حزبي
عندما تطوى صفحات الحروب، تتجه الأنظار تلقائياً نحو الدمار الذي تراه الأعين؛ فتتجه الجهود إلى ترميم المدارس، وإصلاح المستشفيات، وإعادة بناء الطرق والجسور، وفي زحمة الحسابات المالية وحصر الخسائر المادية، يتوارى خطرٌ آخر أكثر عمقاً وأشد ضراوة؛ خطرٌ لا تسجله كاميرات الصحافة، ولا تراه لجان الحصر، لكنه يتشكل كالقنبلة الموقوتة في قلب المنظومة التربوية.
إنها الأزمة الصامتة المتمثلة في تجريف الكادر التعليمي وتآكل جاذبية مهنة التعليم؛ حيث أجهزت سنوات الحرب على أحد أهم أشكال الاستثمار الحقيقي: الاستثمار في المعلم. ومعه، بات الخطاب اليوم يحذر من الاستيقاظ غداً على أبنية تعليمية خاوية من المعلمين والكفاءات الراغبة والقادرة على الوقوف أمام السبورة.
لقد تحول التدريس إلى بيئة طاردة استنزفت الرصيد البشري القائم؛ إذ دفع ضيق العيش وآثار النزوح العديد من الكفاءات إلى مغادرة الحقل التعليمي واللجوء إلى الأعمال الحرة أو الهجرة، فضلاً عمن فقدهم القطاع بالوفاة، وترافق ذلك مع انحسار فرص التأهيل والتدريب المستمر، مما اضطر أدّى إلى الاستعانة ببدائل ومتطوعين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الإعداد التربوي والمهني.
ونتيجة لذلك، غدا العمل في هذا المجال غير مرغوبٍ فيه؛ فلا مرتبات تُصرف، ولا مكانة اجتماعية تُحفظ، ولا اهتمام أو رعاية كافية.
فلو عدنا إلى ثمانينيات القرن الماضي، لوجدنا كليات التربية تُعد مقصداً رئيساً للعديد من الطلاب والطاقات الشابة، نظراً لما كانت توفره من حوافز مادية ووظيفية تؤمن للملتحق بها مساراً مستقراً؛ بدءاً من المكافآت والسكن أثناء الدراسة، وصولاً إلى التعيين المباشر والمكانة الاجتماعية بعد التخرج.
أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة بحدة؛ إذ يواجه الطالب الشاب واقعاً طارداً يتسم بضعف الأجور، وانقطاع المرتبات، وتآكل الأمان الوظيفي والمكانة المجتمعية. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الخطاب العاطفي عن قدسية المهنة كافياً لإقناع العقول الشابة باختيار مسار يُهدد استقرارها المعيشي، فالأمم لا تفقد معلميها فجأة، بل تبدأ بفقدانهم حين تفقد المهنة مقومات بقائها.
إن هذه الفجوة تمثل هدراً للخبرات التراكمية في البلد؛ فالمعلم المتمرس هو خبير في إدارة الفصل، واستيعاب الفروق الفردية، وبناء الدافعية لدى المتعلم. وفقدان هذا الرصيد يترك آثاراً سلبية ممتدة تتجاوز الحاضر لتستهدف أجيالاً قادمة.
وتكمن الكارثة الحقيقية في أن معالجة النقص العددي قد تكون ممكنة بالحلول المؤقتة، لكن الأزمة الأخطر تنشأ عندما يعزف الشباب أنفسهم عن الالتحاق بالمهنة؛ حينها نكون أمام أزمة وجودية تُفقد المجتمع قدرته على إنتاج معلميه من داخله.
وإذا كانت المباني تُشيد في أشهر، فإن إعداد المعلم المؤهل يتطلب سنوات من التعليم الجامعي والتدريب والخبرة الميدانية، وإهمال هذه الحقيقة قد يقود بعد الحرب إلى سيناريو حرج، يتمثل في الحاجة إلى الاستعانة بكوادر من خارج البلاد لسد العجز، مما يحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة.
إن مواجهة الخطر القادم تتطلب التحرك العاجل وعدم انتظار نهاية الحرب، عبر تبني خطة استراتيجية شاملة ترتكز على:
إعادة الاعتبار لكليات التربية، من خلال تقديم حوافز مادية ورعاية كاملة للطلاب، وربط التخرج بمسارات وظيفية واضحة ومضمونة.
استعادة الكفاءات المهاجرة، وتوفير بيئة جاذبة وحوافز عادلة تشجع الطاقات التربوية التي غادرت المهنة على العودة إليها.
تأمين الحياة الكريمة للمعلم، عن طريق ضمان أجر عادل ومنتظم، وتوفير التغطية الصحية والحماية القانونية والمؤسسية التي تحفظ كرامته.
تفعيل المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن، والإسراع في ترجمتها إلى إطار تنفيذي يتصدى للاختلالات الهيكلية ويحمي ما تبقى من الكادر التعليمي.
إن المعركة الحقيقية لمستقبل اليمن ستكون إعادة بناء الإنسان الذي يبني الإنسان، ويغذي العقول بالمعرفة لتتفتح إبداعاً وابتكاراً، ويرسم للأجيال دروب المستقبل، ويعيد إليها الأمل في حياة يسودها الحب والسلام والاستقرار والعطاء.
وفي خضم انشغالنا بإعادة بناء ما تهدم، ينبغي ألا ننسى حجر الأساس والعمود الفقري لهذا البناء كله: المعلم؛ فالمدارس والمناهج والتقنيات، مهما تطورت، تظل بلا روح من دونه، لأنه من يبني العقول، ويصنع الوعي، ويفتح أبواب الإبداع، ويعيد للأجيال ثقتها بالمستقبل.
إنها الأزمة الصامتة المتمثلة في تجريف الكادر التعليمي وتآكل جاذبية مهنة التعليم؛ حيث أجهزت سنوات الحرب على أحد أهم أشكال الاستثمار الحقيقي: الاستثمار في المعلم. ومعه، بات الخطاب اليوم يحذر من الاستيقاظ غداً على أبنية تعليمية خاوية من المعلمين والكفاءات الراغبة والقادرة على الوقوف أمام السبورة.
لقد تحول التدريس إلى بيئة طاردة استنزفت الرصيد البشري القائم؛ إذ دفع ضيق العيش وآثار النزوح العديد من الكفاءات إلى مغادرة الحقل التعليمي واللجوء إلى الأعمال الحرة أو الهجرة، فضلاً عمن فقدهم القطاع بالوفاة، وترافق ذلك مع انحسار فرص التأهيل والتدريب المستمر، مما اضطر أدّى إلى الاستعانة ببدائل ومتطوعين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الإعداد التربوي والمهني.
ونتيجة لذلك، غدا العمل في هذا المجال غير مرغوبٍ فيه؛ فلا مرتبات تُصرف، ولا مكانة اجتماعية تُحفظ، ولا اهتمام أو رعاية كافية.
فلو عدنا إلى ثمانينيات القرن الماضي، لوجدنا كليات التربية تُعد مقصداً رئيساً للعديد من الطلاب والطاقات الشابة، نظراً لما كانت توفره من حوافز مادية ووظيفية تؤمن للملتحق بها مساراً مستقراً؛ بدءاً من المكافآت والسكن أثناء الدراسة، وصولاً إلى التعيين المباشر والمكانة الاجتماعية بعد التخرج.
أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة بحدة؛ إذ يواجه الطالب الشاب واقعاً طارداً يتسم بضعف الأجور، وانقطاع المرتبات، وتآكل الأمان الوظيفي والمكانة المجتمعية. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الخطاب العاطفي عن قدسية المهنة كافياً لإقناع العقول الشابة باختيار مسار يُهدد استقرارها المعيشي، فالأمم لا تفقد معلميها فجأة، بل تبدأ بفقدانهم حين تفقد المهنة مقومات بقائها.
إن هذه الفجوة تمثل هدراً للخبرات التراكمية في البلد؛ فالمعلم المتمرس هو خبير في إدارة الفصل، واستيعاب الفروق الفردية، وبناء الدافعية لدى المتعلم. وفقدان هذا الرصيد يترك آثاراً سلبية ممتدة تتجاوز الحاضر لتستهدف أجيالاً قادمة.
وتكمن الكارثة الحقيقية في أن معالجة النقص العددي قد تكون ممكنة بالحلول المؤقتة، لكن الأزمة الأخطر تنشأ عندما يعزف الشباب أنفسهم عن الالتحاق بالمهنة؛ حينها نكون أمام أزمة وجودية تُفقد المجتمع قدرته على إنتاج معلميه من داخله.
وإذا كانت المباني تُشيد في أشهر، فإن إعداد المعلم المؤهل يتطلب سنوات من التعليم الجامعي والتدريب والخبرة الميدانية، وإهمال هذه الحقيقة قد يقود بعد الحرب إلى سيناريو حرج، يتمثل في الحاجة إلى الاستعانة بكوادر من خارج البلاد لسد العجز، مما يحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة.
إن مواجهة الخطر القادم تتطلب التحرك العاجل وعدم انتظار نهاية الحرب، عبر تبني خطة استراتيجية شاملة ترتكز على:
إعادة الاعتبار لكليات التربية، من خلال تقديم حوافز مادية ورعاية كاملة للطلاب، وربط التخرج بمسارات وظيفية واضحة ومضمونة.
استعادة الكفاءات المهاجرة، وتوفير بيئة جاذبة وحوافز عادلة تشجع الطاقات التربوية التي غادرت المهنة على العودة إليها.
تأمين الحياة الكريمة للمعلم، عن طريق ضمان أجر عادل ومنتظم، وتوفير التغطية الصحية والحماية القانونية والمؤسسية التي تحفظ كرامته.
تفعيل المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن، والإسراع في ترجمتها إلى إطار تنفيذي يتصدى للاختلالات الهيكلية ويحمي ما تبقى من الكادر التعليمي.
إن المعركة الحقيقية لمستقبل اليمن ستكون إعادة بناء الإنسان الذي يبني الإنسان، ويغذي العقول بالمعرفة لتتفتح إبداعاً وابتكاراً، ويرسم للأجيال دروب المستقبل، ويعيد إليها الأمل في حياة يسودها الحب والسلام والاستقرار والعطاء.
وفي خضم انشغالنا بإعادة بناء ما تهدم، ينبغي ألا ننسى حجر الأساس والعمود الفقري لهذا البناء كله: المعلم؛ فالمدارس والمناهج والتقنيات، مهما تطورت، تظل بلا روح من دونه، لأنه من يبني العقول، ويصنع الوعي، ويفتح أبواب الإبداع، ويعيد للأجيال ثقتها بالمستقبل.