يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ من ستيفن كوك “مجلس العلاقات الخارجية (CFR)”
وقعت كل من باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا «اتفاق مكة للدفاع المشترك» في السابع من أغسطس/آب. ورغم أن الأطراف الموقعة لم تنشر نصاً رسمياً للاتفاق، فإن التقارير تشير إلى أن الدول الثلاث قد اتفقت، في جوهر الأمر، على بند يشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ ومفاده أن أي هجوم على دولة موقعة يُعد هجوماً على الجميع. وتكتسب هذه الضمانة الأمنية أهمية بالغة، إذ تلزم كلاً من السعودية وتركيا بالدفاع عن باكستان في حال اندلاع حرب في جنوب آسيا، كما يُفترض أن تنضم القوات السعودية والباكستانية إلى القتال في حال وقوع مواجهة عسكرية بين إسرائيل وتركيا في سوريا أو شرق البحر الأبيض المتوسط.
وسرعان ما وُضعت هذه الالتزامات على المحك بعد ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من مراسم التوقيع، حينما أطلقت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) النار على مصفاة نفط تابعة لشركة «أرامكو السعودية» في مدينة جازان جنوب غربي المملكة. ورغم تعرض السعودية لقصف متواصل من قبل الحوثيين منذ 13 يوليو/تموز، لم يستدعِ القادة السعوديون شركاءهم الجدد لطلب المساعدة. وقد يعود ذلك إلى عدم قناعتهم بأن التهديد الحوثي يشكل خطراً داهماً، غير أن الأرجح هو أن القادة السعوديين، ورغم الإعلان الجريء عن الميثاق الأمني الجديد، لم يستشعروا رغبة ملحة لدى القيادتين التركية والباكستانية للانخراط في قتال مباشر داخل شبه الجزيرة العربية.
ولا يقلل هذا الأمر من شأن «اتفاق مكة»؛ إذ إن أهميته لا تكمن في ضماناته الأمنية، بل في كونه يعكس تحولاً جارياً في النظام الإقليمي للشرق الأوسط، وهو تحول يقلص الدور القيادي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة على مدى عقود طويلة.
فمنذ سبعينيات القرن العشرين، رعت الولايات المتحدة وقادت نظاماً إقليمياً ضم كلاً من البحرين ومصر والأردن والمغرب وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن إسرائيل (بحكم الأمر الواقع). كما أدت دول أخرى، مثل سلطنة عمان والكويت، أدواراً مميزة في هذا الهيكل الإقليمي. وقد جعلت هذه العلاقات مساعي واشنطن لتحقيق مصالحها الجوهرية في الشرق الأوسط أسهل نسبياً وأقل تكلفة؛ وتمثلت تلك المصالح في درء التهديدات عن التدفق الحر للنفط، والمساعدة في ضمان أمن إسرائيل، ومنع أي دولة أو تحالف دول من تحدي الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
ونجحت الولايات المتحدة عموماً في تحقيق هذه الأهداف، حتى مع الأخذ في الحسبان بعض الانتكاسات البارزة، مثل حظر النفط العربي عام 1973 والثورة الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بحليف استبدادي مقرب. وعقب الاضطراب الوجيز في سوق النفط العالمية والركود الحاد الذي أعقبه في السبعينيات، لم يُستخدم النفط سلاحاً مؤثراً مرة أخرى، وبات أمن إسرائيل مضموناً إلى حد كبير، وظلت الولايات المتحدة هي الضامن للأمن الإقليمي. وكان كل ذلك ليكون أكثر صعوبة، وأعلى كلفة من حيث الموارد، لولا مساندة شركاء واشنطن الإقليميين.
- السعودية تعلن انطلاق تحالف دفاعي في البحر الأحمر: هل يُكتب له النجاح؟
- حصري- مخصصات تختفي ومقاتلون يفرون: فساد وجوع ينخر جبهات الحوثيين
- بولتون: اتفاق ستوكهولم كان خطأً فادحاً ولا يمكن قبول “دويلة حوثية” داخل اليمن
ولعل الذروة التي بلغها هذا النظام الإقليمي تجلت قبل نحو خمسة وثلاثين عاماً، حين شكلت الولايات المتحدة تحالفاً للدفاع عن السعودية واستعادة سيادة الكويت عقب الغزو والاحتلال العراقي لها. أما في الآونة الأخيرة، فقد تعرض هذا النظام لضغوط متزايدة جراء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والدعم الأمريكي للمتظاهرين إبان ما سُمي بـ «الربيع العربي»، وإحجام واشنطن عن اتخاذ خطوات حاسمة لإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ودعم واشنطن الفاتر -في أحسن أحواله- للتدخل السعودي في الحرب الأهلية اليمنية، ورفض الرئيس دونالد ترامب الدفاع المباشر عن السعودية بعد استهداف إيران لمنشآت نفطية في المملكة عام 2019، وأخيراً الحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في أعقاب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ حيث ألقت كل هذه العوامل بضغوط جسيمة على كاهل هذا النظام الإقليمي.
وبعد حروب غير حاسمة في أفغانستان والعراق، تركز الجدل داخل أروقة صنع السياسات الأمريكية -والذي يتابعه قادة الشرق الأوسط عن كثب- حول قضايا الانسحاب وتقليص الوجود في المنطقة. وتزامنت فكرة تراجع أهمية الشرق الأوسط مع الاعتقاد بأن ضمان تدفق موارد الطاقة من المنطقة قد بات شيئاً من الماضي بسرعة. واستند أحد أوجه هذه الحجة إلى الزيادة الكبيرة في الإنتاج المحلي الأمريكي من النفط والغاز، ما دفع البعض إلى الادعاء بأن الولايات المتحدة، بعدما تخلت عن اعتمادها على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، يمكنها أن تدير ظهرها للمنطقة. بينما افترض اتجاه فكري آخر، بتبسيط مفرط، أن حماية حقول النفط في المنطقة لم تعد ضرورية مع المضي قدماً في التحول نحو مصادر الطاقة البديلة. بيد أن الحجة الأولى تجاهلت تماماً حقيقة أن أسواق الطاقة عالمية، وأن أي تهديد يمسها في أي بقعة من العالم سينعكس حتماً على المستهلك الأمريكي. في حين قلل الادعاء الثاني بدرجة بالغة من صعوبة التخلص من الانبعاثات الكربونية في منظومة الطاقة والمجتمع عموماً.
ومما زاد من حالة التخبط والاضطراب في العقد الثاني من القرن الحالي، افتقار السياسة الأمريكية للقدرة على التنبؤ، وهو ما تجلى في مسارين مترابطين؛ إذ انعكس الاستقطاب السياسي الداخلي في الولايات المتحدة على شكل تحولات حادة ومفاجئة باتت سمة ملازمة لسياستها في المنطقة. ففي عام 2015، أبرم الرئيس باراك أوباما «خطة العمل الشاملة المشتركة» (الاتفاق النووي) مع إيران، ليأتي خلفه دونالد ترامب وينقض الاتفاق بعد ثلاث سنوات عقب بحثه في البداية عن سبل للعودة إليه. كما روجت الولايات المتحدة للديمقراطية في المنطقة ثم تراجعت عن ذلك، لتعاود المحاولة مجدداً في أعقاب الانتفاضات العربية، قبل أن تصرف النظر عنها نهائياً. وأعقب ذلك تبني نهج يرتكز على إعلاء «القيم والمبادئ»، لكن سرعان ما جرى التخلي عنه حين أدرك الرئيس جو بايدن حاجته إلى دعم مصر في غزة عام 2021 ومرونة السعودية بشأن إنتاج النفط عام 2022. وإذا كان القادة الإقليميون يستندون في السابق إلى استمرارية السياسة الخارجية الأمريكية وقابليتها للتوقع، فقد باتوا مجبرين خلال العقود الأخيرة على التعامل مع سياسات قائمة على مبدأ «فعل أي شيء يخالف ما فعله الرئيس السابق»، بصرف النظر عن مدى صواب ذلك.
وساهم أسلوب ترامب الدبلوماسي، القائم على الانطباعات الشخصية وإبقاء كافة الخيارات مفتوحة، في تفاقم عدم القدرة على التنبؤ بالسلوك الأمريكي. ونتيجة لذلك، تأرجحت واشنطن في صراعها المستمر مع إيران بين استخدام القوة، والتهديد بها، واللجوء إلى التفاوض. وغالباً ما وجد شركاء واشنطن الإقليميون أنفسهم دون أي إشعار مسبق بتقلبات ترامب ومواقفه المفاجئة، ودفعوا ثمناً باهظاً تمثل في استعداد إيران لاستهدافهم رداً على الإجراءات الأمريكية. وأثار هذا الاندفاع الواضح تساؤلات لدى البعض في المنطقة عما إذا كانوا سيُتركون لمصيرهم في مهب الريح لمواجهة إيران المتنامية القوة بمفردهم.
ورغم ذلك، لاحت في الأفق لحظات بدا فيها أن هذا النظام القديم الذي تقوده واشنطن مرشح للتعزيز والتطوير؛ إذ رسمت «اتفاقيات أبراهام» -وهي اتفاقيات التطبيع المبرمة عام 2020 بين إسرائيل وكل من البحرين والمغرب والإمارات- مساراً للمضي قدماً نحو هذا الهدف. وأثمرت تلك الاتفاقيات عن تشكيل تحالف متعدد الأطراف مصغر ضم الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات، والذي بلور بدوره فكرة «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، مقترناً بمساعي التطبيع بين السعودية وإسرائيل (التي لم تتحقق). وبدا في المجمل أن هذا المسار يحمل أفقاً لمأسسة الكثير مما ظلت الولايات المتحدة تحث شركاءها الإقليميين على فعله طوال العقود الأربعة الماضية. غير أن هجوم حركة حماس على إسرائيل، والتوترات السعودية الإماراتية حول ملفات إسرائيل والسودان واليمن، فضلاً عن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، قد مزقت أوصال المنطقة وقوضت هذا التوجه.
وبالانتقال سريعاً إلى الحاضر، نجد أن السعوديين، الذين باتت تساورهم شكوك واضحة حول مدى إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة، يبحثون راهناً عن بدائل أخرى، تجسدت في «اتفاق مكة». ولا يهم هنا عدم قدرة الأتراك والباكستانيين على حشد قوة عسكرية تضاهي ما تملكه الولايات المتحدة؛ فالرياض وشركاؤها الأمنيون الجدد يسعون إلى صياغة نظام جديد يتيح لهم هم -وليس لواشنطن- تشكيل ملامح المنطقة ومستقبلها.
وبالنسبة لباكستان وتركيا -وكلاهما شريك للولايات المتحدة يعاني في الوقت ذاته من وطأة ممارسة القوة الأمريكية في نطاقهما الجغرافي- فإن «اتفاق مكة» يعزز نفوذهما في منطقة الخليج على حساب خصومهما: الهند وإسرائيل على التوالي. كما يرتبط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتزام أيديولوجي تجاه هذا الحلف الأمني الجديد، بالنظر إلى الاهتمام الإسلامي التركي طويل الأمد بفكرة إنشاء «ناتو إسلامي». علاوة على ذلك، ذهب السعوديون والأتراك إلى ما هو أبعد من ذلك عبر اقتراح إعادة توجيه مسار خط السكك الحديدية الذي يشكل جزءاً من الممر الاقتصادي (IMEC)؛ فبدلاً من أن يمر عبر الأردن إلى إسرائيل ثم يتصل بأوروبا عبر قبرص واليونان، ستتجاوز البضائع إسرائيل لتنطلق من السعودية عبر الأردن وشمالاً إلى سوريا، وصولاً في النهاية إلى تركيا قبل شحنها إلى الدول الأوروبية.
ومن ثم، قد يتحول النظام الإقليمي المنحاز للولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى معسكرين: الدول التي ظلت ملتزمة بـ «اتفاقيات أبراهام»، وتلك المنضوية تحت بديلها المتمثل في «اتفاق مكة». وسابقاً، كانت الخصومات والنزاعات الإقليمية تُحتوى لأن القادة منحوا الأولوية لعلاقاتهم مع الولايات المتحدة، التي كانت بمثابة الرابط الوثيق الذي يجمع أركان النظام الإقليمي. أما اليوم، وفي ظل مضي الباكستانيين والسعوديين والأتراك قدماً في رؤية تنافس «اتفاقيات أبراهام» بشكل مباشر، فإن هذا الوضع لم يعد قائماً.
إن هذا يمثل تحولاً جسيماً يصعب المبالغة في تقدير أهميته؛ فبعد خمسة عقود، لم يعد من الممكن الحديث عن وجود نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر الكاتب.
ستيفن كوك خبير في الشؤون السياسية العربية والتركية، وكذلك في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وهو مؤلف كتاب «نهاية الطموح: ماضي أمريكا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط»
The post نهاية النظام الإقليمي بقيادة واشنطن في الشرق الأوسط.. و«اتفاق مكة» يثبت ذلك appeared first on يمن مونيتور.