة في بعض البيوت، لكنها فقدت دورها القديم وأصبحت جزءًا من ذاكرة المكان. “تحكي هذه النوافذ قصة صامتة عن أيام كانت العلاقات فيها بين الناس أقرب، وحياة المجتمع أكثر بساطة، تعكس الانتماء وروح التضامن والتعايش بين الجيران”، يقول حيدرة.

ويُضيف أنّ استحضار هذه الذكريات يذكّرنا بقيم اجتماعية أسهمت في بناء مجتمع متماسك، قائم على القُرب الإنساني وروح المشاركة. فالممارسات البسيطة، مثل تبادل الطعام أو مدّ يد العون عند الحاجة، كانت تُشكّل شبكة دعم بين الأسر وتساعدهم على مواجهة الصعوبات وتقاسم الأعباء اليومية.

وفي الأخير، يمكن القول: إنه مهما تغيّرت البيوت ونمط العمارة، تبقى روح الجيرة والتواصل المباشر بين الناس جوهر الحياة الاجتماعية في تعز والمجتمع اليمني بشكلٍ عام. النوافذ المشتركة كانت تمثّل رمزًا حقيقيًا للثقة، والمودّة، والمساندة اليومية، ومرآة صافية لقيم التضامن والتعايش التي شكّلت نسيج المجتمع وسلامه الداخلي. اليوم، ورغم التحديات والحرب ونوائب الزمن، وتباعد البيوت، يمكن استعادة هذه الروح بخطوات بسيطة: التحيّة، تبادل الأخبار، والمبادرات اليومية الصغيرة التي تفتح “نوافذ قلبية” بين الجيران. فالقيم الاجتماعية التي تحملها هذه الذكريات هي خارطة طريق لإحياء الانتماء، وبناء الثقة، وإعادة دفء التواصل بين القلوب، كما كانت عليه من قبل، لتظلّ الحياة اليومية مليئة بالتعايش والتعاون والسلام.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

 

The post كيف كانت البيوت تتواصل عبر النوافذ؟ appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية