اليمن ليس وحده.. “يمن ديلي نيوز” يستعرض تجارب سابقة في مواجهة الانقسام النقدي
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” دعاء صوان: يحمل اليمنيون العملة نفسها، لكن قيمتها لم تعد واحدة. ففي بلدٍ انقسمت فيه المؤسسات والسياسات النقدية، أصبح الريال يشتري سلعاً مختلفة تبعاً للمنطقة التي يتداول فيها، بينما يدفع ملايين السكان ثمن هذا الانقسام عبر موجات متلاحقة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

ولم يعد سعر صرف الريال اليمني مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحول إلى عامل يحدد تفاصيل الحياة اليومية، من أسعار الغذاء والدواء والوقود إلى تكاليف النقل والإيجارات.

ومع استمرار الانقسام النقدي، باتت القوة الشرائية للمواطن تختلف باختلاف المنطقة التي يقيم فيها، رغم أن الجميع يتعامل بالعملة الوطنية نفسها.

ومنذ اندلاع الحرب في عام 2015، تجاوزت الحرب التي أعقبت اجتياح جماعة الحوثي المصنفة إرهابية للعاصمة صنعاء، حدود الاقتتال لتخلق سوقين لصرف ذات العملة بسعرين مختلفين.

وتظهر مسارات سعر الصرف حجم هذا التحول؛ إذ كان الدولار قبل اجتياح الحوثيين لصنعاء يعادل 215 ريالاً، قبل أن يتخطى حاجز 2500 ريال في بعض الفترات خلال عامي 2024 و2025، في مناطق الحكومة قبل أن يستعيد عافيته منتصف 2025.

وفيما يباع الدولار حاليا في مناطق الحكومة بأكثر من 1500 ريال، يباع الدولار ذاته في مناطق الحوثيين بـ535 ريالاً، وذلك نتيجة قيام الحوثيين برفض التعامل مع العملة الوطنية التي تم طباعتها عقب 2017.

بداية الانقسام

بدأ الانقسام النقدي في ديسمبر/2019 عندما قررت جماعة الحوثي إيقاف التعامل بالطبعة الجديدة من العملة الوطنية بعد 2017 بمبرر نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن في سبتمبر/أيلول 2016.

شددت جماعة الحوثي على عدم قبول تداول العملة الوطنية اليمنية، وصادرت مليارات الريالات في مناطقها، وأجبرت المواطنين في المناطق التابعة للحكومة على صرف مابحوزتهم بالعملات الصعبة للتحويل لذويهم في مناطق الحوثيين.

هذه السياسة النقدية والتي تزامنت مع قصف الحوثيين لموانئ تصدير النفط والقضاء على أبرز موارد الحكومة تسببت في انهيار الريال اليمني في مناطق الحكومة بينما حافظ الريال على قيمته في مناطق الحوثيين بفعل فرض سعر إجباري، وفق اقتصاديين.

المواطن يدفع الثمن

وتشير تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أن تراجع قيمة الريال وارتفاع معدلات التضخم ساهما في زيادة مستويات الفقر وتآكل القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في ظل اقتصاد يعاني من آثار الحرب والانكماش وتراجع النشاط الإنتاجي.

ويستورد اليمن، وفق تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي، أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، ما يجعل أسعار معظم السلع الأساسية مرتبطة بحركة سعر صرف الدولار.

كما تراجعت القيمة الحقيقية للرواتب، ولا سيما في مناطق الحكومة، حيث بقيت أجور معظم الموظفين عند مستويات شبه ثابتة، في وقت فقد فيه الريال جزءاً كبيراً من قيمته، الأمر الذي حد من قدرة كثير من الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وتحملت الأسواق بدورها كلفة إضافية نتيجة اختلاف أسعار الصرف بين المناطق، إذ يضيف التجار هامشاً لمواجهة تقلبات العملة، فيما ترتفع نفقات النقل والشحن، لتنعكس هذه الأعباء في نهاية المطاف على أسعار السلع.

ولم يقتصر أثر الانقسام على الأسواق، بل امتد إلى التحويلات المالية بين المحافظات.

ووفقاً لما تؤكده شركات صرافة وعاملون في القطاع المالي، أدى اختلاف أسعار الصرف وإجراءات التسوية بين مناطق السيطرة إلى فرض تكاليف إضافية على كثير من التحويلات المالية، ما زاد من كلفة إرسال الأموال بين الأسر ورفع الأعباء على الأنشطة التجارية التي تعتمد على حركة السيولة بين المحافظات.

فعلى سبيل المثال، قد يضطر مواطن يرغب في تحويل مبلغ مالي من محافظة إلى أخرى إلى تحمل فروقات كبيرة في سعر الصرف، بحيث تصل الأسرة المستفيدة مبلغ يقل كثيراً عن القيمة الأصلية للحوالة، وهو ما يضيف عبئاً جديداً على ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على التحويلات لتغطية احتياجاتهم اليومية.

ماذا تخبرنا التجارب الأخرى؟

ورغم خصوصية الحالة اليمنية، فإن الانقسام النقدي ليس ظاهرة غير مسبوقة في العالم. فقد عرفت دول أخرى ظروفاً مشابهة خلال فترات الحروب أو الانقسام السياسي، قبل أن تتمكن لاحقاً من إعادة توحيد مؤسساتها النقدية واستعادة استقرار عملاتها.

ورغم اختلاف السياقات، فإن هذه التجارب لا تقدم حلولاً جاهزة، لكنها توفر مؤشرات مهمة لفهم التحديات التي يواجهها اليمن والمتطلبات اللازمة لتجاوزها، وتوضح أن معالجة الانقسام النقدي لم تكن قراراً فنياً فحسب، بل جاءت ضمن مسارات سياسية وإصلاحات اقتصادية متزامنة.

ألمانيا.. عملتان حتى توحدت الدولة

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، انقسمت ألمانيا إلى شرقية وغربية، وتطور الانقسام السياسي إلى نظامين اقتصاديين ونقديين مستقلين، لكل منهما بنك مركزي وعملة وسياسة نقدية مختلفة.

وفي ألمانيا الغربية، أُجري إصلاح نقدي واسع في يونيو/حزيران 1948، استُبدلت بموجبه عملة الرايخ مارك بالمارك الألماني، بالتزامن مع إنشاء بنك الولايات الألمانية، الذي أُنيطت به مهمة الحفاظ على استقرار العملة وإدارة السياسة النقدية باستقلالية عن السلطة السياسية.

وفي عام 1957، تأسس البنك المركزي الألماني (البوندسبانك) ليحل محل بنك الولايات الألمانية، مع تعزيز استقلاليته وتوحيد إدارة السياسة النقدية.

وبعد سقوط جدار برلين عام 1989، بدأت عملية إعادة توحيد ألمانيا، التي اكتملت رسميًا في أكتوبر/تشرين الأول 1990.

وكان الاتحاد النقدي والاقتصادي والاجتماعي، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز 1990، من أولى خطوات إعادة التوحيد، إذ امتد نطاق عمل المارك الألماني والبنك المركزي إلى الولايات الشرقية.

واستُبدلت عملة ألمانيا الشرقية بالمارك الألماني، مع اعتماد سعر تحويل (1:1) للأجور والمعاشات والمدخرات الصغيرة، بينما طُبقت أسعار مختلفة على الأرصدة الكبيرة وبعض الأصول.

كما جرى دمج البنكين المركزيين في مؤسسة واحدة، الأمر الذي وفر أساسًا موحدًا لإدارة السياسة النقدية خلال مرحلة إعادة بناء الاقتصاد.

وتشير التجربة الألمانية إلى أن استقرار العملة لم يكن نتيجة قرار مصرفي فحسب، بل جاء ثمرة مؤسسات نقدية مستقلة وإصلاحات اقتصادية متدرجة، ضمن عملية سياسية شاملة أعادت توحيد الدولة ومؤسساتها.

ليبيا.. الانقسام انتهى قبل أن تتوحد السياسة

شهدت ليبيا، بعد عام 2014، انقسامًا مؤسسيًا انعكس على عمل مصرفها المركزي، إذ أصبحت هناك إدارتان متنافستان في طرابلس والبيضاء، وسط اختلاف في إدارة الإيرادات والإنفاق العام، رغم بقاء المصرف المركزي مؤسسة واحدة من الناحية القانونية.

ورغم استمرار الخلافات السياسية، بدأت خطوات توحيد المصرف المركزي عبر لجان فنية وحوارات برعاية دولية، قبل الإعلان في أغسطس/آب 2023 عن استكمال عملية توحيد المصرف المركزي، بما شمل توحيد الإدارة المالية والرقابية، مع استمرار بعض التحديات الإدارية والسياسية.

وتوضح التجربة الليبية أن توحيد المؤسسة النقدية يمكن أن يسبق التسوية السياسية الشاملة إذا توافرت إرادة مشتركة لحماية الاقتصاد، والحد من الانقسام المالي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات.

الصين.. نهاية العملات المتعددة

وقبل قيام جمهورية الصين الشعبية، عام 1949 شهدت البلاد تعددًا في العملات التي أصدرتها حكومات وسلطات محلية مختلفة، ما أدى إلى اضطراب الأسواق وارتفاع معدلات التضخم وتراجع الثقة بالنظام النقدي.

وفي عام 1948 أُسس بنك الشعب الصيني، الذي أصدر عملة الرنمينبي، لتصبح بعد قيام الجمهورية في 1949 العملة الوطنية الموحدة، مع سحب العملات المتعددة تدريجياً وربط السياسة النقدية بمؤسسة مركزية واحدة، وهو ما أسهم في استعادة الاستقرار النقدي.

هذا الاجراء أسهم في استعادة الثقة بالعملة الوطنية والحد من الاضطرابات الاقتصادية التي صاحبت مرحلة الانقسام.

كما تبرز التجربة الصينية أهمية وجود سلطة نقدية موحدة قادرة على إدارة السياسة النقدية وإلغاء ازدواجية العملات، باعتبار ذلك أحد الأسس اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

طريق طويل نحو التعافي

تكشف تجارب ألمانيا وليبيا والصين أن إنهاء الانقسام النقدي لم يكن نتيجة قرار مصرفي منفرد، بل جاء ضمن مسار أوسع لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز الثقة بالنظام المالي وتوحيد إدارة السياسة النقدية.

ورغم اختلاف الظروف التي مرت بها تلك الدول، فإنها تظهر أن استقرار العملة يرتبط بوجود مؤسسات فاعلة وسياسات اقتصادية متسقة، إلى جانب بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ الإصلاحات.

وفي اليمن، لا يزال الانقسام النقدي أحد أبرز التحديات التي تثقل كاهل الاقتصاد وتنعكس مباشرة على معيشة المواطنين.

وبينما لا تقدم التجارب الدولية نموذجاً يمكن تطبيقه بحذافيره، فإنها تؤكد أن تجاوز ازدواجية القرار النقدي يتطلب معالجة تتجاوز الأدوات المالية وحدها، ضمن مسار أوسع يعيد بناء الثقة بالمؤسسات والعملة الوطنية، ويمهد لاستقرار اقتصادي أكثر استدامة.

وحتى يتحقق ذلك، سيظل ملايين اليمنيين يدفعون كلفة هذا الانقسام من قدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم.

ظهرت المقالة اليمن ليس وحده.. “يمن ديلي نيوز” يستعرض تجارب سابقة في مواجهة الانقسام النقدي أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية