“إما مع ثورة حسين وزيد، أو باطل يزيد، إما مع أحرار المسيرة، أو مع حلف الفساد“. يمثّل هذا البيت الشعري من زامل “سَلّيت سيفي في سبيل الله، وأسرجت الجواد“، ذروة التهديد الطائفي الذي بات يتغلغل في الثقافة الشعبية اليمنية، فهو يُعيد تفسير الصراع السياسي المعاصر باعتباره امتدادًا لصراعات دينية تاريخية مقدّسة بين “الحسين بن علي” و “يزيد بن معاوية” وربطه بـ”المسيرة”؛ ليمنحها شرعية مقدّسة، ويُشيطن الخصم بباطل “يزيد” و”حلف الفساد”، وهو خطاب طائفي يُغذّي الانقسام، ولا يترك مجالاً للاختلاف السياسي. كان الزامل اليمني صوتًا للقبيلة وحكمة لأبنائها، يُنشَد في الأعياد الوطنية ولإعلان السلم وطلب الصلح، مؤكّداً على وحدة الصف، إلا أن هذا الموروث شهد تحولًا جذريًا عقب سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
نسعى في هذا المقال إلى مناقشة كيف انتقل الزامل اليمني من كونه وسيلة تعبير ثقافية واجتماعية للقبيلة إلى آلة تعبئة عسكرية وأداة لإنتاج الشرعية السياسية والدينية للصراع، وهو ما يمثّل عملية “عسكرة للثقافة” تهدّد الوجدان الشعبي. ولتفكيك هذا التحوّل، سيقدّم المقال عرضًا للخلفية السياسية التي مهّدت لهذا التوظيف، ثم تأصيلًا تاريخيًا لوظائف الزامل التقليدية، وصولًا إلى تحليل الفوارق الفنية والوظيفية التي طرأت عليه، مع تحليل لنموذج زامل معاصر يكشف عن استراتيجيات الاستقطاب والقداسة التي باتت تشكّل جوهر هذا الفن اليوم.
مثّلت سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014 نقطة تحوّل استراتيجية في توظيف الفنّ الغنائي الشعبي “الزامل” لتعزيز نفوذها السياسي بدمج هذا الفن برسائل سياسية لخدمة مشروعها السياسي، حيث أغلقت جميع وسائل الإعلام الرسمية، وأدّى هذا إلى استبدالها بوسائل إعلام تابعة لهم.
تُشير المصادر إلى أنه عقب السيطرة على العاصمة، أغلقت الجماعة الحوثية الوسائل الإعلامية الرسمية واستبدلتها بمنظومة تابعة لها، كما وضعت “خطة إعلامية استراتيجية” لجذب المؤيّدين لمشروعهم، شملت إنشاء مركز إعلامي متخصّص لإنتاج رسائل صوتية ودعائية وأناشيد دينية.
وفي الوقت الذي تُنتِج فيه جماعة الحوثي الزامل الحربي، لا تزال القبائل اليمنية تُردّد الشعر الشعبي الشفوي المعروف باسم” الزامل” نوعًا من الأدب الشعبي المُستمَد من التراث الشعري القبلي، وكان يُنشَد في الأعياد الوطنية وحفلات الزفاف، ويُستخدم لإعلان السلم وطلب الصلح أو الفخر، ويشير إلى وحدة القبيلة. ومع ذلك، يشير الناقد الصحفي جمال حسن إلى وجود فوارق جوهرية بين الزامل التقليدي والزامل الذي تبثّه الجماعة حاليًا، سواء في البناء اللحني أو الأسلوب الأدائي، “وبصورة عامة لم يعد الزامل التقليدي المصدر الوحيد لزوامل الحوثيين، وليس هذا الذي يظهر الفوارق الكبيرة؛ إذ إنّ الزوامل القبلية التقليدية ربما تأثّرت ببعض الألحان، سواء من التراث المحلّي أو من مصادر أخرى، من دون أن يطرأ تغيير على أسلوب الزامل وتقاليده الإنشادية“. ويرى أنّ الزامل الحوثي لم يعد يكتفي بالمصادر اللحنية التقليدية، بل حدثت طفرة في أساليبه الأدائية جعلته يتقاطع مع “الشيلات” والأناشيد الحماسية، مما أدّى إلى إعادة تطويع ألحان الأغاني الدارجة مع الحفاظ على صبغة معينة باتت تُعرف بـ”الزامل الحوثي“، مما خلق نوعًا من الالتباس لدى المتلقي بين الأصالة والنمط الوافد، خصوصًا أنّ انتشاره لا يقتصر على مناصري الجماعة وحدهم، بل يشمل شرائح مجتمعية أخرى حتى المعارضين لهذه الجماعة.
لطالما كان الزامل في العرف القبلي أداةً للسلم والمصالحة، ووسيلةً للتعبير عن قضايا القبيلة في الحرب والمناسبات ضمن نطاق جغرافي واجتماعي محدود، لكن التحوّل الجوهري، بحسب جمال حسن، يكمن في وظيفة الزامل؛ إذ أصبح آلة تعبئة فيما يخصّ الخطاب الحوثي، فالتحوّل الأساسي فيه أنه أصبح موجّهًا إلى التعبئة العسكرية بدرجة أولى، وبما يخدم خطاب طرف سياسي. وقد استطاع الحوثيون أن يحوّلوا الزامل إلى أداة إنشاد مسموعة في نطاق واسع من اليمن، بل لم يقتصر على اليمن، فبعض الزوامل تحولت إلى “ترند” داخل اليمن وخارجه. هذا الانتشار قد يؤثر بشكل كبير جدًا في طبيعة تعامل المجتمعات القبلية نفسها مع الزامل وطريقة ترديده؛ إذ لم يصبح مقتصرا على مؤسسة القبيلة التي هي مؤسّسة محدودة، بل أصبح ضمن جهاز أكبر وأوسع وأكثر توجيهاً.
بالتأكيد سوف يتأثر الزامل القبلي، ورغم ذلك ما تزال هناك ذاكرة معينة من الزوامل التقليدية لكل قبيلة، لكن المشكلة تكمن فيما يتعلّق بالتوثيق، فثمة ضعف كبير جدًا في هذا الأمر؛ لأنه قد تحتفظ القبيلة بالزامل لفترة معينة وقد يندثر، ومن المؤسف أن المؤسسات الثقافية الخاصة أو الرسمية ليست مهتمة بتوثيق هذا الجانب. يوضح جمال حسن هذا القصور بالإشارة إلى أن الفجوة تكمن في غياب المؤسسات الحكومية من قبل قيام الحرب، خاصة تلك التي تصون هذا النوع من التراث الشفوي، فقد أدّى هذا الغياب إلى إبراز الزامل أداةً سياسيةً لم يكن يؤخذ في سياقات رمزية سياسية عامّة تشمل المجتمع كلّه، فهو مخصّص للقبيلة، وليس من المعقول أن نتعامل معه كرمزية تشمل المجتمع كله، والجيد أنه يحافظ على وظيفته التراثية. أحيانًا مع تطور المجتمعات لم نعد نحتاج إلى استخداماته القديمة.
وعلى الرغم من هذه التحولات، ما زال الزامل يحتفظ بوظيفته ضمن القبيلة، فهو في العادة جزء من العادات والثقافة المحلية، غير أنّ توظيفه السياسي بدرجة كبيرة هو الذي فرضه وجعله أمرًا واقعًا لدى جماعة الحوثيين، فالمؤسّسات الثقافية لم تقدر أن تنجز ما أنجزته الجماعة في هذا الجانب، لقد نجحوا في أن يجعلوا الزامل آلة تعبئة منتشرة.
وفي المقابل، ظلّ استخدام الزامل في المؤسسات الرسمية سابقًا محدودًا وفي إطار استحضار التراث، كما حدث في بعض الأوبريتات الوطنية، مثل أوبريت “خيلت براقًا لمع” في الذكرى العاشرة للوحدة، فقد جرى توظيفه موروثا ثقافياً، لا خطاباً سياسياً موجّهاً، بحسب جمال حسن.
وبتحليل سياق زامل “سلّيت سيفي في سبيل الله، وأسرجت الجواد” للمنشد سالم المسعودي الذي يعتبر أحد أبرز منشدي الحوثيين، يتبين مقدار ما يحمله الزامل في مضمونه من تحريض طائفي، وعنف لفظي خطير. هذا الزامل منشور على قناة المسيرة الفضائية التابعة لجماعة الحوثيين، وقد تلقى هذا الزامل انتشاراً واسعاً محلياً وإقليمياً.
ومن ضمن أبيات الزامل “جندي لأبو جبريل، متجنّد مع ربّ العباد”، المقصود بـ”أبو جبريل” عبد الملك بدر الدين الحوثي، وضع الشاعر هنا “أبو جبريل” في موضع الإله الذي ينبغي طاعته طاعة عمياء وتحرم معارضته بوصف ذلك خروجاً عن الدين.
وهناك عدّة مصطلحات تُشيطن الخصم مثل مصطلح “المتهوّدة”، هذا المصطلح يتجاوز الخلاف السياسي ليصف الخصم بأنّه “عميل لليهود” أو خارج عن الدين. عمد إلى استخدام صفات دينية ذات “دلالة سلبية”، ليجعل مِن قتل الخصم واجبًا دينيًا لتطهير المجتمع، وليس مجرد صراع عسكري.
واحدة من أهم الجُمل في الزامل هي تلك التي يقول فيها: “ما برجع إلا منتصر وإلا شهيد”، وهو ما يبرز أنّ الصراع قد تحول إلى واجب مقدّس، وهو نمط معروف في التعبئة القتالية، في الحروب المقدّسة، التي ينادي فيها أصحابها بالنصر المطلق أو الموت المقدّس، مما يجعل من الخصم ضحية بإجازة إلهية.
ويلعب الزامل على وتر القبيلة، خاصة في قوله: “يا أحرار مأرب… يا عبيدة… يا مراد”، هنا يحاول الخطاب تحويل القبيلة إلى أداة حرب، بدلًا من دورها التقليدي في “الوساطة” و”حقن الدماء”، وهذا يخلق ضغطًا اجتماعيًا للانخراط بشكل أكبر في الصراع.
تؤكّد هذه المعطيات أنّ عسكرة الموروث الثقافي تمثّل تهديدًا وجوديًا للهوية اليمنية، حيث يُستغَلّ الفنّ لتكريس انقسام مجتمعي حاد. ومن ثمّ، تتطلب استعادة هذا الفن تحرّكاً مؤسّسياً يستند إلى معايير اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، والتي تشترط الحفاظ على الممارسات الثقافية في سياقها الأصلي وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في حمايتها. إن سدّ الفجوة المؤسّسية وتوثيق الزامل علميًا ومنهجيًا هو السبيل الوحيد لحماية الفن غير المادي “الزامل” من الاندثار في ضجيج الحروب.
وفي الأخير يمكن القول إن الزامل اليمني شهد تحولًا جذريًا نقلته من كونه أداة للتعبير القبلي والاجتماعي، إلى وسيلة استراتيجية للتحشيد السياسي والعسكري، وهذا ما أوضحه التحليل الفني الذي بيّن كيف تقاطع الزامل المعاصر مع أساليب “الشيلات” والأناشيد الحماسية، مما أدّى إلى حدوث التباس مجتمعي، وتغييب لوظيفة الزامل التقليدية المتمثّلة في السلم والوساطة القبلية، وكل ذلك لصالح أيديولوجية طرف سياسي واحد. وأثبت تحليل نموذج زامل “سلّيت سيفي في سبيل الله وأسرجت الجواد” كيف يُستثمر الموروث الشعبي في شيطنة الخصم، وإضفاء الصبغة القدسية على الحرب، وتحويلها من موقف سياسي إلى “فعل تعبّدي” لا يقبل الحياد. وبناءً على ذلك، يكمن المخرج الوحيد لحماية هذا الموروث في تفعيل أُطر الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة التي تُلزم الدول بصون التراث الثقافي غير المادي في سياقه الأصلي.
- تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
- المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.
The post رحلة الزامل اليمني.. من موروث القبيلة إلى أداة للاستقطاب السياسي appeared first on منصتي 30.