الفساد في زمن الحرب (الجريمة المضاعفة)
أهلي
منذ 3 ساعات
مشاركة

 

قال الله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” — الروم: 41.

لم تكن هذه الآية الكريمة يوماً مجرد نص ديني يُتلى في المحاريب، بل هي تشخيص دقيق لحالة المجتمعات التي تُفسح المجال للفاسدين أن يرتعوا في مقدراتها، فيعمّ الخراب البر والبحر، ويطال الغني والفقير، والمقاتل والمدني، والمدينة والجبهة على حدٍّ سواء. وإذا كان الفساد في زمن السلم جريمة بشعة توجب المحاسبة، فإنه في زمن الحرب جريمة مضاعفة توجب المحاكمة العاجلة، لأنه لا يسرق المال فحسب، بل يسرق الأرواح، ويبيع الأوطان، ويطعن الجنود من الخلف في اللحظة التي يواجهون فيها الموت في الصفوف الأمامية.

 

أولاً: الفساد في زمن الحرب — بنية مختلفة وأثر أعمق

الفساد في زمن السلم ظاهرة مدمرة تُضعف المؤسسات وتنخر في جسد الدولة ببطء، كالسوس الذي يأكل الخشب من الداخل دون أن يُرى أثره في البداية. أما الفساد في زمن الحرب، فهو مختلف في طبيعته وأثره وسرعة تدميره؛ إنه شراكة مع العدو حتى وإن لم يتصافح الفاسد مع العدو يوماً، ولم يُعلن انتماءه لصفوفه.

في الحروب تتدفق الأموال بصورة غير مسبوقة: مساعدات دولية، ميزانيات عسكرية ضخمة، إغاثة إنسانية، دعم لوجستي، صفقات تسليح وتجهيز. وكل هذه التدفقات المالية تُشكّل بيئة خصبة لأذكى أشكال الفساد وأشدها خطورة. حين يختلس مسؤول مدني في زمن السلم، تتعطل خدمة أو يتأخر مشروع. أما حين يختلس مسؤول عسكري أو مدني مرتبط بالمنظومة الأمنية في زمن الحرب، فإن جندياً يموت لأن السلاح لم يصل، وجبهة تنهار لأن الذخيرة بيعت في السوق السوداء، وعائلة تنزح لأن الإمداد الغذائي وُجِّه إلى تجار الشبكة العفنة بدلاً من المحتاجين.

 

ثانياً: طبقات الفساد — من هم الفاسدون؟

الفساد لا يأتي من فراغ، ولا يمارسه الشرفاء الذين بنوا أنفسهم بجهدهم العلمي والوطني. إنه حكر على فئات بعينها تتشابك مصالحها وتتقاطع شبكاتها:

أولى هذه الطبقات: أصحاب الولاءات دون الكفاءات — وهم الفئة الأخطر على الإطلاق. هؤلاء وصلوا إلى مناصبهم لا بشهاداتهم ولا بتجربتهم ولا بنزاهتهم، بل بقرابتهم من صاحب القرار أو ولائهم لرأس الشبكة الفاسدة. هم لا يعرفون كيف يبنون، لكنهم يُتقنون فن النهب. لا يُحسنون التخطيط، لكنهم خبراء في توجيه العقود لشركاء اللوبي. يجلسون في مقاعد لا يستحقونها، ويوقّعون على ملفات لا يفهمونها، لكنهم يحرصون على أن تصب العائدات في جيوبهم وجيوب حلفائهم.

ثانية هذه الطبقات: شبكات غسيل الأموال المؤسسي — وهي أكثر تطوراً وأصعب كشفاً. حين تتحول المؤسسات العامة، سواء أكانت مدنية أم عسكرية، إلى واجهات لغسيل الأموال المنهوبة، فإن الأمر يصبح أعمق من مجرد موظف فاسد يأخذ رشوة. نحن هنا أمام منظومة متكاملة تُفرّخ شركات وهمية أو شبه وهمية، تُبرم معها عقودٌ بالمليارات دون رقابة ودون تنفيذ حقيقي، فيُضخ المال العام في قنوات خاصة تعود في نهاية المطاف إلى نفس الأشخاص الذين وقّعوا العقود.

ثالثة هذه الطبقات: المستفيدون من اقتصاد الحرب — وهؤلاء يختلفون عن السابقين في أنهم لا يسرقون بالضرورة من المؤسسة مباشرة، بل يُديرون منظومة مصالح موازية تتغذى على حالة الفوضى وغياب الرقابة التي تُوفرها الحرب. يتاجرون في المواد الغذائية والوقود والدواء بأسعار جشعة، ويوظفون علاقاتهم مع المسؤولين الفاسدين لضمان احتكار السوق وتجفيف منافسيهم.

 

ثالثاً: مقدرات الجبهات — الجريمة التي لا تُغتفر

الحديث عن الفساد في مقدرات الجبهات العسكرية هو الحديث عن أبشع صور الخيانة الوطنية في التاريخ البشري. حين يصل الجندي إلى خط الاشتباك وقد بيعت ذخيرته، وحين يُحرم المقاتل من راتبه لأن مسؤولاً أدرج في كشوفه عشرات الأسماء الوهمية، وحين تتحول مخازن الإمداد العسكري إلى بضائع تُباع في الأسواق السوداء — فإن الفاسد في تلك اللحظة لا يختلف في جريمته عن جندي العدو الذي يُطلق النار على صدر المقاتل.

بل إن بعض العلماء الاستراتيجيين يرون أن الخيانة الداخلية عبر الفساد أشد فتكاً بالمنظومة العسكرية من الضربات الميدانية المباشرة، لأنها تُدمر الروح المعنوية قبل أن تُدمر الجسد، وتنخر الثقة في القيادة قبل أن تنخر صفوف المقاتلين، وتجعل الجندي يتساءل: لماذا أضحي بروحي وأهلي في الخط الأمامي، بينما من يدّعون أنهم يسيّرون الخلف ينهبون قوت أطفالي وزوجتي؟

 

رابعاً: الفساد والهوية الوطنية — حين يُباع الانتماء

الفساد الحقيقي لا يقتصر على سرقة المال، بل يمتد ليسرق الهوية الوطنية ذاتها. حين تُهيمن على مفاصل الدولة طبقة تفتقر إلى المؤهلات العلمية والوطنية على حدٍّ سواء، وتستند في وجودها فقط إلى شبكة القرابة والنسب وولاء اللوبي الفاسد، فإن الكفاءات الوطنية الحقيقية تُهمَّش وتُقصى، ويصبح التميز العلمي والنزاهة الأخلاقية عبئاً لا ميزة، ويُصبح الشريف المؤهل غريباً في وطنه بينما يتصدر المشهد من لا يستحقون.

هذا بالضبط ما يُعيد إنتاج الفساد جيلاً بعد جيل: حين يرى الشباب أن طريق النجاح لا يمر بالعلم والكفاءة والنزاهة، بل بالتزلف والولاء والانتساب للشبكة الفاسدة، تنكسر القيم الجوهرية التي تصنع الأمم وتبني الحضارات.

 

خامساً: مأرب — النموذج والتحدي

مأرب بما تحمله من رمزية تاريخية وحضارية عميقة، وبما تمثله في السياق الراهن من ثقل استراتيجي وعسكري وإنساني، ليست بمنأى عن هذا الواقع المر. المدينة التي تحتضن الجبهات وتستقبل النازحين وتمثل نقطة صمود حقيقية في وجه المشروع الانقلابي، تستحق أن تكون نموذجاً للنظافة والشفافية والمحاسبة، لا أن تكون ساحة لتجليات الفساد الذي لا يرحم.

اللهم لطفك بمأرب وأهل مأرب من عواقب الفسدة والمفسدين، ومن شر كل من يتاجر بدمائهم ويتكسب من آلامهم ويبني ثروته على أنقاض تضحياتهم.

سادساً: المحاسبة — الواجب الغائب

لن يتوقف الفساد بالدعاء وحده، ولن ينكفئ الفاسدون بالمناشدات الأدبية. الحل الجذري يمر عبر ثلاثة مسارات لا خيار في تجاوزها:

المسار الأول: الرقابة الحقيقية. لا رقابة شكلية تُكتب تقاريرها في أدراج مكيّفة، بل رقابة مستقلة فعلية تملك صلاحية التحقيق والملاحقة والإحالة للقضاء دون وصاية ودون محاباة.

المسار الثاني: الكفاءة بديلاً عن الولاء. إعادة هيكلة المؤسسات على أسس الجدارة والكفاءة والنزاهة لا على أسس القرابة والولاء، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة في مواجهة الشبكات المتجذرة.

المسار الثالث: الشفافية المالية. الإفصاح عن الميزانيات العامة والعقود الحكومية والمشتريات العسكرية بالقدر الذي لا يضر الأمن الوطني، مع إتاحة المجال للمراجعة والمساءلة.

خاتمة: الوطن أمانة لا غنيمة

الوطن في زمن الحرب أمانة ثقيلة يحملها الشرفاء بدمائهم وعرقهم وليالي سهرهم على الجبهات. ولئن كان مقاتل واحد نزيه يستحق كل التكريم والوفاء، فإن فاسداً واحداً في موقع القرار يستحق كل المحاسبة والمساءلة، لأنه يسرق ليس فقط من خزينة الدولة، بل من قوت الأطفال ودماء الشهداء وأحلام الأجيال القادمة.

“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ” — إبراهيم: 42.

The post الفساد في زمن الحرب (الجريمة المضاعفة) appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية